في التكوين العقلي والنفسي والفكري، والمادي للانسان، هناك اندفاع غريزي لتحقيق الفائدة للذات، وطالما أن الانسان اجتماعي منذ أن وطأ المعمورة، واستقر مع الزمن في تجمعات بشرية كبيرة، في قرى ومدن ودول كبيرة، فهو لم يعد يعيش وحده، ولا يمكن أن يحقق اهدافه بعيدا عن الاحتكاك مع الآخرين، هذا الاحتكاك يأخذ صور واتجاهات عديدة، منها متعاونة وأخرى حيادية لا تفيد ولا تضر، ومنها متناقضة متضادة وهنا تكمن المشكلة.

هناك فائدة فردية، واخرى جماعية تتكون من تجمع الاهداف الفردية لتتحول الى هدف جمعي، يتفق عليه الجميع، ويصبح مع الزمن عنصر تقارب واتحاد فيما بينهم، مثل هذه الاهداف الكبرى المتفق عليها بين الجميع او الاغلبية منهم، هي التي تقود الجماعة، او المجتمع الى التوازن والاستقرار والتطور، وتقليل الخسائر الى أدنى حد ممكن.

الفائدة الفردية: بحسب علماء الاجتماع، هي حاجة الانسان التي تأخذ أبعادا واشكالا مادية وأخرى معنوية، وكلاهما محدد بتشريعات وضوابط تتمثل بالقيم والاعراف والقوانين، وفي كل الاحوال لا يمكن أن يُطلَق العنان للانسان في هذا المجال، أي لا يمكن أن يكون المعيار لحاجة الانسان نفسه فقط، كون النفس تخضع للاهواء والرغبات الذاتية، والغرائز التي تدفع بالانسان لتحقيق مصالحه بعيدا عن مراعاة حقوق الجماعة، وفي هذه الحالة يكون هناك تضارب بين المصلحة الفردية والجمعية، لذلك تم وضع القوانين التي تنظم العلاقة بين الطرفين الفرد والمجتمع، على أن يتنازل الفرد بجزء من حرياته كي يعيش بأمن وسلام على نحو جماعي.

الفائدة الجمعية: وهي ذات طابع جماعي يتفق عليه الجماعة، أو المجتمع، كي يتم تحقيق نوع من الانسجام والأمن المجتمعي، وفي هذه الحالة لا يجوز ولا يصح أن تتفوق مصلحة الفرد وفائدته، على مصلحة وفائدة الجماعة، ومن غير الممكن السماح للفرد أن يحقق أهدافا شخصية لا مشرعة بحجة أنها تخدمه او تفيده شخصيا، أو أنه صاحب حق في سعيه لتحقيق ما يرغب به، نعم حق السعي في هذا المجال مكفول للافراد، ولكن في اطار الجماعة، وبما يحافظ على الأهداف الجماعية، وهو أمر دأب عليه الانسان منذ أن تحوّل من حالة التبعثر والفردية في اسلوب العيش والحياة، الى الاسلوب الجماعي الذي أثقل كاهل الفرد بضوابط وبنود عليه أن يلتزم بها، مقابل العيش بسلام في اطار الجماعة.

تناقضات بين الطرفين

يرى المعنيون بعلم المجتمع، ومنهم علماء الاجتماع والمصلحون عموما، أن العلاقة بين الفرد والمجتمع، قد تكون في حالة من التناقض، وهو أمر لا يخدم الطرفين، على الرغم من النظريات العلمية التي تشجع الفردية على حساب الجماعة او العكس، فعلى سبيل المثال تقوم الرأسمالية على حرية الفرد، فيما تناقضها الشيوعية الاشتراكية التي تقوم على تفضيل الجماعة على الفرد، لكن حالة وسطية، يمكن من خلالها مراعاة حقوق الفرد للجماعة وبالعكس، ضمن قوانين وتحديدات يتفق عليها الجميع كي يعيشوا باستقرار وسلام وتقدم.

وهناك من المعنيين والكتاب المهتمين في هذا الجانب، يؤكدون ان العلاقه بين الفرد والمجتمع علاقة تكاملية فكلاهما مكملا للآخر، ولا يمكن للفرد ان يرقى بدون المجتمع ومن المحال ان تلقى مجتمعا راقيا من دون أفراده، من هذا المنطلق تبدأ دورة الحياة ويحاك سيناريو الواقع، فالفرد جزء لا يتجزأ من المجتمع وكل فرد في المجتمع يمثل عضوا فيه، كي يتكون لنا جسدا متينا للمجتمع، فلو قام كل فرد بدوه سنرى مجتمعا معافى ذو مستقبل مشرق وجيل واع ومثقف، يسطر أروع الأمثلة في التحضر والنهوض الذي أصبح أساسيا في عالم اليوم.

