من العيوب التي لازمتني طويلا، هو تجوالي في أول ساعات النهار بشوارع وساحات المدينة، كأنني أريد أن أكتشفها كلَّ يوم، أحيانا أشاهد ما يسرّ النفس ويملأ القلب حبورا، وأحيانا أُصاب بصدمة قاسية من رؤية مشاهد تفوق قدرتي على احتمالها، فأعيش ساعات ذلك النهار مقهورا غاضبا وحزينا بسبب رؤيتي لمشهد لا ينبغي أن يحدث في بلد غني كبلدي.

هذا الصباح خرجتُ مبكرا، بلا هدفٍ محدّد سوى اكتشاف مدينتي، شوارعها، أحيائها، ساحاتها، مولاتها ومحالِّها، ومناطقها الغنية، والفقيرة، هذا التجوال فيه نوع من المخاطرة، فأما يمنحني معنويات عالية وآمال عريضة بالحاضر والمستقبل، أو أنه يجعلني منكسرا كيتيم فقد آخر ما تبقى له من أمل في الحياة.

من بين ما شاهدته عيناي اليوم، مَطْمَر كبير للقمامة، لا أعرف كيف قادتي سيارتي إليه، في الحقيقة لم أكن أنوي الذهاب نحوه، ولكن فجأة وجدت نفسي بين موجات هائلة من الروائح الكريهة والمزعجة، تطلّعتُ يمينا وشمالا فعرفت إنني في مكبّ كبير للنفايات.

ماذا يمكن أن تشاهد في مكان كهذا؟ في الحقيقة توقعتُ أن أرى كلّ شيء إلا ما رأتهُ عيناي كحقيقة لا تقبل التكذيب، رأيتُ سرباً من الأطفال في عمر الورود يتجولون بين النفايات (وليس في مدينة ألعاب أو حديقة ترفيه)، ينبشون أكوام القمامة، يلتقطون أشياءً لا قيمة لها، لكنهم يتسابقون إليها في جريّ سريع وتنافس قد يصل حد العراك أحيانا، سألتُ أحدهم ماذا تجمعون؟، لم يردّ لكنهُ تحت إلحاحي وتكرار السؤال مكث بالقرب مني وقال: نحن وعوائلنا نعيش من هذه النفايات!!. قلتُ له: هل أنت مضطّر لدرجة أنك تعيش من المزابل؟، فأجاب بقسوة: أفضل ممن يخدع الناس!، وأضاف قائلا: الكبار والصغار في هذا اليوم يخدعون بعضهم.

هذه الإجابة الغامضة للطفل تذكرتها اليوم وأنا أتوجّه إلى كلية الفلسفة، كنت على موعد مع صديقين يدرسان الفلسفة، كي نقضي بعض الوقت في نادي الجامعة، ونخرج نتسكع في باب المعظم والميدان وشارع الرشيد، لننتهي أخيرا في اتحاد الأدباء، قبل أن اصل باب الجامعة بقليل فاجأتني لوحة من الخزف أو مادة النورة، لا أتذكر بالضبط، كان نصفها الأعلى مهشما، أما النصف الأسفل فكان سليما، وبدت لي لوحة جميلة وأنيقة، إلى جانبها كان يقف طفل ابيض جميل، بدت دموعه تجري فوق خديه، ويطلق نحيبا مسموعا، توقفتُ عند اللوحة، حاولت اجمع شظاياها، ثم طلبت من الطفل أن يكف عن البكاء، قلت له: كم ثمن اللوحة؟. قال: سبعة آلاف...

طلبت منه أن يساعدني في جمع القطع الصغيرة للوحة والمتناثرة على الإسفلت، وضعت النصف السليم في كيس نايلون مع الشظايا وسلمته ثمن اللوحة المهشمة، وأخرجت ورقة (كلينكس) بيضاء ومسحت دموعه وطبعتُ قبلة على جبينه، وطلبت منه أن يكف عن البكاء، حملتُ اللوحة في الكيس وواصلت سيري إلى الجامعة، ابتعدتُ عن الطفل خطوات، أدرتُ رأسي إليه، وجدتهُ مسمّراً في مكانه، ينظر إليّ، وفي فمه سؤال، أو يرغب بكلام ما، خاطبتهُ من بعيد: هل تريد أن تقول لي شيئا؟ لم يجبْني لكنهُ ظلّ واقفا في مكانه.

تركته وشأنه، دخلتُ بوابة الجامعة، وصلتُ كلية الفلسفة، التقيتُ الصديقين، لاحظا الكيس ونصف اللوحة المهشمة والشظايا، كان النادي يموج بأجساد كثيرة، طالبات وطلاب، ضجيج عال، علب العصير الفارغة كثيرة، دخان السجائر يتصاعد دوائر تلتف حول بعضها، كان وجه الطفل صاحب اللوحة، ورغبته بالكلام والسؤال، تسكنني، بعد ساعة سألني أحد الصديقين: ما هذه؟ قلت: لوحة مهشمة. ضحك فجأة وقال: هل خدعوك؟ لم افهم ماذا كان يعني بالضبط، كنتُ أفكر بالطفل، وأسأل نفسي (لماذا لم أتِحْ له فرصة كافية كي يفصح عن رغبته بالكلام) ...

خرجنا من الجامعة، ثلاثتنا، أنا احمل كيس اللوحة المهشمة، وهما يحملان حافظتين للكتب، عدنا من الطريق نفسه، رأيت الطفل، يجلس وحيدا دونما لوحة أو صديق، كنا نسير من الجانب الآخر للشارع، لم يتنبّه الطفل لي، كانت تقاسيم وجهه المعبّأة بالتساؤل واضحة لي، كان بصره يتدفق نحو باب الجامعة، كأنه بانتظار شخص ما، لم اعرف من هو إلى الآن...

ربما كان ينتظرني كي أنقذه من طريقة كسب رزقه بأسلوب الخداع، تذكّرتُ موقف طفل القمامة حين قال لي (أعمل في المزابل أفضل من أن أخدع الناس)، هكذا نحن الكبار (وأعني المسؤولين)، أجبرنا أطفالنا أما يعملون في نبش المزابل والذل، وأما يخدعون الناس كما خدعني طفل اللوحة المهشّمة، تُرى هل هذه أخطاء الأطفال؟، أم أخطاء الكبار الذين تخلّوا عنهم وتركوهم للمجهول، فتحوّلوا غصبا عنهم إلى العمل في مكبّات القمامة، أو خداع الناس بأسلوب طفل اللوحة المهشمة، بالطبع هي أخطاء الكبار، الآباء، الحكام، الأثرياء (وقفوهم إنهم مسؤلون/ قرآن كريم)...

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0