لم تكن ثقافة المظاهرات والاحتجاجات جديدة على العراقيين، لكنها بعد نيسان 2003 باتت أكثر حصورا وتأثيرا في المشهد السياسي، في السابق كانت الأنظمة العسكرية الجمهورية والملكية لا تسمح بالقيام بالتظاهر، ومع ذلك قامت الجماهير بممارسة هذا الحق وإن حدث ذلك في فترات متباعدة، ولكن في التجربة السياسية الجديدة، صار حق التظاهر اكثر حضورا واكثر ممارسة مما كان عليه ابان الأنظمة السابقة، ولكن لابد أن نذكر أن مظاهرات الأمس كانت اكثر تأثيرا على النظام السياسي من مظاهرات اليوم.

هذا يعني أن المظاهرة التي كانت تقوم بها الجماهير العراقية إبان النظام السياسي العسكري الدكتاتوري كانت ترعب النظام وتهز أركانه، لذلك يمارس النظام أقسى الأساليب لقمعها وإسكات صوت الجماهير، اليوم كثرت الاحتجاجات الجماهيرية ولكنها في حقيقة الأمر لم تترك تأثيرا ذا أهمية كبيرة في الواقع السياسي او السلوك الحكومي.

وقبل الخوض في أسباب ما يحدث الآن في مجال الاعتصام، قد يتساءل احدهم ما هو المعني بذلك، يرى احد الكتاب في تعريفه انه مظهر احتجاجي ضد سياسة ما عن طريق الاحتلال السلمي لمكان أو مقر يرمز إلى الجهة التي تمارس السياسة موضع الاحتجاج. وكثيرا ما تلجأ الجماعات المعتصمة إلى التقدم بمطالبها وشعاراتها لأجهزة الإعلام وإشعار الرأي العام بأهدافها عن طريق الصحافة وأجهزة الإعلام، وقد شاع هذا النوع من الاحتجاج في الولايات المتحدة ولاسيما ضد سياسة التفرقة العنصرية في الأماكن العامة كالمطاعم، الأمر الذي كان يلحق الضرر المادي بالمؤسسات المعنية.

وثمة مفهوم مقارب للاعتصام والاحتجاج ألا وهو العصيان المدني، وهو أحد الطرق التي ثار بها الناس على القوانين غير العادلة، وقد استخدم في حركات مقاومة سلمية عديدة موثقة، في الهند (مثل حملات غاندي من أجل العدالة الاجتماعية وحملاته من أجل استقلال الهند عن الإمبراطورية البريطانية)، وفي جنوب أفريقيا في مقاومة الفصل العنصري، وفي حركة الحقوق المدنية الأمريكية. وبالرغم من اشتراك العصيان المدني مع الإضراب (وخصوصا الإضراب العام) في كونهما وسيلتان تستخدمهما الجماهير للمطالبة برفع ظلم أصابها، إلا أن الإضراب متعلق بحقوق العمال في مواجهة صاحب العمل (والذي يمكن أن يكون هو الحكومة). حيث تمثلت إحدى أكبر تطبيقات العصيان المدني وأوسعها نطاقا في لجوء المصريين إليه ضد الاحتلال البريطاني في ثورة 1919 السلمية.

تأثير العصيان المدني بالمشهد الراهن

حتى هذه اللحظة لم يحدث بصورة واضحة ما يسمى بالعصيان المدني في العراق، التركيز كان على المظاهرات الدورية التي تحدث في بغداد والمحافظات بشكل اسبوعي (كل جمعة)، وهي ممارسة شكلت ولا تزال ضغطا على الحكومة العراقية وعلى الطبقة السياسية بصورة عامة، ولعل الاعتصام الذي حدث قبل اسابيع قرب ابواب المنطقة الخضراء هو الأكثر تأثيرا حتى الآن، ولم يتطور الى ظاهرة او حالة العصيان التي تمثل رفض الخضوع لقانون أو لائحة أو تنظيم أو سلطة تعد في عين من ينتقدونها ظالمة.

وينسب هذا المصطلح للأمريكي هنري دافيد ثورو وكان قد استخدمه في بحث له نشر عام 1849، في أعقاب رفضه دفع ضريبة مخصصة لتمويل الحرب ضد المكسيك، بعنوان "مقاومة الحكومة المدنية". وفي أوروبا، حتى وإن كان اللجوء إلى مفهوم العصيان المدني قد تأخر صياغته، فان فكرة مقاومة قانون جائر أو غير عادل كانت موجودة قبل القرن التاسع عشر، أما اليوم فقد اتسع هذا المفهوم ليشمل العديد من الأشخاص الذين يمارسون أفعالا تسعى للإحلال إعلاميا محل الحركات المناهضة للدعاية، ولا يرى البعض في هذه الأفعال إلا نوعا من الإضرار بالممتلكات، أما البعض الآخر فيجدونها أفعالا مفيدة تهدف إلى تغيير سياسة السلطات.

