من شروط الدولة المدنية، أنها ينبغي أن تكون قادرة على توفير الضمان الصحي التام لمواطنيها، لذلك لا نجد نقصا لهذا الشرط في الدول المدنية المتقدمة، أما عندما نبحث عن الضمان الصحي في الدول المتأخرة، فإننا في الحقيقة كمن يبحث عن (ابرة) في كومة قش، إذ من المستحيل أن نعثر على نظام صحي متكامل ومتطور في دولة فاشلة سياسيا واداريا، كما هو الحال في الدول ذات الانظمة الفردية المستبدة، أو الحكومات الفاشلة بسبب الفساد وغيره.

لذلك يتفق أهل التخصص على أن المنظومة الصحية الراسخة والمتطورة، تعد من الركائز المهمة لبناء الدولة الحديثة، حيث تقدم خدماتها المتكاملة للمجتمع وتعد هذه المنظومة الصحة، والضمان الصحي من سمات الدولة الناجحة، كونها تؤكد قدرتها على توفير الرعاية الصحية الجيدة لشعبها، والسبب أن طبيعة الخدمات الصحية ترتبط بالوضع العام للدولة ودرجة انتمائها لروح العصر.

من هنا تحرص الدول الديمقراطية التي تقودها أنظمة تعددية بصورة جادة، على النجاح في مضمار الصحة، بل تحاول الحكومات في هذه الدول أن تتفوق على غيرها في المجال الصحي، وتسعى أن تواكب كل المستجدات والاكتشافات المهمة في هذا الميدان، من خلال دعمها لقطاع الصحة بصورة علمية وعملية متواصلة، كالاستمرار في البعثات الطبية والدراسية، وجلب وشراء أحدث الاجهزة العلاجية بملايين الدولارات مع ضبط تشغيلها والتدريب عليها.

في حين نلاحظ أن الحكومات الفردية أو الدكتاتورية أو تلك التي تدّعي التحرر والديمقراطية ولا تعمل بها، فإنها لن تنجح في بناء منظومة صحية متكاملة، والسبب لايحتاج الى تحليل عميق، فترابط منظومات الحركة والفعل والتفكير تجعل فشل الدولة في السياسة ينعكس على فشلها في الصحة والاقتصاد والتعليم وغيرها.

وهذا الامر يؤدي الى فشل ونكوص وتراجع كبير في منظومة الصحة لدى الدول القمعية، أو الدول التي تتمسك بأذيال الديمقراطية ولا تدخل الى أعماقها، وتفشل في تحويل الديمقراطية الى منهج حياة شامل، يسهم بقوة في بناء المسارات السياسية والاقتصادية والتعليمية والصحية وسواها من المجالات الاخرى، فتتحول الدولة من كونها متخلفة وفاشلة، الى دولة مدنية ناجحة.

وعندما نطالع تاريخ العراق المنظور والقريب ايضا، سوف نلاحظ انه كان بلدا محكوما بالقمع على مدى الحكومات الملكية والجمهورية التي تتالت في حكمه، وهذا النهج القمعي تمثل بالسياسة العرجاء التي كانت تدير شؤون البلاد كافة، لذا فإن ضعف المنظومة الصحية يمثل حاصلا للتردي في النهج السياسي، ومع فإن بعض النظم الحديدية قد تنجح ببناء منظومة خدمات صحية متطورة، إلا أن النهج السياسي المتوتر لابد أن ينعكس على عمل هذه المنظومة، فتبقى محكومة بالفساد في نهاية الامر.

إننا في عراق اليوم نلاحظ تجربة سياسية ما يزال الكثير من المعنيين يطلقون عليها مصطلح الديمقراطية الوليدة، على الرغم من عبورها عامها الثاني عشر، ولا شك أن هذه السنوات تعد طويلة في عمر الحكومات، ولو أن الحكومة وعت أهمية الصحة وفعّلت هويتها وانتسابها الى الانظمة المتطورة، لكانت قد بذلت جهدا تنظيميا واضحا في بناء المؤسسة الصحية في العراق، لكن هذا الامر لم يحدث حتى الآن، لدرجة أننا نفتقد لبرنامج ضمان صحي واضح المعالم يمكن أن يحمي الفقراء العراقيين من حالة الضعف التي تواجههم صحيا، وهذا دليل على غموض الرؤية السياسية لبناء الدولة المدنية.

