قد لا يعرف بعض السياسيين، أن السياسة مضمار صعب ومعقد، ويحتاج العمل فيه الى مسارين متوازيين، هما الخبرة العملية، والتحصيل النظري، بمعنى كل سياسي يشترك في التخطيط والادارة واتخاذ القرار وما شابه من شؤون السياسة، ينبغي أن يكون صاحب خبرة في العمل السياسي، يكتسبها من سنوات العمل المتراكم، مع ذكاء وفهم وإتقان لهذا العمل، يعاضده العلم السياسي الذي ينبغي أن يدرسه بجدية كل من يدخل في هذا المجال.

وتحقيقا لما تقدم من القول، لا يصح العمل في السياسة لمن لا يمتلك الخبرة، ولم يقرأ في حياته كتابا أو بحثا في السياسة، ولا يعرف شيئا عن التجارب السياسية والمدارس والنظريات التي تخصصت في هذا الجانب، فالسياسة شأنها شأن العلوم الأخرى، لكي تكون بارعا فيها، ينبغي أن تكون عارفا بها ومطّلعا عليها، فكرياً وعملياً، خلاف ذلك يكون العامل في السياسة جاهلا بها، وهذا الجهل يتحول الى قرارات خاطئة، وهذه القرارات تتحول الى خسائر (مادية ومعنوية) تُلحَق بالدولة والأمة، وقد يكون بعضها خطيرا يصل الى درجة تهديد المصير.

قد يدخل أشخاص الى عالم السياسة وهم يجهلونها، وقد يتبوّأ بعضهم مراكز قيادية كبيرة وحساسة، وهو لا يعرف من السياسة ألف بائها، يحدث هذا عندما تكون القوة الغاشمة هي وسيلة مثل هؤلاء كما حدث ويحدث في الأنظمة السياسية الدكتاتورية التي يقودها حكام طغاة وحكومات متعاونة معه وتابعة له، ويوجد الكثير من أمثلة هذه الأنظمة السياسية، كما في الدكتاتوريات العربية المعروفة، ودكتاتوريات أمريكا اللاتينية وأفريقيا.

بالنتيجة كل سياسي جاهل هو عبء على الدولة والشعب، وهو عبء على السياسة نفسها، وتعريف السياسي الجاهل، هو كل فرد يدخل هذا المجال، من دون معرفة نظرية وخبرة عملية، ويعتمد في دخوله الى هذا المجال على القوة او الجاه وما شابهه، ولكن السياسة لا تكتفي بمنطق القوة، او كثرة الأموال والثروات، ولا تنجح بفرض الإرادات على الآخرين، إنما يكمن نجاح السياسي كما أسلفنا في خبرته العملية وقدراته المعرفية.

وهكذا ينبغي وضع ضوابط واضحة، لمن يرغب الدخول في العمل السياسي، وليس صحيحا (بحجة الديمقراطية) أن تُفتَح أبواب الميدان السياسي على مصاريعها لكل من (هبَّ ودب)، ولا يمكن أن تكون الديمقراطية بوابة يتسلل منها الجاهلون بالسياسة، والذين لا يمتلكون الخبرة ولا المعرفة العلمية، لاسيما أن العامل في هذا المجال، قد يكون صاحب قرار يؤثر على أعداد كبيرة من الناس، ولذلك ينبغي أن يكون حاملا للشروط المهمة التي يتطلبها العمل في الميدان السياسي.

ماذا ينتج عن الجهل السياسي؟

كثيرة هي نتائج الجهل السياسي وخطيرة أيضا، ولو أخذنا مثالا بسيطا عن ذلك، فمدير المدرسة، أو الدائرة الرسمية الصغيرة أو رب الأسرة، اذا كان لا يمتلك الخبرة وحسن التخطيط ودقته، مع افتقاره للخبرة المتدرجة والقدرة على التنفيذ، فإنه سوف يفشل في إدارة مهامه على بساطتها، وقلة المتضررين منها، فما بالك عندما يتعلق الأمر بأمة أو شعب كامل؟؟.

والسؤال هنا كيف يتعامل العاملون في السياسة مع الأزمات، وما هي عدتهم وذخيرتهم العلمية والخبروية العملية لمواجهة الأزمات؟، إن إدارة دولة مكتملة الاركان، ليس بالأمر اليسير، وربما أقل ما ينبغي أن يتوفر عليه الذين يتصدون لادارة الدول ويسوسونها، هو الحنكة السياسية والحكمة والتعامل مع عناصر الأزمة (أسبابها، نتائجها، أخطارها المباشرة والجانبية)، بطريقة تنم عن التخصص والقدرة على النجاح في العمل السياسي.

تُرى ماذا سيحدث لو كان القادة والعاملون السياسيون المعاونون لهم، لا يمتلكون الحنكة السياسية، بسبب افتقارهم للخبرة وللمعرفة في حقول العلم السياسي؟، بكلمة أخرى ما هي النتائج التي يمكن أن يتسبب بها هذا الفقر في المعرفة والخبرة السياسية؟.

