يقول أصحاب الشأن، أن المرحلة الراهنة التي يجتازها العراق، والمنطقة الإقليمية برمتها، تعد من المراحل الحرجة في حياة الأمم والشعوب، كونها تحمل في طياتها بوادر تحولات كبرى على الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية معا.

واستنادا الى المراحل المشابهة التي مرت بها شعوب ومجتمعات أخرى، فإن النتائج التي سوف تتمخض عن هذه المرحلة سوف تكون حاسمة بخصوص الانتماء الى التقدم والازدهار او التردي والاندحار بسبب التخلف.

وهذه النتائج في حقيقة الأمر لها مساس شبه مباشر بالدور الذي تضطلع به نخبة المثقفين والمفكرين، فكما يؤكد التاريخ وتجارب الأمم الماضية أن مسؤوليات النخب، تتضاعف في اللحظات المحورية للزمن، لدرجة أنها تفوق بأضعاف المرات، مسؤوليات العامة من الناس.

وطالما أننا نعيش الآن مرحلة محورية، تعمل بوضوح على نقل المنطقة، لاسيما الدول العربية، من حالة السبات السياسي، والخنوع لسلطات القمع، الى حالة نقل السلطة الى الشعب بصورة فعلية، فإن زمنا محوريا كهذا، يتطلب استعدادا موازيا لقيمته ومزاياه، من لدن النخب المجتمعية، وأولها النخبة المثقفة.

فكما نقرأ في صفحات التاريخ وتجارب الأمم في المدى المنظور، أن النخبة الثقافية والفكرية، لها باع طويل في تحريك الطاقات الكامنة للشعوب، من خلال زرع وتحريك موجات الوعي المتواصلة، التي تزجها في عقول الناس البسطاء وغيرهم، من اجل النهوض بسقف المطالب التحررية، لذا يُنظر الى المثقف، على أنه مسؤول فكري مبدئي، يمهد السبيل للشرائح الأخرى، كي تواصل سيرها في المسارات الصحيحة، وهي مهمة ليست بالسهلة ولا مناص من الالتزام بها في الوقت نفسه.

الدور التاريخي للثقافة

وحتما أن الطبقة المثقفة والمفكرة، اذا جازت هذه التسمية، تعي دورها التاريخي جيدا، وهو دور محوري ايضا، يوازي أهمية المرحلة المحورية الحرجة التي يمر بها العراق ودول المنطقة، لذلك ثمة أولويات تتصدر غيرها فيما يتعلق بالمثقفين، ومنهم المثقف العراقي، فهو صاحب أولويات، أو ينبغي أن يكون كذلك، وهذه الأولويات ليست جديدة، لكنها قطعا تتغير من ظرف الى آخر، بيد أننا لابد أن نتساءل عن هذه الأولويات، وماهيتها، وطبيعتها، ومدى قربها من نبض الجماهير وإرادة الشعب، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف المطلوبة، من اجل التحرر والعيش بطريقة تحفظ حقوق الشعب وحرياته وكرامته.

وعندما نتعمّق في دور النخبة المثقفة، وخصوصا في العراق، باعتبارنا على صلة مباشرة بهذه النخبة، وبما يجري في هذا البلد في هذه المرحلة الحرجة، فإننا في الحقيقة نلاحظ تدنيا في دور المثقف، وهبوط في سقف مطالبه، وانخفاضا في نسبة التأثير التي يحققها في النسيج المجتمعي.

ولو حاولنا بشكل فعلي معرفة دور النخبة المثقفة، في هذه المرحلة المحورية، التي ينبغي أن ينتقل فيها المثقف، بل وحتى المواطن البسيط، من مستوى التفكير السطحي، والقبول بما يسد الرمق، الى التفكير الجوهري، والسعي الى تحقيق النمط الحياتي التحرري، فإننا سوف نصاب بخيبة كبيرة، لأننا سوف نطلع على مستوى يمكن أن نصفه بأنه غير مسؤول، ولا يتسق مع الدور الجوهري الذي ينبغي أن يتصدى له المثقف العراقي في هذه المرحلة.

