هل الثقافة يمكن أن تجعل السياسي أفضل؟، سؤال تبدو الإجابة عنه بديهية، وقد لا يختلف أحد على أن الإنسان إذا كان مثقفا، بغض النظر عن طبيعة عمله، فإنه سوف ينجح، أو على الأقل يكون أكثر فهما ونجاحا من غيره، وهذا يعني أن السياسي عندما يتحلى بقدر مستوى ثقافي معين، أفضل ممن يفتقر لهذا الأمر.

وكلما ارتفعت ثقافة السياسي، أصبح أكثر قدرة من غيره على النجاح، أما طبيعة الثقافة ودرجة الإلمام بها، فهي مستويات أيضا، لكن في جميع الأحوال لابد أن يكون الإنسان الذي يتصدى لمسؤولية وظيفية في السياسة على قدر معين من الثقافة، أما أن يكون ركيكا في هذا الجانب فهذه مشكلة لابد أن يجد لها المعنيون حلولا، سواء بتثقيف الساسة أو بفرض شروط معينة للعاملين في هذا الميدان.

ما الذي يدفع بنا للتركيز على ثقافة السياسي؟، ولماذا يُشترط بالسياسي أن يكون ذا سقف مقبول من الثقافة العامة؟، يُضاف إلى إتقانه لتخصصه الوظيفي؟

لكي نجيب عن السؤال أعلاه، لابد أن نقرّ بأن الثقافة يمكن أن تصنعها السياسة، ويمكن أن يحدث العكس، فهناك من يتساءل، ماذا يمكن أن نتوقع من ثقافة تصنعها السياسة؟، ويوجد من يعكس السؤال فيقول، ماذا يمكن أن يحدث لو أن الثقافة هي التي تصنع السياسة؟؟

متى تصبح الثقافة بوقاً للنظام السياسي؟

بعض المختصين يقول إن الفارق سوف يكون كبيرا، بل سيقع على طرفي نقيض تماما، فالثقافة التي تكون صنيعة النظام السياسي، لا يمكن لها أن تخرج عن دور البوق المروّج لأفكار ومصالح الحكومة، بمعنى أدقّ، ستكون الثقافة التي تصنعها السياسة أسيرة موجَّهة لا تنطوي على الإبداع.

أما سبب غياب الإبداع فهو واضح، ويكمن في انتفاء الحرية في الثقافة التي تصنعها السياسية، أي أنها ثقافة موجّهة، ولا يمكن أن نتصور لثقافة مسلوبة الحرية والإرادة أن تبدع، أو تجرؤ على التغريد خارج السرب، أو خارج ما يخطط لها السياسيون إذا كانوا في سدة الحكم أو في الأحزاب المشاركة.

بهذه الصيغة سوف تكون الثقافة عرجاء، كمن يسير على ساق واحدة، وكمن ينظر إلى الأشياء بعين واحدة، إذا كانت صنيعة الحكومة، أو النظام السياسي، وقد أثبتت التجارب في الدكتاتوريات التي نمت وتضخَّمت في أمريكا اللاتينية وبعض الدول الأفريقية والعربية، فشل الثقافات المصنّعة سياسيا، كونها لا تتمتع بحرية الطرح والرأي والتفكير.

هذا النوع من الثقافات السياسية ذات الأفكار النفعية، لابد أنها تحمل فشلها معها، كونها محاطة بمجموعة من الممنوعات، لا يمكن لها أن تجاري التطورات المتسارعة في العصر الراهن، وإذا كانت الثقافة المصنوعة سياسيا فاشلة في الأزمنة الغابرة، فإن فشلها في هذا العصر سيكون أكثر وضوحا، بل سيكون فشلا مدوّيا، بسبب طبيعة العصر القائمة على الابتكار، والأفكار الجريئة المغايرة الصادمة والخارجة عن النسق المعتاد، فضلا عن تطور وسائل الاتصال والإعلام.