والسؤال المهم حول ما يحدث الآن في العراق، هل ظاهرة الاعتصام تمثل فعلا ايجابيا يساعد على التغيير نحو الأفضل؟، أم أنه يُدخل البلاد في حالة الفوضى، كما يصرح بذلك عدد من الساسة، حيث اعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي، أن ما يجري في (قاعة البرلمان العراقي) من اعتصام واقالة (لرئيس مجلس النواب) بتصويت (171) نائب برلماني، يدخل في باب الفوضى السياسية، ولكن قبل اسابيع قليلة حدث اعتصام جماهيري كبير عند ابواب المنطقة الخضراء التي تضم المجمع الحكومي والسفارة الامريكية وبعض السفارات الاخرى، فقد لاحظ مراقبون أن هذا المسعى الجماهيري شكل ورقة ضغط كبيرة على الطبقة السياسية لاجراء اصلاحات حقيقية لصالح الشعب.

قد يكون ما يحدث في البرلمان العراقي الآن نتيجة للاعتصام الجماهيري الأكبر، حيث بات السياسي البرلماني على وجه الخصوص، يعرف مدى جدية الخطر الذي يمثله اعتصام الملايين من الجماهير في ساحة التحرير وقرب المنطقة الخضراء، وهناك كما يُقال من يحاول أن يركب الموجة كي يحقق فوائد سياسية، وهو امر بات يخشاه الناس، في مؤشر على فقدان الثقة بين الشعب وقيادته السياسية، فالحقيقة لم يعد الشعب يثق أو يطمئن لقادته بعد أن لمست الجماهير لمس اليد، تفضيل الطبقة السياسية بسلطاتها الثلاث (التنفيذية، التشريعية، القضائية)، لمصالحها على حساب مصلحة الشعب، لحين تثبت هذه الطبقة العكس، وربما محاولة الاعتصام التي يمارسها الآن عدد من النواب داخل قبة البرلمان وإقالتهم لرئيسهم، تأتي في باب (الصحوة المتأخرة)، التي قد لا تحمل العلاج المطلوب للأوضاع المعقدة.

ما يحتاجه العراقيون اليوم

لا تزال الاوضاع غامضة ومتداخلة في المشهد السياسي العراقي، بسبب حالة الاعتصام في مجلس النواب، الصراع الآن يدور حول محاولة سليم الجبوري العودة الى رئاسة البرلمان ورفض النواب المعتصمين لعودته، وهناك محاولة جادة للاستمرار في اتخاذ خطوات اخرى في اتجاه الاصلاح من جانب النواب المعتصمين، من جانبه يدعو رئيس الوزراء الى الانضباط وعدم ادخال البلاد في نفق مجهول النهايات، لاسيما أن العراق يعاني اليوم من مشكلات خطيرة، منها تهديدات داعش واحتلالها للموصل ومساحات اخرى، والازمة المالية، واستمرار حيتان الفساد بفسادهم، والازمة السياسية وبلوغها الذروة داخل مجلس النواب.

هناك جانب آخر يتمحور حول (دستورية) اقالة الدكتور سليم الجبوري، ومن هي الجهة المخولة في الفصل بين الفرقاء حول دستورية ما حصل في البرلمان، والحقيقة هناك من يعيد الامور برمتها الى المحكمة الاتحادية وهناك من يشكك بها، ويظن انها تابعة لبعض التيارات السياسية ومن الاستحالة ان تكون قراراتها مستقلة.

وفي جميع الاحوال، ما يحتاجه العراقيون اليوم هو الخروج من هذا النفق في الاتجاه السليم، الكل يترقب، والكل يضع يده على قلبه، والكل يريد الاصلاح، لكن تحقيق هذا المطلب ينبغي أن لا يدخل البلاد في دوامة من المخاطر والصراعات والفوضى، لأن العراقيين لم يعودوا قادرين على تحمّل المزيد من الخراب، حيث ينبغي أن تتم معالجة الأمر بحالة انضباط عالية، على أن يبقى الاصلاح والقضاء على الفساد هدفا أساسيا للجميع.

الخلاصة نحتاج أن يسير العراق في المسار السليم، وهذا محكوم بسلوك الطبقة السياسية، وحرصها على سلامة البلاد، واهمية تحقيق الاصلاح، والحرص على مطالبات الشعب والجماهير، مع الابتعاد عن اساليب العنف بكل اشكاله اللفظية والمادية، واعتماد الحوار البنّاء ضمن الأطر القانونية، كون البلد غير قادر على تحمل اعباء جديدة من الفوضى والخراب، فمسؤولية الطبقة السياسية وكبار القوم تستدعي الخروج بالعراق من هذا الوضع الشائك والمعقد الى بر السلام بأقل ما يمكن من الخسائر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0