من حق كل فرد في المجتمع المطالبة بحقه المهدور من المعنيين في دولته اذا كان الهدر والانتهاك قد ألحق به ضرراً في نفسه وأهل وحياته، مثل شحة الخدمات والتمييز في فرص العمل والسكن وغيرها، على أساس الانتماء السياسي او العشائري او المناطقي. ولكن يكون الهدر والانتهاك احياناً – كثيرة- ضد فئة وشريحة واسعة من المجتمع، كما هو الحاصل في المجتمع العراقي، فلا نكاد نسأل مواطناً في الشارع، إلا وله حقوق يطالب بها دون جدوى، وفي مقدمتها آفة الفساد التي تنهش في جسد هذا المجتمع، الى جانب مطالب عديدة تتكاسل الدولة عن تحقيقها مثل توفير فرص العمل والاهتمام بالتعليم وبالكفاءات والقدرات. كل هذا وغيره يشكل منظومة مطالب مشروعة تمثل الارادة الجماهيرية العامة.

يقفز السؤال هنا، عن الطريقة الصحيحة للمطالبة بالحقوق في بلد تضيع فيه الحقوق بكل سهولة؟! هل تكون بالشكل الذي لاحظناه مؤخراً في اعتراض بعض الموظفين على قرار سلّم الرواتب، والقاضي بتخفيض الرواتب بنسب معينة، وذلك من خلال الاضراب عن العمل لساعات...؟ واذا كان هذا حق الاعتراض هذا مكفولٌ للموظفين، ولهم فرصة إيصال صوتهم، فما يكون موقف الشرائح الاخرى في المجتمع التي تعرضت – وما تزال- لانتهاك في الحقوق على اكثر من صعيد، وهي اليوم تمثل "الأغلبية الصامتة"؟.

معول التشاؤم واليأس يضرب الروح الاجتماعية

كتب العلماء والباحثون في الشأن الاجتماعي كثيراً عن العلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع، وعن الحدود والآثار المترتبة، ومنهم سماحة المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي – طاب ثراه- في كتابه "الصياغة الجديدة"، الذي دعا الى فكرة "انضمام الفرد الى الجماعة"، وعدّ لذلك فوائد كثيرة للفرد، منها على الصعيد النفسي والروحي، في عدم وقوعه في حالة "التوحّد" المرضية، ومنها على الواقع الخارجي، بتحقيق التكاملية مع الآخرين في انجاز مختلف الاعمال المطلوبة في الحياة. ويقدم صورة راقية وحضارية عندما يصف هذا الانضمام بـ "المشاركة الوجدانية"، حيث يرى كل فرد أنه في داخل فرد آخر في المجتمع، وبالمحصلة؛ فان "هذا الانضمام تقوية للانسان حيث يجد كل انسان أن الكل في باطنه، وانه في باطن الكل". وهذا تحديداً ما يُعبر عنه حديثاً بـ "الصالح العام" او "الهموم المشتركة"، وامثالها.

هذه الخطوة المتقدمة في طريق بناء المجتمع الناجح، تكون مهددة دائماً بالنسف، اذا ما خيّمت عليها ظلال اليأس والاحباط على البلد والدولة بشكل عام. فاذا فقد الأمل بتحقيق الأفضل، وحلّ اليأس من الحاضر والتشاؤم من المستقبل، وجد البعض من "المستفيدين" ذريعة يتعكزون عليها في فرارهم من المسؤولية الجماعية، لان المشكلة تتعلق بالدولة، ثم برئيس الدولة... وبالنتيجة هو يتحمل مسؤولية حلّها!

وبغض النظر عن الاسباب التي تسوقها الدولة، وتحديداً الحكومة العراقية في دوافع القرار المتعلق بالرواتب، ومنها مسألة التراجع المستمر في اسعار النفط وانخفاض الموارد المالية المعتمدة بالأساس على النفط. فان نظرة موضوعية الى وضع اسعار النفط في العالم، نجد العجز في الميزانية، ضرب اكثر الدول المصدر للنفط، وهذا لا يبرر مسؤولية الحكومة في تدارك الاوضاع الاقتصادية للبلد والمستوى المعيشي للناس. وفي الوقت نفسه يحمّل الجميع مسؤولية من نوع جديد في طريقة التعامل مع وضع ربما تطول شدته لاكثر من سنة، نظراً لوجود الاسباب والعوامل المؤدية الى هذا الانخفاض في اسعار النفط بالعالم. أما الحديث عن الشكوى والتبرّم لما استنزف من أموال وثروات العراق خلال السنوات الماضية، فانه يجب ان يترك لوقت آخر، لاننا أمام وضع أشبه بمن يكون أمام جسد مسجّى أنهكه النزيف لاسباب عديدة، وهو مشرف على الموت، فيما يبحث المحيطين بالاخطاء التي تسببت في هذا النزيف!

