لا شيء ينقذ الإنسان، فرداً كان أو مجتمعاً، من براثن الجهل والتخلف سوى التقدم، والأخير لا يمكن أن يتحقق فعليا من دون إطلاق المبادرات بمختلف أنواعها، ولكن يتم ذلك في إطار إستراتيجيات يتم حبكها وإنجازها من قِبَل عقول وخبرات تخصصية، تمهّد الأرضية المناسبة لإطلاق المبادرة ووضع اللمسات والخطوات المؤدية لنجاحها.

فهل التقدم قرين الفكر المتجدد الحيوي، أم هناك ما يدعمه وينقله من حيّز الكلمات والأفكار إلى عمل ومنجَز ملموس؟، إنها المبادرة التي تعني في اللغة حالة السبْق إلى اقتراح أمرٍ أو تحقيقه، وقد تطور مفهوم المبادرة خلال السنوات الأخيرة، فأصبحت هي فكرة وخطة عمل تُطرح لمعالجة قضايا المجتمع وتتحول إلى مشاريع تنموية قصيرة وبعيدة المدى، وتصدر عادة عن المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والجمعيات الخيرية والتطوعية، وقد يقف أفراد متميزون وراء المبادرات الناجحة، وربما يكون ميدانها الاقتصاد كما هو الحال مع البنغالي محمد يونس الحائزة على جائزة نوبل.

في مجتمعنا العراقي هناك عزوف عن المبادرات على المستوى الحكومي والمدني، الفردي والجماعي، نحن بصرح العبارة نجيد الكلام ونطرح الأفكار لكننا نفتقر لروح المبادرة، وقد انعكست هذه الحالة على أفراد المجتمع، فضعفت لديهم روح المبادرة، مما تسبب في مكوث الناس في منطقة غير متحركة، يحاصرها الجمود، وتذهب نحو الاجترار، وتفضل الاستهلاك على النتاج، مما تسبب في خلق أجواء ريعية خطيرة طبعت سلوك الأفراد وتفكيرهم، وساعدت على عبودية الفرد للدولة، فجعل حاضره ومستقبله محكوما بما يربطه بالدولة كالوظيفة أو الخدمات أو سواها.

هذا الواقع العراقي المرير، لا يجب أن يستمر، وطالما أن الطبقة السياسية والمسؤولين لا يعنيهم هذا الأمر، فكما هو واضح أن ما يعنيهم مصالحهم الضيقة قصيرة الأمد، وضمان امتيازات آنية ينعمون بها هو وذووهم، ما يضع على عاتق الخبرات والكفاءات الفردية مسؤولية إنقاذ الواقع العراقي مما يحيط به من جمود وتدهور، من خلال إطلاق مبادرات فردية خصوصا في المجال الاقتصادي.

تطبيق النموذج البنغالي في العراق

هل يمكن أن ينجح الفرد في إطلاق مبادرات في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو سواهما؟، بالطبع هذا أمر ممكن، وهناك أمثلة يمكن أن نستقيها من واقع مجتمعات ودول أخرى، كان الجهل والتخلف يتغلغل فيها حدّ النخاع، كما هو الحال في العراق، نحن بالطبع بحاجة إلى الإطلاع على المبادرات الفردية الناجحة، حتى تكون حافزا لنا، وحتى تكسر حاجز اليأس بيننا وبين إطلاق المبادرات القادرة على إنقاذ العراقيين من جمود وخمود لا يزال يهيمن عليهم، بسبب بقاء المبادرات الحكومية والرسمية حبراً على ورق.

وعندما يعجز أصحاب المسؤولية عن إنقاذ المجتمع لأسباب كثيرة، نعرفها جميعا، فالمسؤولية أصبحت اليوم على عاتق الأفراد المتميزين من ذوي العقول الخلاقة، والإرادات الفعالة القادرة على نقل الكلام والفكر من حالته المجردة إلى عالمٍ مجسَّدٍ مادّيا وفعليا، هل نحتاج إلى أمثلة قريبة في إطار تغيير الواقع العراقي من الجمود والخمول والكسل والتهرّب من المسؤولية، إلى التصدّي الفعلي وإطلاق المبادرات بروح التحدي والإنجاز؟

المثال الأقرب والأكثر تميّزا ونجاحا، يتجسَد في شخصية الاقتصادي البنغالي محمد يونس، أستاذ الاقتصاد السابق في جامعة شيتاجونج إحدى الجامعات الكبرى في بنغلاديش، ومؤسس بنك غرامين والحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2006.

ولد محمد يونس عام 1940 في مدينة شيتاجونج، التي كانت تعتبر في ذلك الوقت مركزًا تجاريا لمنطقة البنغال الشرقي في شمال شرق الهند، كان والده يعمل صائغًا في المدينة، وهو ما جعله يعيش في سعة من أمره فدفع أبناءه دفعًا إلى بلوغ أعلى المستويات التعليمية، غير أن الأثر الأكبر في حياة يونس كان لأمه "صفية خاتون" التي ما كانت ترد سائلاً فقيرًا يقف ببابهم، والتي تعلّم منها أن الإنسان لا بد أن تكون له رسالة في الحياة.