إننا في العراق على سبيل المثال، واجهنا منذ نيسان 2003 والى الآن أزمات متلاحقة، ومعظمها عولجَ سياسيا بطرق غير سليمة، تنم عن نقص في الخبرة والعلمية السياسية والحنكة، لذلك لاحظ المراقبون فشل السياسيين في التعاطي مع تلك الأزمات، فصار الأمر معكوسا تماما، أي بدلا من أن يُسهم العاملون في السياسة في مواجهة هذه الأزمات، والحد من مخاطرها والتعامل معها بذكاء وحكمة، حدث العكس، فتضاعفت الأضرار التي تحوّلت من مواجهة الساسة، لتصبح في مواجهة الشعب وجها لوجه! فتحمّل أخطاء القرارات غير الصائبة.

هكذا يمكن أن يكون الجهل في العمل السياسي سببا مباشرا في عرقلة تقدم الدولة والمجتمع، ولكي نستند الى بعض الأمثلة الحية عن الأزمات، لدى العراق الآن أزمة ظاهرة للعلن مع تركيا، بعد دخول قوة عسكرية تركية الى الأراضي العراقية واستقرت في منطقة (بعشيقة في نينوى)، ويبدو أن خلط الأوراق في تضخيم هذه الأزمة لا يقتصر على الحكومة التركية.

فقد دخلت الحكومة العراقية والعاملون في السياسة، من أحزاب وشخصيات، في قضية خلط الأوراق، حتى باتت معرفة حقيقة هذه الأزمة ومن بدأها وكيف تمت، أمر شبه مستحيل، فما تقوله تركيا ينفيه العراق وبالعكس، واتضح الخلل كبيرا في ادارة هذه الازمة من الساسة العراقيين المعنيين بها، هنا تظهر الحنكة والضعف والخبرة وعدمها والمعرفة السياسية من جهلها، حيث لا تزال هذه الأزمة عالقة وعصيّة على الحل على الرغم من أنها تهدد سيادة العراق.

كيف نصنع سياسيين ناجحين؟

صناعة السياسي الناجح ليست مهمة سهلة، ولكنها ممكنة بطبيعة الحال، فالسياسة علم ينتمي الى منظومة العلوم المتنوعة، فضلا عن أنها نشاط عملي يمكن أن يتطور فيه الانسان مثلما يزداد خبرة في أي نشاط آخر، لذلك تنطوي صناعة السياسي الناجح على جانبين أساسين سبق ذكرهما في صدر هذا المقال، أما مصدر هذه الصناعة أو القائم بها، فهي ايضا تكمن في جانبين، او يتحمل مسؤوليتها طرفان.

الأول هو الشخص الراغب في الدخول بالعمل السياسي، فهو يتحمل جانبا كبيرا من صناعة نفسه، وهذا يستدعي جهدا ذاتيا متواصلا يبذله الانسان كي يتطور في هذا المجال، حاله حال المهن الأخرى التي تستدعي تطويرا في المجالين الخبروي العملي والنظري، واذا سألنا الآن كم من ساستنا اليوم تحملوا مسؤوليتهم الصحيحة في هذا الجانب، وهل صحيح أن الكثير من العاملين في السياسة العراقية لم يطلعوا على هذا العلم، ولم يطالعوا كتابا واحدا في هذا التخصص؟ فضلا عن كونهم لم يدرسوا السياسة منهجيا في الجامعات والدراسات العليا.

وإذا صح هذا الأمر، كما نلاحظ في ظاهرة تزوير شهادات عدد من الساسة العراقيين، فهل يقوم هؤلاء بالجهد الذاتي المطلوب لكي تكتمل مؤهلاتهم لمواكبة هذا العلم المعقد، والقيام بمهامهم كما يجب؟، بالاضافة الى ذلك، كم من ساستنا يمتلكون الخبرة الكافية في العمل السياسي، وأين اكتسبوا هذه الخبرة، واذا كانوا مقصرين في الجهد الشخصي لهم لتطوير انفسهم علميا، هل يمكن لهم أن يكونوا ناجحين في المجال العملي للسياسة؟؟.

هذه الأسئلة لابد من طرحها، ولابد من الإجابة عنها، كي تتكون لدى المعنيين بشأن السياسة طريقة واضحة وصحيحة لصناعة السياسي الجيد، حيث تعاني الدول المتأخرة من هذه المشكلة، ومنها العراق، والآن بعد أن اتضحت كيفية صناعة السياسي، على المعنيين من ساسة العراق، مواجهة الأزمات وإيجاد الحلول اللازمة لها، فمهمة السياسي كما هو واضح، القضاء على الأزمات وليس المساهمة في صناعتها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0