تحرص شريحة الشباب على تجاوز مشكلة الفقر المادي وعدم السقوط في أزمات مثل المرتب الشهري في العمل الوظيفي، او نسبة الارباح في العمل التجاري، وما يترتب عليه من انعكاسات على مجمل حياته اليومية، لكن نلاحظ عدم الاهتمام بالشكل المطلوب بالفقر المعنوي، وربما هذا النوع من الفقر لا يُشعر صاحبه بمشكلة و أزمة، بدعوى أن المال، في اعتقاد الكثير، يمثل المحرك الاول لعجلة الحياة، وعامل تحقيق السعادة والاستقرار المادي والمعنوي والنفسي على حدٍ سواء.

وعندما نتحدث عن المعنويات، فهو لا ينحصر في المفهوم السطحي للمفردة، كونها توحي الى الحثّ والتشجيع والتعبئة للقيام باعمال معينة. إنما ينطلق في رحاب القيم الكبرى في الحياة، مثل الايمان والاخلاق والحق والعدل وغيرها، لذا عندما تشتد الازمات وتتخاذل قوة المادة، يتوجه الانسان الى "القيم الانسانية"، مثل الحرية والمساواة والتكافل الاجتماعي وغيرها. وبما أن الادلة والبراهين أثبتت حاجة القيم الانسانية الى قيم أعلى منها وهي القيم الدينية والاخلاقية، لبلورتها وتحديد مصاديقها الصحيحة أولاً؛ ثم تكريسها في الواقع العملي ثانياً، فان الانسان يتوجه بشكل لا إرادي نحو الحالة المعنوية بشكل عام، علّه يجد المتنفس وطوق النجاة من مشاكله وأزماته، فتكون هذه العلاقة نسبية، وقابلة للمدّ والجزر.

بدايات بسيطة ونهايات مأساوية

هنالك قاعدة أثبتت التجارب صحتها بقدر كبير، وهي أن ظروف الحرب وأجواء اللااستقرار الاقتصادي والسياسي، تدفع بالاجواء الاجتماعية الى التماسك مستمدة القوة من القيم المعنوية، وهذا ما يمكن ملاحظته في أمثلة عديدة، مثل تجربة الشعب الايراني في فترة الحرب العراقية – الايرانية، وفي تجربة الشعب العراقي في فترة الحصار الاقتصادي، أما في فترة الرخاء والأمان، ينطلق الناس وفي طليعتهم الشباب، بما لديهم من قدرات ذهنية وعضلية ومؤهلات عديدة، لأن يبحثوا في كل مكان عن مصالحهم وما يريدون تحقيقه في أجواء تنافسية محمومة، تستدعي التفوق بكل ثمن في المجالات كافة.

مثال ذلك؛ التحصيل الدراسي. فكيف يحصل الطالب الطموح على المعدل الذي يؤهله للوصول الى الجامعة والتخصص الذي يرغب به؟ وإن حصل على الشهادة الجامعية، أين يذهب بها...؟! وهل للقيم المعنوية، مثل العدالة والحرية والاخلاق، دور في إيجاد فرصة عمل او إعطاء قيمة عملية لهذه الشهادة او الكفاءة العلمية والمهارات العملية؟

الاجابة بكل بساطة بالنفي وفق المعطيات الموجودة، فالمال هو الذي يوفر للطالب المدرّس الخصوصي الذي يجلس أمامه عشرة أو عشرين طالب، في مقابل ازدحام الفصل الدراسي بالمدرسة بأكثر من اربعين طالب. كما أن المال هو الذي يسهّل لهذا الطالب في مرحلة لاحقة لأن يلتحق بالتخصص الذي يريد بغض النظر عن المعدل الذي يحصل عليه، بفضل الجامعات الاهلية، لاسيما وأن الطلبة يتعرضون في العراق لنكسات شديدة في درجات المعدّل النهائي بسبب أخطاء في تصحيح أجوبة الامتحان الوزاري.

