توصَف لبنان بأنها بلد الإبداع والثقافة، فمثلا توجد فيها دور نشر عربية تعد الأهم في العواصم العربية، وازدهرت فيها النشاطات الثقافية المشهودة، وخرج منها أدباء، شعراء محدثون وأدباء يكتبون في مختلف الأجناس الأدبية، منهم على سبيل المثال الشاعر (نزار قباني) والناثرة (غادة السمان)، وهناك دلائل عديدة تسمح لنا أن نمنح هذا البلد صفة الاهتمام بالفكر والثقافة، حتى وُصفت بيروت بأنها عروس الحرية، وهو وصف يذكّرنا بمقولة شهيرة تقول (مصر تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ)، في إشارة قاطعة إلى حرية الرأي والفكر والنشر.

العراق من جهته بلد الحضارة، وحاضنة لأهم الأنشطة الثقافية العربية على مرّ العصور، منه خرج المتنبي قبل أكثر من 1000 سنة، وأعقبهُ بعد قرون شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري والسيّاب والباحث الاجتماعي الشهير علي الوردي، وهذه القامات الثقافية الأدبية والفكرية الشاهقة، تؤكد الهوية الثقافية المتميزة للعراق، فما حصيلة هذا الإرث وما وقْعهُ على الحاضر السياسي والاجتماعي وحتى الثقافي على البلدين العراق ولبنان؟

نبدأ بالعراق، هل تم استثمار إرثه الثقافي الفكري الأدبي بما ينهض بدولة قادرة على الانتماء للعصر، وتستحق أن نطلق عليها دولة حامية للحريات والحقوق؟، الإجابة ستأتي بالنفي في حالة أن نكون واقعيين ونبتعد عن العاطفة والشعارات المنفعلة، وإذا حصرنا كلامنا بالخمسين سنة الماضية من عمر العراق، فإننا سنكون أمام مرحلة دموية لحقبة الأنظمة الجمهورية العسكرية والدكتاتورية، وبعد إزاحة الدكتاتورية بدأت ديمقراطية عرجاء، لا تزال حتى اللحظة أي بعد مرور ما يقرب من عقدين غير قادرة على بناء دولة العدالة والحريات.

في لبنان لم تشفع الثقافة ولا الفكر حيث بدأت فيه حرب أهلية متعددة الأوجه، واستمرت من عام 1975 إلى عام 1990، وأسفرت عن مقتل ما يقدر بـ 120 ألف شخص. في عام 2012، كان ما يقرب من 000 76 شخص لا يزالون مشردين داخل لبنان. كان هناك أيضا نزوح لما يقرب من مليون شخص من لبنان نتيجة لهذه الحرب الأهلية المدمِّرة.

هذا الواقع المشوّه الذي أولدتهُ الحرب الأهلية ألحق أضرارا بالغة بالسلم الأهلي، وقصم ظهر المشتركات الثقافية والاجتماعية للمجتمع اللبناني بطوائفه العديدة، ليتحوّل نظامهم السياسي إلى المحاصصة بعد فقدان الثقة، وهذا النظام لم يورث البلد سوى الفساد والتدهور الاقتصادي وتزايد أعداد الفقراء ليصل الأمر بالحكومة اللبنانية إلى عجزها عن رفع النفايات وإبعادها عن جمال لبنان المشهود!

الثقة تزيد من تلاحم مكونات المجتمع

إذاً نقطة التشابه الأقرب بين البلدين العراق ولبنان، هو تبلور نظام سياسي محاصصاتي، قُبِلَ من الجميع بعد انفصام عرى الوثوق والتداخل بين مكونات المجتمع، أخذت الطبقة السياسية في البلدين تعزف على أوتار الطائفية، ونجحت في ذلك، مما أتاح لها أن تجعل من ثروات وخيرات البلدين أشبه بالكعكة، وراحت تتقاسمها وفق نظام حصصي يشمل المناصب العليا والحساسة والخاصة وصولا إلى أدنى الوظائف في أدنى الدوائر الرسمية التي صارت نهبا للمحسوبية والحزبية والرشوة والواسطة، فصارت حكرا على أصحاب النفوذ من الساسة.

في كلا البلدين تكونت طبقة سياسية شابها الفساد، وانتعش فيها نظام بيروقراطي معطّل للتقدم ومساعد على التخلف والجهل الذي أسهم بدوره في تصاعد التطرف والكراهية والنزعات الثأرية، لينعكس ذلك على السياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم والصحة وسواها، وساعد ذلك على نشوء طبقة من الفاسدين، أطلِقَ عليهم برؤوس أو حيتان الفساد، وهم غالبا يرتبطون بالكتل السياسية والأحزاب ومحميين من العقاب القضائي أو سواه، وهذا ما أدى بالنتيجة إلى غياب العدالة الاجتماعية، ووصول نسب الفقر إلى مستويات مخيفة، وهناك بيانات رسمية في البلدين تؤكد هذه الحقيقة.

