أطلقت (داعش) على حركتها وتنظيمها منذ اللحظة الاولى في ظهورها اسم (الدولة الاسلامية) وفي تكملتها في العراق والشام، ومن غير المألوف في التاريخ السياسي أن تطلق جماعة سياسية على تنظيمها او حركتها اسم الدولة، وهي لازالت في بداية طريق صراعها او السعي الى دولتها، اذا فهي تسعى وبإرادة مسبقة الى القبض على السلطة، فالدولة في الفهم التقليدي لهذه الحركات الاصولية وأفكارها المتطرفة هي (السلطة) وليست الدولة ذات التصور المؤسساتي شكلاً ومضموناً. فالدولة في هذا الفهم التقليدي والموروث السياسي لا تعبر عن أهداف وبرامج البناء القانوني والسياسي والاجتماعي، ولهذا تغيب في هذا الفهم الرؤية السياسية التي تتبنى برامج حكومية وخطط سياسية واقتصادية وهذا شأن كل الحركات الاصولية.

ونتيجة هذا الفراغ السياسي والبرامجي الذي يعبر عن قصور بنيوي في تركيبة هذا الفكر التقليدي والاصولي، فأنها تلجأ الى اساليب السلطة في القوة وتتحول الدولة بذلك الى مجال للممارسات والسلوكيات السلطوية والمعبرة حصرا عن القوة لديها، فالسلطة هنا لا تستند الى حق طبيعي او قانوني وانما تستند الى فكرة القوة، وكان يعبر عن صاحب هذه السلطة في الفقه السلطوي القديم بصاحب الشوكة او الغلبة الذي برر له فقهاء هذه السلطة قديما بحقه في الامرة اذا غلب وأجازوا ولايته اذا ظهر، وهذا تراث داعش السياسي – الفقهي.

وهي حين تلجأ الى تصوير كل انتهاكاتها لحقوق الانسان وعرضها كمشاهدات امام الناس المحكومين بسلطة هذا التنظيم او الممهدين بشمول هذا التنظيم (وبالمناسبة فان العالم كله مستباح في تصورهم الايديولوجي والعقائدي امام سلطتهم او سلطة دولتهم التي يمنون أنفسهم من خلالها بالسلطة على كل العالم) فأنهم يسعون الى ابراز قوة سلطتهم من اجل ردع الناس واخافتهم وهي واحدة من قواعد فقههم السياسي التي ارساها ابن تيمية.

انه تعبير عن رغبة راكزة في هذا الفكر بهوس السلطة الذي تجد داعش تعبيره ماثلاً او مسوغاً بالنسبة لهم في تطبيق الشريعة، فهم في الحقيقة حين يسعون الى تطبيق الشريعة انما يسعون الى ممارسة السلطة بنوع من التلذذ السادي. ومايؤكد هذا النزوع المركب في ايديولوجيتهم واشخاصهم هو التنافس الحاد بين هذه الحركات الاصولية وقياداتها على الخلافة المدعاة بينهم وعلى حيازة لقب امير المؤمنين بين كل هذه الحركات الداعية الى تطبيق الشريعة.

فالتنافس بين داعش والقاعدة في مناطق تواجدهما انما يفسره هذا السعي المحموم الى القبض على السلطة من جانب كل منهما، والخلافات غير المضمرة احياناً بينهما انما دافعها هو عدم افلات السلطة عن ايدي المتنافسين عليها في اراضي الدول التي استحوذوا عليها. فالخلافة المدعاة بينهم تمنح اميرهم او خليفتهم من الامتيازات والصلاحيات ما يجعله احرص من صاحب مال على ماله او تاجر على تجارته. وقد برعت داعش في تحويل الخلافة المدعاة والامرة الزائفة الى تجارة رائجة ومربحة في امتهانها جرائم تهريب النفط وتهريب الاثار، وهي واحدة من مآلات داعش التي ستنتهي بها او قد انتهت بها الى ان تتحول الى مافيا من المافيات الدولية الكبرى في التهريب على مستوى قارات واسواق العالم.

لكن المآل الاخر المتوقع لداعش هو دخولها في حرب مسلحة مع تنظيمات اصولية اخرى في المنطقة، تهدف الى الاستمكان المنفرد بالسلطة واخضاع هذه التنظيمات الى سلطتها لاسيما وان الذي يقف خلف كل هذه الصراعات على السلطة هو النفط والآثار وجني المال الحرام، واصل الى النتيجة المنطقية بانه لا خلاف بين من سرق المال العام وداعش فانهما الى ذات المآل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0