اللغة؛ وسيلة التخاطب والتواصل بين بني البشر... وهي من مفردات المنظومة الثقافية لكل أمة وشعب، ومن خلالها يكون الارتقاء في العلوم والمعارف والتقدم في المجالات كافة. بيد أن هذه الوسيلة الرائعة والجميلة، نراها تحولت الى أداة للفصل بين الشعوب في الأمة الواحدة. فقد تحولت اللغة الى العنوان الأول للدول الحديثة النشوء التي ظهرت بعد انهيار الدولة الاسلامية الكبرى، التي كانت في آخر عهدها تحت مسمّى "الدولة العثمانية"، فمن اللغة الفارسية الى التركية الى الأردو وغيرها من اللغات المحلية التي تم التشجيع عليها، وأكثر من ذلك؛ بعض البلدان الاسلامية تطبّعت مكرهة، على لغة المستعمر، فأصبحت العربية، لغتها الثانية، والفرنسية هي اللغة الاولى!

وبمرور الزمن، وتحديداً خلال القرن الماضي، ما زالت؛ تمثل اللغة لدى بعض الشعوب الاسلامية، نقطة ارتكاز ثقافية وعلمية، منها تنطلق نحو الابداع والتطور، ومن خلالها ايضاً تعبر عن مشاعرها ومواقفها على ساحة الأدب، من شعر وقصة وكتابة، مما يجعلها صاحبة ثقافة خاصة لها الحق بتصديرها الى العالم، بما فيه البلاد الاسلامية.

هذا الاعتداد والاعتزاز، نراه يتراجع لمجرد اهتزاز بسيط في أسوار الحدود المصطنعة على الأرض، وهو مدعاة للتساؤل عن سبب تراجع مفردة ثقافية لها وقع في النفوس وجذور في أعماق الانسان، بل قضية معنوية لها مكانتها، أمام قضية مادية لها طابع سياسي بحت، وتعني بأمور رسمية و اجرائية، ولعلنا نستفيد مرة أخرى من مشاهد الزيارة الاربعينية الاخيرة في كربلاء المقدسة، حيث شهدنا ذوبان اللغة وسط مراسيم لها ثقلها الاكبر في النفوس، وهي الشعائر الحسينية، بما تضم من منظومة الفكر والثقافة، ليس لبلد وشعب دون آخر، إنما للإنسانية جمعاء، وبدلاً من أن تكون اللغة الفارسية – مثلاً- وسيلة تميّز الشعب الايراني عن غيره، وتجعله ذو ثقافة خاصة، ربما لا تشبه كثيراً الثقافات الاخرى، تحول الى وسيلة للتقارب والتوادد مع سائر المعزين في ذكرى الامام الحسين، عليه السلام، وذلك بتقديم الطعام والشراب وعرض مختلف الخدمات للزائرين، وايضاً خلال المعايشة التي حصلت خلال أيام الزيارة.

من هنا نفهم – بالحقيقة - سر تأكيد سماحة الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي – قدس سره- وإصراره على نسف كل الحدود المصطنعة التي رسمها الاستعمار لبلادنا الاسلامية، فهو يعرف سلفاً أن لا قيمة حقيقية لهذه الحدود، ولا تأثير لها على المنظومة الثقافية والسياسية للدولة الاسلامية الواحدة إن قامت يوماً ما، بل انها مجرد أداة ووسيلة لإظهار التمايز والفوارق بين هذا الشعب وذاك. وهذا يدلنا على حجم الكارثة التي ابتليت بها الأمة طيلة العقود الماضية، وكيف انها توقفت ثم تخلّفت عن مسيرة التقدم الحضاري، عندما توقفت عند أسوار هزيلة وخطوط على التراب.

وعندما يناقش سماحته فكرة تشكيل الدولة الاسلامية الواحدة، في كتابه "الى نهضة اسلامية شاملة"، يسلط الضوء على مسألة اللغة، ويؤسس على أن "العربية" هي لغة القرآن الكريم والسنّة الشريفة، وهي لغة الأحكام والشريعة، مما يستدعي "الاهتمام الخاص باللغة العربية..."، ثم يستدرك سماحته بالقول"وليس معنى ذلك ترك سائر اللغات المحلية للمسلمين، كالهندية والفارسية والتركية ونحوها، بل معنى ذلك أن يكون لكل المسلمين لغة تفاهم واحدة، ولا أفضل من أن تكون تلك اللغة، لغة دينهم وقرآنهم...".

فالمطلوب؛ ليس ذوبان اللغات في لغة واحدة، وهو ما ينافي المنطق والعقل، وقبل ذلك كله يتعارض مع الحقيقة القرآنية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. (سورة ا لحجرات /13)، وأكثر من ذلك دقّة في تأكيد حالة  الاختلاف في ألسن البشر، جاء في الآية الكريمة: { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} (سورة الروم /22). هذه الرسالة البليغة والصريحة من القرآن الكريم، قبل ان تكون من طرف آخر، تمثل – بالحقيقة- تأكيداً لكل من يهمه الأمر بأن تلاقي اللغات ومصافحتها لن يؤثر على الطابع الثقافي لأي شعب، فكما هنالك التقاليد والاعراف الاجتماعية، فثمة لغات ولهجات متعددة يتحدث بها ابناء الشعوب الاسلامية المختلفة. فهم بعد ذلك مخيرون بين التوجه نحو اللغة العربية في مواسم الزيارات المليونية وغيرها، وبين تبادل اللغة مع الآخرين، وهو بحد ذاته يكسر الحواجز النفسية والتقسيمات الأثنية التي طالما سعى لتكريسها جهات سياسية وتيارات فكرية وافدة بحثت طيلة العقود الماضية عن دور وعن مكانة في الساحة الثقافية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0