لم يتعرف المجتمع العراقي على مصطلح "المنظمة" او فكرة "التنظيم" في بعدها الاجتماعي، إلا بعد الاطاحة بنظام صدام وانهيار منظومة الحزب الواحد. وتدشين التجربة الديمقراطية، فقد مضت سنين عجاف على اقتران المصطلح والفكرة بالترويع والتخوين والاعتقال والاعدام، وكان المفهوم الحقيقي للتنظيم أبعد ما يكون عن واقع الناس آنذاك، فهو مجرد فكرة علقت بالاذهان فترة من الزمن ثم تلاشت وحلت محلها فكرة "منظمات المجتمع المدني" لتكون بديلاً عن التنظيم السياسي الجماهيري المفقود اساساً في الساحة العراقية، وربما تصور من هم وراء هذا المشروع، أن مرارة تسييس التنظيم، يؤهل الناس لأن يقبلوا على التنظيم المجتمعي. بيد أن "حساب الحقل لم يوافق حساب البيدر"، إذ ان المنظمات الدولية والدول المانحة تصورت أنها مجرد هذه الفكرة ستخلق واقعاً جديداً في العراق.

هذه الفكرة وصلت الى العراق، في وقت خرج الناس للتو من عاصفة الفوضى الشاملة بعد ايام من سقوط النظام، وبعد تخلصهم مما يشبه الكابوس المتمثل بـ "الحزب"، والذي كان يطارد الناس في المدارس والدوائر والمستشفيات والاسواق وحتى في عقر دارهم، الامر الذي خلق نوعاً من "حوار الطرشان"، علماً ان أصل الفكرة لها ابعاد حضارية وانسانية، ومن شأنها الارتقاء بالمستوى الثقافي والمعرفي للناس. بيد أن سوء الفهم كان الجدار الكبير والفاصل، والنتيجة، انزلاق الفكرة نحو اهداف بعيدة عن هموم الناس وتطلعاتهم فذهبت الى:

1- الكسب المادي

فقد تحولت أسماء كبيرة وبراقة لمنظمات شبابية ونسوية ومهنية وتربوية وغيرها، الى مصدر للإثراء، وحسب بعض المتابعين فان عدد المنظمات المعنية بالشؤون النسوية بلغت أربعة ألاف منظمة...! وقد حاولت الدولة الجديدة في بدايات الامر تقنين وتنظيم عمل هذه المنظمات، بيد أن الهبة الواسعة، كانت اكبر من الجهد الحكومي أو أي جهد آخر.

2- التعكّز السياسي

فقد تحولت بعض هذه المنظمات الى سلّم سريع الى مجلس النواب او المناصب الحكومية، بفضل الظهور الاجتماعي وإطلاق شعارات تدغدغ عواطف الشباب والنساء والاطفال، وحتى رعاية شريحة الايتام والارامل. والمثير أن بعض الشخصيات المستفيدة في هذا السياق اطلق انتقد عدم جدية الحكومة في دعم منظمات المجتمع المجتمع المدني، كما ألقى باللوم على المجتمع على عدم تفاعله مع الفكرة...!

هذا المستوى المتدني للعلاقة بين منظمات المجتمع المدني والجماهير، ضيع فرصة كبيرة للاستفادة من هذه الفكرة في عملية الاصلاح والتنمية والتغيير في مجالات عدّة، منها المجال السياسي، وبما أن الساحة العراقية مسكونة بالازمات المختلفة، فان الحراك الجماهيري اتسم بالمطلبية باشكال وحالات تراوحت بين السلمية والعنيفة والتشهير والتسقيط، وقد أكدت المعطيات على أن جماعات سياسية كانت وراء بعض التظاهرات والتحركات هنا وهناك، بهدف البحث عن دور في الساحة او التعويض عن خسائر معينة.

إن حزءاً كبيراً من الازمات الموجودة يعود بمنشئها الى المجتمع والسلوك الفردي، وكان بامكان هذه المنظمات – وما تزال- أن تقوّم حالات عديدة وتوجد تياراً جديداً يتجه نحو التكافل والتعاون والتسامح وتحمّل المسؤولية واحترام القانون والنظام. وهذا ممكن التحقق عندما يتوفر قاسم مشترك يجمع مختلف المنظمات والاتحادات في بودقة واحدة، يسميها سماحة المرجع الديني الامام السيد محمد الشيرازي في "السبيل الى انهاض المسلمين" بـ "التيار الواحد العام من جنوب بلاد الاسلام الى شمالها، ومن شرقها الى غربها، حتى تكون حركة واحدة وأمة واحدة كالبنيان المرصوص..." ثم يبين سماحته آلية تحقيق ذلك بالمراحل التالية:

1- صياغة مسودة تعاون على اساسها تتوحد كل القوى الاسلامية من منظمات وجمعيات وحركات.

2- انتخاب جماعة من المثقفين الذين يحملون الفكر الاسلامي جيداً، ويلتزمون بالاسلام منهجاً وسلوكاً في حياتهم، وتكون مهمتهم صبّ طاقات الاحزاب والمنظمات والمكتبات ودور النشر في تيار واحد.

3- التحرك لتشكيل قيادة واحدة، ويتم تشكيلها بانتخاب الاكثرية.

ويستشهد سماحته بتجربة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، عندما وحّد القبائل والجماعات في الجزيرة العربية في بودقة الاسلام. وعندما يتحدث عن تكاثر اعداد المسلمين من معركة بدر وحتى فتح مكة، حتى وصل العدد الى مائة وثلاثين الف مسلم، فانه يؤكد بأن "هذا التصاعد يعطينا دليلاً على امكانية تصعيد التجمعات الاسلامية في العصر الحاضر".

من هنا نعرف السر الكامن وراء فشل العديد من منظمات المجتمع المدني في العراق، وربما في سائر الدول التي شهدت التجربة الديمقراطية. فالاسماء التي تحمل هموم الناس ومشاكلهم، نراها تعكس بالدرجة اهداف وغايات تبتعد كثيراً عن هؤلاء الناس،وإن كانت احياناً تجاملهم وتعمل على محاكاة واقعهم المأساوي. فالحاجة القصوى في العراق، ليست كلها مادية وتتعلق بالماء والكهرباء والطرق وفرص العمل، إنما في الجوانب المعنوية، من ثقافة ومعرفة، وكلما كانت هذه المنظومة باتجاه محدد وواضح المعالم وقريب الى هوية وانتماء المجتمع ، كان النجاح حليف المشاريع المطروحة وكانت المصداقية اكبر للشعارات المرفوعة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0