بدليل أنه حتى هذه اللحظة من عمر التجربة الجديدة في العراق، لو تعرّض مواطن عراقي من ذوي الدخول المتدنية الى مرض مفاجئ يتطلب جراحة أو ما شابه، فإنه سيعاني الامرين وربما يفقد حياته أو يصبح عليلا الى وقت طويل، إذا لم يفقد حياته كليا، لذلك من الخطأ أن يبقى هذا الخلل التنظيمي الصحي الخطير، يشكل مشهدا واضحا من مشاهد الخلل في الدولة العراقية.

ولا يزال الحديث عن شحة الادوية في المستشفيات الحكومية مستمرا بين الناس، ليس الادوية المهمة او غالية الثمن، لأنها غير موجودة أصلا في المستشفيات، ولكننا نتحدث عن ادوية بسيطة، مثل حبوب او عقاقير صداع الرأس وارتفاع الحرارة وما شابه، وهناك كلام مستمر مدعوم بالشواهد عن تسيب الادوية الى خارج المستشفيات، وبعضهم يتحدث عن تقاسم الرؤوس الكبيرة للأدوية المهمة وتوصيل ادوية بسيطة الى الصيدليات الحكومية، لذلك غالبا ما يضطر المريض الى شراء الدواء من خارج المستشفى!.

إن هذا المثال الواقعي الذي نضعه أمام الحكومة العراقية، وامام عيون وزارة الصحة والجهات المعنية بالضمان الصحي للمواطن، يؤكد لنا أن دولة العراق الجديدة لا تزال في الواقع، تعاني من عدم قدرتها على بناء وتفعيل منظومة صحية تليق بالإنسان، وهو أمر يشي بانعكاس الضعف السياسي والاداري والاقتصادي على الصحة وعلى مجالات الحياة الاخرى.

ولا يقتصر هذا الخلل على العمل الحكومي، او المؤسسات الصحية الرسمية للدولة، بل ينسحب ايضا بوضوح الى القطاع الخاص، فنلاحظ فوضى في اسعار الأدوية، والفحوصات في العيادات الأهلية، كذلك هناك ظاهرة يمكن ان نطلق عليها بجشع الاطباء والصيادلة، حيث تتصاعد اسعار التطبيب والدواء بصورة متسارعة، في ظل غياب الرقابة الحكومية او الاهلية الصارمة، لذلك فالاسعار اليوم تقع تحت سطوة الاطباء والصيادلة من دون حسيب او رقيب.

وما يزيد من مأساة المواطن العراقي أن هذه الفوضى الصحية تحدث امام مرأى الجهات الرسمية، من دون ان تتحرك كي تتخذ الاجراءت التي تحمي المواطنين المرضى من دوّمة الجشع المستمرة، كذلك ضعف آلية الضمان الصحي، تجعل هذه المشكلة ذات تأثيرات مضاعفة على الناس.

لذلك ينبغي أن تحرص التجربة الحكومية في العراق على بناء مقومات الحياة العصرية للعراقيين وفي مقدمتها الصحة، وأن تتحاشى انعكاس أزماتها في السياسة والاقتصاد على الميادين العملية الاخرى، فمن مؤشرات ودلائل الدولة الديمقراطية المدنية، وجود مؤسسة صحية ناجحة ووجود ضمان صحي يكفل تقديم العلاج بغض النظر عن ثمنه للفقير وغيره ممن يحتاجونه.

ولابد أن تتصدى الجهات الصحية الرسمية لمهامها بصورة جيدة في هذا المضمار، لاسيما وزارة الصحة، وأن تضع المحددات الكفيلة بعدم تصاعد وتيرة الاسعار واستغلال بعض الاطباء لحاجة الناس، ومنع انتشار ظاهرة الجشع، وذلك من خلال اتخاذ القرارات والخطوات المطلوبة، علما أن النجاح في توفير الضمان الصحي للمواطن العراقي بصورة تامة، يعد من المؤشرات المهمة على تحول العراق من دولة متأخرة، الى دولة مدنية متقدمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0