ولنا أن نتصور في حالة حدوث العكس!، أي عندما تولد السياسة من رحم الثقافة، فماذا يحدث، وما هي النتائج التي يمكن أن تنعكس على حياة المجتمع، إن الثقافة التي يكون بمقدورها إنتاج نسق ثقافي متطور، ويمكنها أن توجّه المسارات السياسية في بلد ما.

هذه الثقافة لابد أن تكون راسخة متطورة مكتملة، بسبب تجذرها، وتحولها كمنهج سلوكي وفكري في حياة المجتمع، لهذا السبب تتمكن مثل هذه الثقافة المتطورة، أن تصنع الإطار السياسي، وأن تحدد نوعية النظام، وتسهم في بناء المؤسسات التي تضبط إيقاع حركة الدولة وتأخذ بها نحو المدنية وحماية الحريات.

الثقافة الراجحة تدعم بناء الدولة

بهذا المعنى تصبح الثقافة هي المنتجة للسياسة، وليس العكس كما يحدث في الدكتاتوريات، لذا نحن إزاء تجربة سياسية ثقافية متناغمة ومنسجمة، يتعاضد فيها السياسي والثقافي، ويؤازر بعضهما الآخر، فتكون النتائج باهرة وموفقة دائما للثقافة التي تصنع السياسة والسياسيين.

على العكس مما يحدث لو تراجعت الثقافة، وأصبحت خاضعة وتابعة للقرار السياسي، عند ذاك تحركها الأهداف والمصالح السياسية، وفقا لأجنداتها، أو مساراتها، بما يحقق ضمانا أكيداً لمصلحة النظام السياسي، ومآربه التي غالبا ما تتمحور حول الكيفية التي تحافظ على العرش، وتحميه بغض النظر عن الأساليب والوسائل المستخدّمة لتحقيق هذا الهدف.

لا يوجد تهويل في مثل هذا القول ولا مغالاة، فالسياسة عندما تجبر الثقافة على تبعيتها، ستجني على الجميع، وسوف تدمر الدولة والمجتمع وتدمر النظام السياسي نفسه، لذا فإن التوظيف الشمولي للثقافة لصالح فرد، أو حزب أوحد، أو حزب قائد، أو لصالح جهة معينة، قد يبدو ذا نتائج سياسية ثقافية تدل على قوة الدولة، ومتانتها وقوة النظام السياسي، لكن الجانب الأكثر خطورة هنا، يتمثل في فقدان الثقافة لدورها وفاعليتها، وقدرتها على التأثير في الدولة والمجتمع.

وهذا يجعلنا والآخرون معنا نتساءل، ما فائدة دولة قوية في الظاهر ومنخورة من الداخل، بسبب ثقافتها السيئة، وسياسييها غير المثقفين؟، هكذا دول سوف تكون مصابة بالشلل، وفاقدة للابتكار، وتابعة لما تريده السياسة، فتتحول الثقافة إلى تابع مريض، لتسري عدوى هذا المرض في مفاصل الدولة والمجتمع، بسبب الساسة غير المثقفين!!

أمر بديهي عندما تمرض الثقافة تمرض السياسة، بل تمرض الدولة كلها، وهنا سوف يكون الجميع خاسرا، ما يعني أهمية توافر الحرص الجماعي، على إعطاء الثقافة دورها في رسم مسارات الدولة والمجتمع، وتوفير المناخات المدنية التي تساعد الثقافة على النمو والتطور، والتأثير في حركة المجتمع والسياسة.

يجب أن تكون الطبقة السياسية مثقفة، وذات وعي راجح على سواها من الطبقات، ولا يخطئ من يقول بأن نجاح الدولة يعتمد على ثقافة قادتها، أو بصورة أوضح يعتمد على مستوى ثقافة طبقتها السياسية، لذا نحن نحتاج إلى ثقافة سياسية متميزة، وبهذه النتيجة، ستكون الثقافة هي الرحم الذي ينجب سياسة قوية، واضحة متطورة ومتوازنة، تسهم في بناء دولة مدنية ومجتمع متميز.

اضف تعليق