وعندما نناقش هذه الجوانب الجوهرية بهذا الوضوح، فإننا لا ننطلق من رؤية فردية او شخصية مصدرها المزاج، او نقطة انطلاقها لا تقوم على الموضوعية، أو استنادا الى عشوائية التصوّر والاستنتاج العائم، بل ما نقوله هنا يستند الى وقائع، يمكن أن نبصرها، ونلمسها في الشارع العراقي.

فالنخبة المثقفة في العراق يبدو انها حتى اللحظة، لم تعي دورها المحوري كما ينبغي، ومن الواضح أن مطالب هذه النخبة لا علاقة له بالوضع المصيري الذي يعيشه البلد، لذلك نلاحظ أن جل ما تطمح له هذه النخبة ينحصر بمطالب الذات او الفردية المستمَدة من بؤرة أنانية، لم يستطع المثقفون أن يتخلصوا منها في هذه المرحلة الحرجة.

الدفاع عن حرية الشعب

وإذا سلمنا بهذه المؤشرات المستقاة من أرض الواقع بخصوص النخبة المثقفة، فما بالك بالشرائح الأقل وعيا، وكيف يمكن أن يقوم المثقف بوصفه ينتمي لنخبة فكرية رائدة، بدوره ومسؤوليته ازاء رفع الوعي الجمعي الجماهيري، الى الدرجة التي تليق بأهمية الانسان، وأحقية مطالبته بالحقوق المشروعة له.

واذا عرفنا أن الحرية هي مطلب المثقف الأزلي، وهذا المطلب هو الذي كان سببا مباشرا بقتل، واعدام، ونفي، وتشريد مئات المثقفين على مر التأريخ، ولم تكن المطالب المادية الفردية، والامتيازات، والاغراءات، من شيم المثقفين الأصلاء، فإننا في هذه الحالة نستطيع أن نقدر حجم المسؤولية التي تقع على عاتق المثقفين في المرحلة الراهنة.

لذلك تتحدد مسؤولية المثقف بشروعه الدائم بالدفاع عن حرية الشعب أولا، ثم تأتي سلسلة المطالب المشروعة للجميع بمن فيهم المثقف نفسه، كالطعام، والسكن، واللباس، والخدمات المادية، التي ستأتي كتحصيل حاصل، لمطلب الحرية الذي لن يتنازل عنه المثقف الأصيل، أو يُفترَض به أن يكون هكذا، ولا يُقصَد هنا بالحرية معناها المجرد، بل جوهرها الفعلي الشاخص والحاضر في ساحة الفعل.

وربما من المؤسف حقا، استنادا الى ما تفصح عنه الساحة الثقافية الراهنة، أن نقول ربما يفتقد العراقيون في هذه المرحلة المحورية من تأريخهم، الى المثقفين الذين يعرفون خطورة دورهم، وحجم مسؤولياتهم، وقدرتهم على التفريق بين مطالب تحسِّن حياتهم المادية، وأخرى تنشئ مجتمعا متحررا من الخوف، والجهل، والعوز المادي، والضمور الفكري والسبات الحاد.

من هنا تستدعي مسؤولية النخبة المثقفة، أن تقرأ المرحلة بصورة دقيقة، وأن تعي حجمها ومخاطرها، لكي تحدد في ضوء ذلك، دورها المحوري والجوهري ازاء ما يجري في الساحتين السياسية والاجتماعية، ولا مفر من التصدي لهذا الدور وتحمّل المسؤولية كاملة، فالتاريخ لا يغفل احدا، والوقائع ستفصح عن دور النخبة المثقفة، فيما لو انها ادّت واجبها كما يجب، أو العكس من ذلك!!.

انقر لاضافة تعليق
امل محمد علي
ذي قار
فعلا لم تأخذ الثقافة دورها في العراق كما يجب ولا المثقفين ايضا، كما اشار الى ذلك كاتب المقال بشيء من التفصيل، ولكن حبذا لو يتم طرح مشروع ثقافي متكامل لمعالجة تراجع الثقافة العراقية لاسيما في هذا الظرف العصيب الذي تمر به البلاد2015-07-22

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
5