لاسيما أن قضية أو مبدأ التصالح مع الفرد الذي يعد لبنة بنائه وحجر أساسه، يعد هدفا مهما في هذا المجال، ويرى المعنيون وفق المنطق أن لا مجتمع سليم إلا بالفرد السليم، ولكن يجدر الاشارة هنا ومن باب الانصاف وبمبدأ العدالة الى ضرورة خلق مجال خصب وإتاحة الفرصة للفرد لكي ينهض بمجتمعه، وهذا لا يتحقق إلا في المجتمع الذي يكون نموذجا في الرفد والعطاء للفرد ليخلق للفرد بيئة خصبة لكي يبدع ويعود على المجتمع بالخير والعطاء ويقدم كل ما لديه من مواهب وقدرات تصب في صالح الطرفين الفرد والمجتمع.

الهدف اذن هو تقليص البون الشاسع بين اهداف الطرفين، ومحاولة التقريب بينهما الى أدنى حد ممكن، حيث نستنتج مما سبق ضرورة تقليص الفجوة بين الفرد والمجتمع لبناء علاقة متوازنة، وهذا مربوط بحتمية العمل الجماعي والتفاعل مع قضايا وهموم الافراد والمبادرة بتذييل الصعاب أمام الفرد، حينها سنرى مجتمعا منسجما متناغما متعاونا، لان الفرد بعيدا عن الجماعة لا يشكل شيئا وقد يكون بلا قيمة تذكر، كذلك ينبغي على الجماعة الاهتمام بالفرد لأن الأمر يصب في صالحها أيضا، لذا ينبغي على المجتمع أن يعيد حساباته حيال أفراده، حتى يتسنى للمجتمع أن يحدد اهداف الفرد وفقا لمصلحة الجماعة، وهذا الأمر ينبغي أن لا يطول المواهب والقدرات الكامنة والمعلنة للفرد، لأنه هناك أنظمة سياسية ومؤسسات خادمة لها وتعمل معها، تسعى لتدمير الفرد وإذلاله من اجل مصلحة النظام السياسي.

فرص تحقيق نتائج جيدة

هل هناك امكانية لإحداث نوع من التوافق والانسجام بين المصلحتين الفردية والجماعية؟، هذا السؤال له أهمية جوهرية في كيفية ادارة العلاقة النموذجية بين الفرد والمجتمع، فالأمر بالغ الحساسية، حيث الفرد مندفع بحزمة من الغرائز وطموحات عقلية معنوية ومادية قد تكون كبيرة، ومؤثرة، والوقوف غير المحسوب بوجه مثل هذه التطلعات ربما ينعكس على شكل خسائر فادحة، فما فائدة أن يقوم المجتمع بتدمير الفرد وما الذي يمكن أن يجنيه الطرفان من ذلك؟.

لكن بالمقابل ما فائدة الجماعة والمجتمع عموما، عندما يسعى الفرد لتحقيق مآرب سريعة زائلة على حساب الاهداف الاستراتيجية للجماعة أو الأمة؟؟ هنا يكمن السؤال الفصل، فمع كل ما يتحلى به الفرد من مزايا وقدرات وامتيازات مادية ومعنوية، كل ذلك لا فائدة منه عندما ينحصر بفائدة الذات فقط، فالحاكم او السياسي يمكنه أن ينشط ويتحرك ويعمل بقوة ونشاط لتحقيق اهداف فردية او عائلية او حزبية، لكن ما هي النتائج في آخر المطاف؟/ ولماذا تنهار الانظمة السياسية والاحزاب التي يتفوق فيها السلوك الفردي على الجماعي؟؟.

ماذا كسب هتلر وموسوليني؟؟ او هيلاسي لاسي؟؟، ماذا كسب عتاة الدكتاتورية في امريكا اللاتينية وافريقيا وفي العالم العربي؟؟ هل حقق هؤلاء السياسيون الفرديون مآرب خدمت الأمة وتاريخها، وهل بقيت ذكرى جيدة لهم، مثل القادة العظماء الذين آثرو على أنفسهم بأن يخدموا أممهم ومجتمعاتهم بنكران ذات لا شبيه له؟؟ وماذا كانت النتيجة، لقد تم تخليد هؤلاء الأفراد، وتقدمت دولهم ومجتمعاتهم، واصبحوا اليوم في صدارة الشعوب والأمم.

النتيجة اذاً، عندما يعمل الفرد لصالحه فقط سوف يخسر هو وغيره، أما العمل الجماعي الذي يراعي مصلحة الفرد ومواهبه وامكانياته، فهو الهدف الذي ينبغي أن يسعى له الجميع، وخاصة اصحاب القرار السياسي او الاقتصادي او التعليمي او الصحي، حتى يكون هذا النسق من العلاقات هو الرائد والسائد في عموم المجتمع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0