هل يمكن أن نتخيّل كيف كان العالم قبل القراءة، وكيف كان البشر يتناقلون الأفكار والتجارب، نعم بالإمكان ذلك، وقد عشنا فترات من هذا النوع عندما كانت الأميّة تضرب أطنابها في بعض بقاع الأرض، كان الناس يتناقلون تجاربهم عبر الحكايات الشفاهية، ولكن من أن تم تطوير فك رموز اللغة عبر القراءة، بات انتقال الأفكار مضاعفا.

فبحسب أهل الشأن القراءة عملية معرفية تستند على تفكيك رموز تسمى حروفا لتكوين معنى، والوصول إلى مرحلة الفهم والإدراك. وهي جزء من اللغة التي هي وسيلة للتواصل أو الفهم. وتتكون اللغة من حروف وأرقام ورموز معروفة ومتداولة للتواصل بين الناس.

فالقراءة هي وسيلة استقبال معلومات الكاتب أو المرسِل للرسالة واستشعار المعنى المطلوب، وهي وسيلة للتعلم والتواصل مع الثقافات والحضارات عن طريق استرجاع المعلومات المسجلة في المخ.

لقد أحدثت القراءة والكتابة نقلة نوعية كبيرة في حياة البشرية، وأصبحت إمكانية نقل الأفكار متاحة بين العقول المختلفة، وكما يحدث مع معظم الابتكارات التي ينتج عنها الجيد والرديء، رافق عملية القراءة ما هو صالح للناس وما هو مسيء لهم على مستوى الأفكار المنقولة، فالأفكار الإيجابية حسنت حياة الناس وطورتها، في حين أصبحت الأفكار الطالحة مصدر إساءة وقلق كونها تزج الشر في العقول.

من فوائد القراءة

يقول عبد الحميد شمس الدين: القراءة هي عملية عقلية، وتعني إدراك القارئ للنص المكتوب وفهمه واستيعاب محتوياته، وهي عملية تفاعلية بين القارئ والكاتب، وتعتبر نشاطاً للحصول على المعلومات، حيث يتم قراءة هذه المعلومات إما بصمت أو بصوتٍ عالٍ.

ويجب على الشخص القارئ أن يكون قادراً على نطق وفهم الكلمات، والحروف، والإشارات، والرموز الموجودة في النص، وتحتاج القراءة إلى وجود مهارات داعمة مثل، مهارة الكتابة، والتحدث، والاستماع. ويؤكد على أن للقراءة فوائد كثيرة، منها تخفيف التوتر. تنشيط الذاكرة. تطوير المهارات الكتابية. الشعور بالراحة والهدوء. التوسع في المفردات لدى القارئ.

ومن ثم تعد القراءة طريقة أو وسيلة لتنمية العقل. وتقوية مهارات التفكير التحليلي. وهي وسيلة للترفيه والمتعة. وزيادة التركيز. كما إنها تقلّل خطر الإصابة بمرض الزهايمر. وتعزّز قدرة ووظائف الدماغ. وتجعل الشخص أكثر ذكاءً.

لكن مع كل هذه المزايا الكبيرة والنوعية، تعد القراءة كما ينظر إليها مختصون سلاح لديه حدّين، فأما أن تكون القراءة ناقلا أمينا للأفكار التقدمية المفيدة للإنسان، والتي تساهم في دفع مراحل كبيرة إلى أمام، وأما أن تكون ذات أثر سلبي مدمّر عندما تكون الأفكار المنقولة من النوع الضار والخطير ومنها على سبيل المثال أفكار التطرف والعنف.

الإنسان يمكن أن يتحوّل من اللطف والمسالمة إلى الخشونة والقتال من خلال القراءة، فالأخيرة يعبّر عنها مختصون أنها نوع من الخطاب الذي يحمل للقراء أفكارا، إنها (القراءة) تشبه خطيبا لبقا يتوجّه إلى العقول ويخاطبها بلغة قد تكون سليمة من حيث المعنى والنطق، لكن الخطر يكمن في الأفكار المحمولة والمبثوثة للعقول.

لنغرس بذور السلام عند الأطفال

الطفل عندما يفتح عينيه على لغة قاسية، وأفكار متطرفة، بعيدة عن السلام والإنسانية والاعنف، فإنه سوف يشبّ عنيفا، وأن بذور العنف تُغرَس في عقله منذ طفولته، وتكبر وتنمو معه، وتزداد رسوخا في عقله كلما تقدَّم في العمر، لهذا يُنصَح بمعالجة تطرف البشر منذ الطفولة، وعدم السماح لهم بقراءة مضامين قاسية مشبعة بالكراهية.

تبدأ المراقبة أولا داخل الحاضنة الاجتماعية الأصغر وهي العائلة، الأب والأم والأخ الأكبر، هؤلاء تقع عليهم مسؤولية متابعة ما يقرأه الصغار، بل ويمكن لهم التدخل في نوعية الكتب التي يقرأونها، إذا من غير السليم أن يُترَك الطفل لعملية الانتقاء العشوائي لما يقرأ، لاسيما في بدايات حياته، ويحق للأب الأم الأخ الأكبر تسهيل مهمة اختياره للكتب ذات المعاني الإنسانية المسالمة والخالية من سمات العنف بشكل تام.

هنا شواهد تؤكد بأن جميع ما تتعرض له البشرية من أزمات وصراعات وحروب سببه القراءة العنيفة، والابتعاد عن القراءة المسالمة، حتى قيل أن معظم شخصيات الطغاة أُشبِعَت بالعنف منذ طفولتها عبر فعل القراءة غير السليمة، والخالية من الرقابة، فوجد الطفل نفسه في حاضنة فكرية عنيفة، زرعت العنف في عقله، وصار العنف والصراع والقتال والفكر المتطرف جزء من شخصيته المبنية بأفكار العنف.

على العكس من ذلك تماما، الشخصيات المسالمة التي تركت أثرا عظيما في البشرية، كانت طفولتهم محاطة بالحاضنة المسالمة، وكانت قراءاتهم خالية من حروف ورموز وكلمات العنف بكل أشكالها، فشبّوا مسالمين لطفاء، محميين من أفكار التطرف، ومحاطين بعناية الكبار من الأهل أو الأساتذة وحتى الأصدقاء.

ثمة فارق هائل بين القراءة العنيفة والقراءة المسالمة، لاسيما في بداية مشوار الحياة، الطفولة، لهذا من الواجب المؤكَّد والمسؤولية الحاسمة أن يتابع الآباء والأمهات أطفالهم في مجال اختياراتهم للأفكار التي يبحثون عنها في الكتب، ويحتاطون من تأثيرات الأصدقاء أو الأقران المتطرفين، وبهذه الطريق ينمو الطفل سليما فكريا، ويمكن أن يكون مسالما بالفطرة، وهذا ما يحتاج إليه البشرية لكي تتخلص من براكين العنف المنتشرة في أرجاء كوكبنا.

اضف تعليق