التماسك يوقف النزيف

نعم؛ الجميع يتساءل عما يجب فعله إزاء الازمة (العاصفة) التي ربما تشتد وتطال الجميع في أي لحظة خلال الايام القادمة...؟ كما يعتقد البعض أن رفع الصوت بالاعتراض يترك أثره في أروقة الحكومة، ويسوقون لذلك أمثلة وشواهد، ولا جدال في ضرورة الاعتراض وآثارها، بيد أن القضية لا تحل بإلغاء قرار سلّم الرواتب مثلاً، او قرار آخر "ترقيعي" اعتاد عليه الشعب العراقي، إنما تحتاج الى قرار يتخذه الجميع بالتكافل والتعاون لتعزيز التماسك في مفاصل الدولة، والمجتمع المكون من موظفين وتجار وطلبة وعلماء دين وعشائر وغيرهم، هو الذي يتمكن من إنجاح أي مشروع اجتماعي – انساني يقلل من نسبة تأثر الازمات الاقتصادية على حياة الناس.

في بعض البلاد التي تعيش ازمات اقتصادية حادّة، نلاحظ تجارب ناجحة لمشاريع اجتماعية تهدف بالدرجة الاولى تقليل الفاصلة بين الفقير والغني، مثل الفعاليات الفنية ومهرجانات التسوّق والمعارض التي ترفع شعار إغاثة ومساعدة المحتاجين، وهذا ربما يكون كل يوم جمعة، او في المناسب الدينية، مثل الولادات والوفيات وغيرها، ولتكون رديفاً لعمل المؤسسات الخيرية العاملة في الوقت الحاضر لتغطية حاجات الارامل و الايتام، فهنا تكون المشاركة عراقية ومباشرة، وهنالك لقطات معبرة من طفل صغير يجمع أمواله في حصالة، ثم ينفقها لصالح طفل في سنّه ليشتري بها مستلزمات المدرسة، وغير ذلك كثير.

وهذا يتحقق باساليب وطرق مختلفة، سواء من خلال النقابات المهنية والاتحادات والكيانات الاجتماعية والعلمية والثقافية الموجودة، وليس بالضرورة هي من اختصاص المؤسسات الخيرية، لان القضية بحاجة الى تضافر الجهود وتفاعل من الجميع.

ورب سائل عن فائدة هذا العمل في بلد غارق في الازمات، والمشاكل فيه تتصف بالتعقيد الى حدّ اليأس القاتل؟

كل هذا صحيح، ومن صميم الواقع، بيد أن الصحيح ايضاً، أن غداً ربما يكون أسوء مما نعيشه اليوم، مما يستدعي استثمار الوقت والامكانات المتاحة، ليس فقط لكسب معنوي، وهو مطلوب قطعاً، إنما القضية مصيرية، فتقوية وشائج العلاقة بين فئات وشرائح المجتمع هو الذي يحقق للكثير حلم التغيير والخلاص من الفساد والانهيار السياسي والاقتصادي، عندما يكون كل فرد في المجتمع، مسؤولاً عن الجميع، وإلا ما الذي يعني شريحة واسعة من المجتمع، اعتراض الموظفين على خفض رواتبهم في وقت هم يفقتدون للمرتب الشهري الضامن لحياتهم المعيشية بالقدر الكافي، هذا فضلاً عن فرص امتلاك السيارة وقطعة الارض والبيت المشيّد وغيرها من الامتيازات؟

لنلاحظ التظاهرات الاخيرة التي عمّت العراق لمكافحة الفساد وتغيير الواقع السياسي والاقتصادي؛ هناك تأكيد واضح على أن المشاركين من جميع فئات الشعب، فهناك الكاسب البسيط الى جانب الاكاديمي والمثقف والموظف وهكذا... من هذا المنطلق نتحدث عن قوة وتأثير هكذا تظاهرات جماهيرية في عموم العراق. علماً أن هذه التظاهرات لن تكون كل شيء، لان المطلوب هو حالة التوثّب والاستعداد الدائم للتغيير ومكافحة الفساد بصوت واحد وجهود متضافرة وأيدي متشابكة، حينها يطمئن الجميع على حقوقه ومستقبله.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0