ما ذُكِرَ في أعلاه تمخّض عن جفوة وفجوة هائلة بين الشعب العراقي واللبناني من جهة، وبين حكومتيهما من جهة ثانية، دفع بالشعبين إلى حالة الاحتجاج والتظاهر، تعبير عن الرفض الجماهيري للطبقة السياسية الحاكمة في كلا البلدين، فخرجت مؤخرا تظاهرات عارمة في العراق اجتاحت بغداد وعددا من محافظات الوسط والجنوب، وشاب هذه المظاهرات حالات مؤسفة ما كان يجب أن تحدث في بلد تقول حكومته بأنها ديمقراطية تختلف عن الأنظمة الدكتاتورية البائدة.

وقد أظهرت البيانات الرسمية استشهاد أكثر من مئة متظاهر معظمهم من الشباب، ومن بينهم من القوات الأمنية أيضا، فضلا عن أكثر من 6000 آلاف جريح غصّت بهم مستشفيات العاصمة والمحافظات، ومع أن الحكومة العراقية أطلقت عدة حُزَم إصلاحية، إلا أنها لا تزال شبه عاجزة عن امتصاص النقمة الشعبية.

الشيء نفسه حدث في لبنان، حيث انطلقت مظاهرات عارمة في بيروت وبعض المدن اللبنانية المختلفة، بعد أن بلغ السيل الزبى كما يُقال، فقد بلت الرداءة الاقتصادية ذروتها، وباتت العاطلة في لبنان في أعلى درجاتها، وانتشر الفقر، وتدهور الاقتصاد إلى أدنى مستوياته، فلم يبق أمام الجماهير اللبنانية سوى أن تقول كلمتها الفصل بعد أن يئست من حكامها.

الفجوة الطبقية وتباين الدخل الفردي

هناك حالات من التقارب والتشابه بين الأسباب التي قادت إلى المشهديْن الاحتجاجيين في العراق ولبنان، فما هي أوجه التشابه والاختلاف؟

من أهم أوجه التشابه مثلما يراه المراقبون يكمن في طبيعة النظام السياسي، وفي توزيع المغانم والسلطة والمناصب والدرجات الخاصة بين الكتل والأحزاب السياسية.

الفجوة الكبيرة في الدخل الفردي، فهناك من يبلغ دخله آلاف الدولارات شهريا، فيما النسبة الغالبة من طبقة الفقراء قد يكون دخلهم دولارات لا تكفي لسدّ الرمق والعلاج الطبي غير المؤمَّن.

ضعف القانون وعدم تطبيقه على أصحاب النفوذ والسلطة ليصبح الفقراء والبسطاء وحدهم هدفا للتطبيق القانوني الصارم.

عزل الكفاءات ومحاربتها كونها تشكل خطرا على الجهلاء من أعضاء الأحزاب والكتل السياسية التي استأثرت بالمناصب والأموال دونما رادع.

أما بخصوص أوجه التشابه بين المظاهرات نفسها، فهي تحمل سمة المليونية الشعبية العابرة للطوائف، توحّد الأهداف وتمددها من المطلبية إلى السياسية، وتقارب الشعارات الجامعة بين المتظاهرين.

هناك حالات اختلاف أيضا بين المشهدين، وأولها حالة العنف، في العراق كانت التظاهرات أكثر حدّة وأشد عنفا، وقوبلت من القوات الأمنية بقوة مفرطة أدت إلى إزهاق أرواح عشرات المتظاهرين وجرح الآلاف، الأمر الذي أدى إلى حالة احتقان حتى داخل المنظومة السياسية نفسها، في لبنان بحسب المصادر الرسمية فقد ستة متظاهرين أرواحهم مع عدد من الجرحى، ولم يكن العنف هو السائد، فضلا عن أن الجيش كان حامياً للمتظاهرين وليس العكس.

وقد تكمن نقطة اختلاف مهمة أخرى بين المشهدين الاحتجاجيين العراقي واللبناني، وربما تكون الأهم، حيث أعلن سعد الحريري رئيس وزراء لبنان مجموعة من القرارات الإصلاحية التي لم ترضِ الجماهير المحتجّة، ومن بينها تخفيض رواتب (الطبقة الحاكمة، رئيس الدولة، رئيس الوزراء، و الوزراء، وجميع نواب البرلمان) إلى النصف، أي تم تخفيض رواتبهم بنسبة 50%، في حين خَلَت قرارات الإصلاح التي أعلنها رئيس وزراء العراق من أي تخفيض لرواتب المسؤولين، وهذا ما أُخذَ عليه وعلى الطبقة الحاكمة التي لم تكن شجاعة بدرجة كافية حتى تتخلى عن نصف رواتبها للفقراء.

في الخلاصة ليس هناك تطابقا تاما بين العراق ولبنان في مشهد الاحتجاجات، ولكن أشرنا إلى بعض أوجه التشابه، وهنالك درس مهم يجب أن يغتنمه قادة العراق يتعلّق بنظرة دول العالم إلى النظام السياسي العراقي باعتباره ينتمي إلى الديمقراطية، وأن سقف الحرية الذي حصل عليه العراقيون، لا ينبغي أن يكون ضحية لسياسات كتل وأحزاب لا يهمها سوى مصالحها، ولعل جرس الإنذار الأخطر للنظام السياسي العراقي يتمثل بإخراجه من عضوية حقوق الإنسان على المستوى الدولي، وهو ما يُنذر بعواقب لا يسلم منها جميع العراقيين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0