مع شروعنا بالسنة الدراسية الجديدة، لابد من التأكيد على أهمية أن تخلو عملية التعليم من كل أنواع العنف المدرسي، ولابد أن تكون الغاية من التعليم بناء الإنسان علميا وأخلاقيا وإنسانيا، ولا فائدة من طبع المعلومات في مخه، وتعبئة دماغه بها، وفي نفس الوقت نسلب منه إنسانيته وندمّر شخصيته.

المطلوب بناء الطالب المتعلّم والمحصَّن بالأخلاق والسلوك الإنساني، وهذا الهدف من الصعوبة تحقيقه بالتدريس السائد، أو التدريس الذي يتناقله المعلمون بطريقة الاستنساخ دون الأخذ بالاعتبار مستجدات التعليم، والمستجدات الاجتماعية وحالة الانفتاح الثقافي التعليمي على المستوى العالمي.

غاية التعليم يجب أن تركز على بناء الطالب أخلاقيا وعلميا وإنسانيا في وقت واحد، فالتعليم غاية عظمى لدى الشعوب والامم، أو ينبغي أن يُنظر إليها بهذا المنظار، ولكن هناك أهمية قصوى تتعلق بطرائق التعليم، وكيفية توصيل المعلومة الى الطالب، بمعنى ما هو الاسلوب التربوي والتعليمي الذي نتبناه، لكي تكتمل العملية التعليمية على أفضل وجه.

لقد تغيّر العالم القديم وتم تحديث أساليب التدريس، وهذه النقطة يجب أن نأخذها بالحسبان، ولابد من القول إن التعليم غاية سامية، ولكن يجب أن ترافقها طرائق وأساليب تنسجم مع أهدافها الانسانية الراقية، لذا فالتعليم كعملية مجردة ومفصولة عن أهدافها الراقية لا تعنينا، كونها قد تنطوي على أضرار نفسية وتربوية فادحة ترافقها، بسبب الاخطاء التي يرتكبها القائمون على التعليم، وأقصد بهم تحديدا التدريسيين، والمعلمين.

لا يصح أن نسمح لأساليب التعليم القديمة أن تلازمنا في عصرنا الحديث، لاسيما أساليب التعليم القائمة على تعنيف الطالب لكي يحفظ المعلومات بطريقة آلية أو تلقينية، هذا الأسلوب عفا عليه الزمن، وإفهام الطالب في عصرنا يجب أن يتم عبر تقديم النموذج المحبب إليه، فالمعلم الناجح هو الذي يجعل لطلاب يحبون درسه، ولا أحد يمكنه إقناع الطلاب بذلك إلا المعلم نفسه حين يكون نموذجيا.

التعليم المقترن بالعلم والأخلاق

وهناك نقطة مهمة يجب التنبّه لها وهي أن المنهج الانساني في إدامة عملية التعليم يجب أن يتصدر كل جميع مراحل هذه العملية، لأننا لا نريد تعليما من دون إنسانية وقيم أخلاقية راسخة، لأن الأخيرة هي تاج التعليم، وفقدانها يعني تحوّل العملية التعليمية الى عُقَد وأمراض نفسية، وبالتالي إلحاق أضرار كبيرة بالنشء الجديد، وهم طلاب المراحل الابتدائية تحديدا.

من هنا يجب أن تتم حيثيات العملية التعليمية بمراحلها كافة لاسيما الابتدائية، وفق منهج انساني أخلاقي يتقدم جميع الاساليب والاهداف الاخرى، فالتعليم بلا انسانية، كمن يقوم بزرع الارض الصالحة ببذور سامّة، وليس ثمة مغالاة في هذا التشبيه، لأن الطالب الصغير عندما يتربى على الضرب والتعنيف والتجاوز باللفظ او الضرب بالعصا، وهو صفحة بيضاء وخامة بشرية صافية، سوف يتحول الى شخصية عنيفة بالتدريج وسوف يصبح عدوّا لنفسه وللمجتمع.

وهكذا فإن المعلم أو التدريسي بدلا من أن يبني طالبا أخلاقيا نموذجيا يقوم بالعكس تماما، وبهذا فإن عملية التعليم ستصنع لنا شخصية هدّامة، تسمم المجتمع لاحقا، لأن الطالب المعنّف عندما يصبح مسؤولا مهماً في أحد المناصب الكبيرة، سيطبّق منهج التعليم العنيف على دائرة عمله، بغض النظر عن نوع العمل والمسؤولية المنوطة به، وكلما اتسعت المسؤولية كثرت المخاطر والاضرار.

وقد ثبت علميا من حيث الجانب النفسي أن الإنسان المعنَّف في طفولته، سوف يعكس هذا التعنيف على المجتمع، لاسيما إذا توفرت له الفرصة لضرب أو معاقبة المجتمع، ولنا أن نتصور طالبا معنّفا بقسوة، حينما يصبح مسؤولا كبيرا أو رئيسا للدولة، ترى كيف سيقودها؟، إنه حتما سيتحول الى دكتاتور يحيل حياة الناس الى ظلم وقهر وتعنيف لا يتوقف.

تُرى هل يعي المعلمون ممن يؤمنون بالعنف، هذه النتائج المستقبلية لطلابهم، وهل يعي الحكوميون المعنيون في وزارة التربية أو التعليم العالي، خطورة تعنيف الطلاب وضربهم والتجاوز عليهم، بشتى الطرق والاساليب المرفوضة؟

كاد المعلم أن يكون رسولا

من المهم الإقرار بأن المشكلة تتمثل بقبول ظاهرة الضرب، وجعلها منهجا متعارفا وشائعا بين المعلمين وحتى بين الطلبة، بل هناك آباء يوصون المعلمين بتأديب أبنائهم بالضرب فيقولون للمعلم أو مدير المدرسة (لك اللحم ولنا العظم)، في حين أن التبريرات كثيرة وكبيرة في هذا الجانب، حيث يقول المعلمون إننا نضطر لضرب الطلاب بسبب تجاوزاتهم المستمرة، او كسلهم وعدم اهتمامهم بدروسهم وواجباتهم.

وقد يكون السبب زحمة الطلاب في الصف الواحد، وعدم قدرة المعلم السيطرة عليهم، وما شابه من تبريرات وذرائع، لكنها مهما اقتربت من الواقع، فإنها لا ينبغي أن تكون سببا في تهديم الشخصية الانسانية للطالب، ولا يصح ابدا أن تتحول عملية التعليم من اهدافها التي تستحق التعظيم والاحترام، الى عملية لبناء الانسان المعقد والمهزوز والعصابي في كثير من الاحيان.

نحن بحاجة إلى المعلم النموذجي الذي ينطبق عليه قول الشاعر (قم للمعلم وفِّه التبجيلا.... كاد المعلم أن يكون رسولا)، فهذا النوع من المعلمين النموذجيين يكون قادرا على بناء الشخصية الطلابية النموذجية أيضا، تلك التي تتحلى بالإنسانية العالية، والمحصّنة بمنظومة أخلاقية رصينة تحميها من الانحراف.

فلتكن هذه السنة الدراسية الجديدة سنة علمية تعليمية خالية من العنف، ولتعمل الأطراف المعنية على تصفير العنف بدرجة تامة، ولتكن هذه السنة أساسا لبناء الطالب الأخلاقي النموذجي، وبهذه الطريقة نستطيع الجمع بين بيئة تعليمية خالية من العنف بصورة كاملة، وفي نفس الوقت يمكن بناء الطالب المدعوم بالتعليم الناجح والمحمي بالقيم والأخلاق العالية.

اضف تعليق