الى جانب هذا السبب، هنالك اسباب أخرى تقف وراء تجاهل القيم المعنوية في الحياة، منها ما يتعلق بمحيط العمل، وكذلك محيط العائلة والاسرة. فعندما يكون الإحجام عن تحكيم هذه القيم أمام الشباب، فانه لن يكون امامه سوى اللجوء الى مسارات اخرى، او في أقل التقادير يتضائل تأثير هذه القيم في النفوس، وتكون غير ذي معنى، فأينما يمم وجهه وجد التزوير والتدليس والمحسوبية والمنسوبية، ومختلف اشكال الفساد، فانه يجد في الحديث عن القيم المعنوية، نوعاً من الترف الفكري، بل ومضيعة للوقت.

إن النتائج المأساوية لهذا الابتعاد، تبدأ في اختلال العلاقة بين الانسان ونفسه، فيفقد الثقة والأمل ويوغل في السلبية والتشكيك بكل شيء، ثم تنتقل المشكلة الى علاقته مع افراد المجتمع، وحافة السقوط تكون عند انفصام العلاقة مع السماء التي أوجدت القيم المعنوية في سبيل تحقيق الانسان حياة أفضل وأنجح، وعندما يتراجع الايمان بالثواب والعقاب، فمن المؤكد أن تنعدم الحاجة للتضحية وتحمّل المسؤولية والإيثار والتعاون وغيرها.

القرآن كتاب حياة

هكذا أكد علماؤنا، وبينوا حقيقة أن القرآن الكريم ليس كتاب أحكام وفرائض ونواهي، وتبيان لسبل الثواب والعقاب، وحسب، إنما يفتح أمام الانسان آفاق التفكّر والتدبر في الحياة لاكتشاف الحقائق والوصول الى افضل النتائج، وقد أعجبني تعبير جميل لأحد المفكرين الاسلاميين عندما وصف القرآن الكريم بأنه "كتاب تقدمي". والدليل على ذلك أنه يحاكي واقع الانسان، كانسان له حاجات مادية ملموسة، كما له حاجات معنوية تتمثل في مشاعر الحب والكراهية، ومدارك عقلية ونزعات نفسية. لذا عندما يخاطب هذا الانسان ويدعوه لاكتشاف حقيقة نفسه، ثم حقيقة الحياة والكون، فانه يدعو الى التفاعل الوجداني بين النفس والحياة، وبين العقل والطبيعة، وفي كتابه "الفكر الاسلامي- مواجهة حضارية" يقول المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي: "إن المنهج القرآني يذكر الناس بربهم من خلال الحياة، وليس بعيداً ولا مجرداً عنها، حتى تتذكر ربك كلّما عشت ظاهرة طبيعية، يقول ربنا – سبحانه- وهو يلفت إنتباهنا إلى السموات التي رفعها بغير عمد نراها: [اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الاَيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ]، ويذكرنا بما في الأرض من آيات لعلنا نعرف ربنا من خلال النظر إليها، والإعتبار بما فيها من إختلاف وتشابه، والتذكر لما فيها من علامات الحكمة والقوة: [وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّـمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]، ويلامس السياق القرآني فطرة الإنسان ويهزها عندما يقول: [هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلآَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِـحَالِ]".

في مقابل هذا المنهج، نلاحظ المناهج الاخرى التي تفرض الظلام والجهل على الانسان ثم تدعوه لاكتشاف نفسه من خلال تصورات وتحليلات واستنتاجات تبعده عن واقعه الانساني وعن فطرته البسيطة والسليمة، فتدخله في متاهات الجدل والقياس والتناقضات ولا يخرج منها إلا وقد خسر أهم سمة يُعرف بها وهي "الانسانية"، فيكون عليه الاعتراف بأنه "حيوان ناطق"!

من هنا نعرف، أنه كلما حقق الانسان بشكل عام ومن هو في مرحلة الشاب بشكل خاص، الغنى في القيم المعنوية، كلما كان أقرب الى حقائق الحياة والكون، وكان أكثر انفتاحاً وقدرة على العمل والانتاج، لانه يكتشف سبب وجوده في الحياة، وأنه لم يخلق عبثاً، كما يؤكد القرآن الكريم، إنما هنالك اهداف كبرى وعظيمة؛ إن في مرحلة المواجهة، بالدفاع عن القيم والمبادئ والمقدسات، أو في مرحلة السلم والاستقرار، بالإسهام في مشاريع التنمية والبناء.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1