بعد نيسان 2003 بأشهر، زارني صديق من ميسان، واخذني الى بغداد، وهناك التقينا بأصدقاء لا يتجاوزون أصابع اليد، وبحثنا عن مكتب صغير في بغداد ثم ملأنا استنارة، وفي غضون يوم أو يومين اصبحنا أعضاء في منظمة مجتمع مدني هدفها مراقبة عمل الحكومة، أي أننا صرنا جهة رقابية ضاغطة، وهي مظاهر جديدة كنا نعيشها، ولا زلت أتذكر أن الفائدة المادية كانت هي الدافع لهذه الثلة من الأشخاص الواعين كي يؤسسوا منظمة مجتمع مدني.

هذا يعني أن لا سبيل لبناء دولة ديمقراطية من دون مؤسسات ورموز ديمقراطية، منها على سبيل المثال إنشاء الأحزاب السياسية، على الرغم من أن المجتمع العراقي له تجربة قاسية مع الاحزاب، لكن تأسيس الاحزاب ومشاركتها في العملية السياسية، أمر مفروغ منه ولا يحتاج الى نقاش، وعندما تغير النظام السياسي في العراق، كان التركيز كبيرا على تعدد الاحزاب التي ينبغي أن تشارك في العملية السياسية، وكان هناك تشجيع كبير على نشر مظاهر ديمقراطية اخرى، مثل اقامة منظمات المجتمع المدني، ولكن يجب أن نعترف بأن ثمة اخطاء وعاهات اصابت احزابنا، والعاهة حالة مرضية مستعصية، تشل الجسد والذهن فتؤثر على التفكير، وتصبح في معظم الاحيان، مشكلة تؤدي الى العجز في اداء الواجبات كما يجب، لكنها لا تنحصر في الانسان وحده، لأنها قد تصيب كيانات غير بشرية أيضا، فتشل حركتها وتعرقل فاعليتها، وتمنعها من أداء الواجب المطلوب منها، كما يحدث مع الاحزاب السياسية في العراق اليوم حيث أثبت الواقع أننا تعاني من اخطاء جوهرية، تتمركز حول إهمالها الشعب وادارة الدولة، وتركيزها على الفوائد والمنافع الآنية.

كيفية ادارة الدولة

هناك أسئلة جوهرية يتداولها الشعب، لماذا تعاني احزابنا من الأمراض، لماذا لم نشهد حزبا واحدا لا يفكر بالسلطة اولا، لماذا نفتقر للحزب السياسي الذي يطرح مشروعا معاصرا لادارة ، الدولة؟ لماذا لجأ الجميع الى المغانمة، وقاموا بتقاسم المغانم وقسموا الكعكة فيما بينهم وتناسوا الشعب، تُرى هل أحزابنا مصابة بعاهات تمنعها من اداء واجبها السياسي على النحو الأمثل؟، واذا كان جوابنا بالإيجاب، فما هي هذه العاهات، وما هي تأثيراتها على الوضع السياسي في العراق، وهل هناك أمل بمعالجتها، لكي ننجح جميعا في بناء دولة الحلم، دولة المواطنة، دولة المؤسسات التي تحمي حقوق الجميع وتكفلها، مقابل أداء الواجبات المطلوبة؟ في حال نجاح الاحزاب في دورها بادارة العملية السياسية، فإن الاجابة سوف تكون بنعم، العكس يصح طبعا.

ولكن ينبغي أولا أن ندرس طبيعة الاحزاب السياسية، دورها في العمل السياسي، أين تكمن نقاط ضعفها، وكيف يمكن معالجة الخلل لابد أن نقول أن هناك عاهات ومشكلات تعاني منها هذه التكتلات التي لا تمتلك رؤية سياسية ثاقبة لادارة البلاد، أولا إن الاحزاب في العراق مصابة بعاهة التلاعب بالديمقراطية، وثانيا هي مصابة بغياب الشفافية والنزاهة، وثالثا مصابة بتضخيم شخصية القائد الأعلى للحزب، ورابعا هي احزاب صراعات وليست احزاب بناء، لهذا فهي تعد أحزاب مقاوِمة - بكسر الراء- للتطور والتقدم، ومن ثم فهي عاجزة تماما عن نقل البلاد من مستنقع الجهل والتخلف والاضطراب، الى واحة النور والتقدم والاستقرار، وهكذا فإن التأثيرات السلبية لمثل هذه العاهات، كبيرة ومؤثرة جدا على حياة الفرد العراقي، وتؤدي بقوة الى ضياع حقوقه المدنية والخدمية وغيرها، كما يشير الواقع الراهن، حيث الصراعات بين الاحزاب على أوجها، بينما يتضوَّر جوعا ما نسبته 25% من الشعب العراقي، وبعض النسب ترتفع الى 30%، بسبب وقوعهم تحت خط الفقر، كما أشارت الى ذلك جهات رسمية في الدولة فضلا عن المنظمات المستقلة التي اكدت أن الفقر في العراق بتزايد على نحو واضح في ظل اساءة استخدام الموارد المتاحة، فضلا عن الشلل التام في الانتاج الصناعي والزراعي، والميزانية التي تستهلك مواردها رواتب سبعة ملايين موظف حكومي ومتقاعد، بالاضافة الى تمويل الحرب على داعش التي لا تزال المعارك معها اشد ضراوة.