في عام 1965 حصل على منحة من مؤسسة فولبرايت لدراسة الدكتوراه في جامعة فاندربيلت بولاية تينيسي الأمريكية، وفي فترة تواجده بالبعثة نشبت حرب تحرير بنغلاديش (باكستان الشرقية سابقا) واستقلالها عن باكستان (أو باكستان الغربية في ذلك الوقت)، وقد أخذ يونس من البداية موقف المساند لبلاده بنغلاديش في الغربة، وكان ضمن الحركة الطلابية البنغالية المؤيدة للاستقلال، التي كان لها دور بارز في تحقيق ذلك في النهاية. وبعد مشاركته في تلك الحركة عاد إلى بنغلاديش المستقلة حديثا في عام 1972 ليصبح رئيسًا لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج، وكان أهالي بنغلاديش يعانون ظروفًا معيشية صعبة، وجاء عام 1974 لتتفاقم معاناة الناس بحدوث مجاعة قُتل فيها ما يقرب من مليون ونصف المليون.

ما هو مشروع القروض متناهية الصِغَر؟

إننا نقدم هنا تفاصيل حياة هذا النموذج المبادِر كي نعرف أن روح المبادرة لا تنفصل عن طبيعة شخصية الإنسان، وبسبب تفاقم أوضاع الفقراء في بلاده بنغلادش، مضى يحاول إقناع البنك المركزي أو البنوك التجارية بوضع نظام لإقراض الفقراء بدون ضمانات، وهو ما دعا رجال البنوك للسخرية منه ومن أفكاره، زاعمين أن الفقراء ليسوا أهلا للإقراض.

لكنه صمم على أن الفقراء جديرون بالاقتراض، واستطاع بعد ذلك إنشاء بنك جرامين في عام 1979 في بنغلاديش، لإقراض الفقراء بنظام (القروض متناهية الصغر) التي تساعدهم على القيام بأعمال بسيطة تدر عليهم دخلا معقولا، وفي أواخر الثمانينيات، بدأ غرامين بالتنويع من خلال إحضار أحواض الصيد غير المستغلة ومضخات الري مثل الآبار الأنبوبية العميقة. وفي عام 1989، بدأت هذه المصالح المتنوعة بالمتزايد في منظمات مستقلة، حيث تحول مشروع مصائد الأسماك إلى (مؤسسة جرامين لمصايد الأسماك)، وتحول مشروع الري إلى (مؤسسة جرامين الزراعية). ومن ثم طور مبادرة غرامين إلى مجموعة متعددة الأوجه للمشاريع الربحية وغير الربحية، بما في ذلك المشاريع الكبرى مثل غرامين تراست وصندوق غرامين، فضلاً عن غرامين تليكوم التي تملك حصة في جرامينفون، وتعتبر أكبر شركة للهاتف الخاص في بنغلاديش..

ونتيجة لروح المبادرة التي يتحلى بها محمد يونس، ونجاح مبادرته في مشروع القروض متناهية الصغر للفقراء، حصل على جائزة نوبل للسلام سنة 2006، مناصفةً مع بنك غرامين، لما بذلوه من جهود لخلق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وذكرت لجنة نوبل النرويجية خلال تكريمه: "لقد أظهر محمد يونس نفسه ليكون الزعيم الذي نجح في ترجمة الرؤى إلى إجراءات عملية لصالح الملايين من الناس، وليس فقط في بنغلاديش، ولكن أيضا في العديد من البلدان الأخرى. قد تكون القروض للفقراء دون أي ضمان مالي تبدو فكرة مستحيلة. لكن منذ بدايات متواضعة قبل ثلاثة عقود، ومن خلال بنك غرامين قبل كل شيء، جعل محمد يونس من القروض الصغيرة أداة أكثر أهمية من أي وقت مضى في الكفاح ضد الفقر."

وكان محمد يونس أول بنغالي يحصل على جائزة نوبل. وبعد تلقي نبأ الجائزة الهامة، أعلن محمد يونس أنه سيستخدم جزءا من نصيبه من الجائزة (1,400,000 دولار) لإنشاء شركة لتقديم تكلفة منخفضة للمواد الغذائية للفقراء، في حين أن بقية الجائزة ستذهب لإقامة مستشفى العيون للفقراء في بنغلاديش.

هذا هو النموذج المبادِر الذي أنقذت أفكاره ومبادرته الملايين من فقراء شعبه، ولم تقف مبادرته عند حدود بلاده بنغلادش، بل عبرت الحدود إلى فقراء العالم، وأثّرت في إطلاق مبادرات مثيلة، أثبتت أن الفرد قادر على أن يبادر وينجح فيما لو تحققت له الروح الإنسانية والإرادة القوية.

في العراق اليوم يكاد يخلو واقعنا من مبادرات تنظّم حياة الناس، وتغرس فيهم روح الأمل وتحثّهم على مغادرة اليأس الذي يغلّف حياتهم، وما النموذج البنغالي الذي ورد في أعلاه سوى دليل قاطع يجب أن يدفع بنا إلى التفكير جدّيا بإنقاذ أنفسنا، من خلال الإيمان بأننا قادرون على المبادرة لصنع التقدم في مجال الاقتصاد أو غيره، بشرط تهيئة الأرضية والإصرار على تطبيقها، واستبعاد الفشل الذي قد يكون عقبة كبيرة بوجه المبادرات قبل أن تولَد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0