لكلٍّ منا مواقف وحكايات لا تُنسى، حصلتْ معه أو استمع لها، ولأنها فريدة من نوعها، لن تغادر الذاكرة إلى الأبد، إحدى هذه الحكايات أتذكّرُها حتى لحظة كتابة هذه السطور، فذلك الوجه المضيء للمعلم الذي دخل علينا الصف لأول مرة، من الوجوه الملائكية بسماحتهِ ولطفه وبشاشتهِ، حتى بدا لي كأنه ملاك هبط من السماء، قامته مشعّة، وملابسه يفوح منها عطر العنبر، وعيناه كأنهما تنتميان إلى عيون الأطفال.

ومع أنَّ درسه له علاقة بالعلوم الصرفة، إلا أنه بدأ معنا بحكاية تربوية من النوع العصيّ على النسيان، فقد خصص درسه الأول الذي بدأهُ معنا لأمور تربوية، أخلاقية، اجتماعية، غرسها في أذهاننا ونفوسنا الظامئة للكلام المفيد، فالطفل كالأرض العطشى التي تنتظر بذور التوجيه السديد، وهكذا بدأ معنا معلمنا في درسه الأول الذي حكى فيه لنا هذه الحكاية:

توجد قرية صغيرة مطمئنة في أحد الأرياف، أهلها طيبون متعاونون، يعيشون بهدوء واطمئنان، مقتنعون بما لديهم من أرواق، يساعد بعضهم بعضا، ولن تنام عائلة جائعة في هذه القرية، حيث هناك من يدور على البيوت، يتفقد أحوال العائلات بيتا بيتا، ولن يناموا حتى يطمئنوا على الجميع.

يعيش أهالي هذه القرية على الزراعة، ويحتاجون المياه، فأراضيهم خصبة، والمياه متوفرة لديهم، كما أن رجالها فلاحون ماهرون، بأجساد مليئة بالصحة والعافية، لذلك كل ما يحتاجه الناس من طعام نباتي وحتى حيواني متوافر، ولا صعوبة في الحصول عليه حتى من قبل الفقراء، ففي الحقيقة نتيجة لتعاون أهالي القرية مع بعضهم، لا يوجد بيت فقير فيها.

الخطر الوحيد الذي يهدد حياة هذه القرية، لا يكمن في سلطان ظالم، أو في مجرمين يهددون حياة الناس الهادئة، إنه السد الكبير العالي الذي يمنع تدفق مياه النهر العريض عليهم، فحينما يكون المطر غزيرا، والسيول قوية، تبدأ المخاطر الجدية تتهدد مصير هذه القرية وأهلها الطيبين، لذلك شيَّدوا هذا السد على طول جرف النهر المحاذي للقرية، وكانوا يتفقدونه جيل بعد جيل، ويجرون عليه الصيانة التي تضمن قوته ومتانته، كي لا تتعرض القرية وبيوتها وأراضيها الزراعية لسيول الفيضانات الجارفة.

في أحد أيام موسم ذوبان الثلوج، وتدفق السيول، وازدياد منسوب المياه في السد، خرج أحد الفلاحين في وقت العصر لكي يسقي زرعهُ، وكانت المسافة بين بيته وأرضه بعيدة، وصل إلى أرضه، وأكمل عملية السقي، واطمئن على زرعهِ، بعد ذلك عاد إلى بيته بعد أن ساد الظلام، وهدأت البساتين، وخيَّم الصمت على كلّ شيء.

طريق الفلاح إلى بيته بعيد، والظلام الدامس أخّرَ من سرعة عودته، في لحظات الصمت والظلام، بدأ الفلاح العائد إلى بيته يسمع صوت مياه تتدفق بهدوء من مكان ما في السد، ركّز على مصدر الصوت، لم يكن يرى الأشياء بوضوح بسبب كثافة الظلام، ولأنه عاصر أكثر من فيضان دمّر قريتهُ، عرف بخبرته أن صوت الماء يدل على وجود خرق ما في السد.

توقَّف في مكانه، وركّز سمعه، وقرر أن لا يواصل سيره إلى البيت، فلابد له أن يعرف مصدر صوت الماء وسببه، بدأ يسير نحو السد، حيث مكان صوت تدفّق الماء، اقترب كثيرا من المكان، ولاحظ حدوث ثقب صغير في السد، بحجم إصبعين أو ثلاثة من أصابع الكفّ، شاهد كيف يتدفق الماء عبر هذا الثقب في السد، وضع أصابع كفه في هذا الثقب، وأوقف تدفق الماء، وعرف بخبرته المتراكم، بأنه إذا واصل سيره إلى بيته وترك الثقب، فإنه سوف يتوسع مع مرور الوقت، وحينها يتهاوى السد وتهجم سيول المياه على بيوت القرية وبساتينها، ويتعرض الجميع إلى خطر ماحق.

بقيت أصابع الفلاح في الثقب، توقّفت المياه، لكن لا أحد يسعفه في هذا الوقت من الليل، لقد توقّف الماء فعلا، لكنّ يده بدأت تعاني الجهاد، بل جسده كّله، فماذا يفعل الآن، سواد الليل يحيط بها، ولا سلوى له سوى الوصول إلى شروق الشمس التي بات حلما بعيد المنال، مضت الدقائق ثقيلة عليه، وأصابعه تغلق ثقب السد، وجسده يعاني من تزايد الإنهاك والتعب، انتصف الليل وتعاقبت ساعاته خلف بعضها، وأصابع الفلاح تؤدي دور حماية القرية من السيول الجارفة، شعر بأنه غير قادر على مواصلة الكفاح.

في هذه الأثناء كانت زوجته تدور على الجيران وتخبرهم بأن زوجها لم يعد، وتخشى من مكروه تعرض له، هبّ عدد من رجال القرية وتوجّهوا في عمق البساتين، نحو أرض الفلاح كي يعثروا عليه، وبعد ساعة أو أكثر وجدوه بالقرب من السدّ، ويده تمتد في الجدار، وأصابعه لا تزال ملتصقة في الثقب....

أخبرهم الفلاح بما جرى، أحدهم أخذ مكانه، وطلبوا منه الذهاب إلى البيت رفقة عدد منهم، فيما بقي آخرون يتناوبون على غلق الثقب، وحي أشرق الصباح، عالجوا هذه المشكلة الخطيرة، وتم إنقاذ القرية وأهلها من سيول مدمّرة.

انتهت حكاية المعلم، التي لا تزال كلماتها ترنّ في رأسي، إنها درس لنا جميعا، فحين نتعاون، ونتعامل بمسؤولية مع المخاطر التي تتهدَّد حياتنا، فإننا حتما سوف نعيش حياة آمنة مستقرة متوازنة.

اضف تعليق