لماذا ضاعت فرصة البناء؟

عندما كانت اسعار النفط عالية، كانت الاحزاب التي تتألف منها السلطة مشغولة بمنافعها، اليوم هبطت الاسعار كثيرا الى 70% تقريبا، كيف يمكن عبور هذه الازمة التي مغلقة الآفاق؟؟ فإذا كان العراق، وهو صاحب الميزانيات المليارية الضخمة 100 مليار دولار ميزانية 2012 وهي أعلى ميزانية في تاريخ العراق وبعض دول المنطقة، عاجزا عن انقاذ هذه النسبة السكانية الكبيرة من وطأة الفقر وقسوته، فهذا دليل قاطع على وجود الفساد السياسي واستشرائه بقوة، الامر الذي يدل بدوره على فساد الاحزاب، ولأنها هي التي تدير العملية السياسية في العراق وما يتبعها من جوانب اخرى اقتصادية وتعليمية وصحية وسواها، فإن هذه الادارة قاصرة عن تحقيق الاهداف المرجوة منها، والتي تتمثل ببناء دولة مدنية تحفظ حقوق المواطن من خلال القانون والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص وما الى ذلك، لهذا تبدو الاحزاب العراقية اقطاعية عائلية فئوية استبدادية بالنتيجة، ولعل من اهم اسباب فشل بناء الدولة، هو فشل العمل السياسي لأحزابها، بسبب افتقارها للشعبية والحيوية الفكرية والمبدئية، وهذه علل مرضية واصحة ينبغي معالجتها والتخلص منها على الفور اذا ارادت هذه القوى السياسية أن تجد لها مكانا مقبولا شعبيا في ساحة العمل السياسي بالعراق.

ولا يصح أن يتشبث قادة الاحزاب بالاساليب والتصورات السابقة، فلكل مرحلة ظروفها، اضافة الى ان الشعب صار اكثر وعيا وفهم اللعبة، لذلك فالاضرار الخطيرة التي تنعكس على الوضع السياسي بسبب الاحزاب واضحة، لأنها تنعكس على العمل الحكومي بكل انواعه، بمعنى اوضح اذا كانت الاحزاب مريضة فإن هذا المرض حتما سينعكس على الحكومة، وبالتالي ليس هناك اداء حكومي ناجح إلا بوجود احزاب ناجحة، ويقودنا هذا الى القول أن من اسباب الفشل الذي تم ذكره، هو سن قانون الاحزاب وطبيعة بنوده، فهو قانون موضوع من لدن الاحزاب نفسها، وقد جُيِّرت صياغته لكي يمنحها فرصا اكبر للاستغلال والاستئثار والاستحواذ والقمع، بدلا من أن يطورها ويدفع بآليات عملها نحو الافضل، لذلك ينبغي تصحيح هذا القانون بما ينسجم مع الواقع العراقي الذي يخطط لبناء دولة مؤسسات تسهم في بنائها الاحزاب، وليس العكس كما حدث في مسيرة السنوات الماضية.

نجزم ان الاحزاب قادرة على بناء الدول، ولكن ينبغي اولا أن تعالج عاهاتها،؟؟ وهي معروفة، ويمكنها ان تنجح في ذلك، لأن الامل في بناء دولة المؤسسات سوف يبقى قائما على الدوام، مرهونا بالقضاء على عاهات الاحزاب، لذا مطلوب من القيادات الحزبية، أن تعي المخاطر التي تم ذكرها آنفا، ولابد أن تندمج الاحزاب بالشعب وشرائحه كافة، لكي تلقى قبولا ودعما وتصحيحا متواصلا للاخطاء، وهذا هو الاسلوب الامثل لمعالجة العاهات، لأن القبول الشعبي سيمنح الحزب شرعيته من خلال الضغط باتجاه المسار الصحيح، أما الانغلاق والتحجر والانكماش والاحتماء بالنهج الفئوي ضيق الافق والحرص على المنهج الأناني، فلا يجدي نفعا ولا يمنح الحزب تأثيره الفاعل، فضلا عن بقائه في اطار المنافع والمساومات، واللهاث وراء المصالح المادية، على حساب الشعب وبناء دولته المدنية، وهذا الامر سوف يبقى مرهونا بتصحيح قواعد اللعبة ومعالجة امراض الاحزاب والكتل كافة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0