كتب علماء الاجتماع الكثير من البحوث والكتب والدراسات، وتم استنباط ووضع نظريات علمية تخص الاجتماع، جلّ تلك الكتابات بحثت في شخصية الإنسان وطبيعة ميوله، وما يكره وما يسعى إليه، هناك دوافع غريزية وأخرى تتحرك في مدار آخر، تنتجها ردود الأفعال تجاه الآخرين، كتصادم المصالح والبحث عن التفوق والاكتناز والفوز، وغير ذلك من الدوافع. في مجتمعنا العراقي تم تأشير خاصية (إهمال الواجب) في مقابل التنصّل عن المسؤولية، وهي صفة غير محمودة، تؤدي في الغالب إلى تعثر الفرد والمجتمع في الوصول إلى مراتب عليا من التقدم.

ومما جاء في كتابات المختصين حول معنى الواجب، فهو مصطلح يحمل معناه الالتزام الأخلاقي، أو التعهد والالتزام لشخص ما بشيء ما، وينبغي أن يتحقق الالتزام الأخلاقي في التصرفات، فهو ليس مسالة شعور غير فعال أو مجرد تقدير، ولكن عندما يدرك الشخص ما هو واجب عليه فعله، فهو يسعى لتحقيقه دون النظر لمصلحته الشخصية، وهذا لا يعني أن العيش بأسلوب "الواجب" يحول دون التمتع بحياة الرفاهية، ولكن يستلزم الوفاء به غالباً بعض التضحيات المباشرة بالمصلحة الشخصية، وعادة ما ترتبط مطالب العدالة والشرف والسمعة بمعنى الواجب ارتباطًا عميقًا.

من ناحيته ناقش شيشرون، وهو فيلسوف قديم، معنى الواجب حيث يشير إلى أن الالتزامات تأتي من أربعة مصادر مختلفة:

- كونك إنسان.

- مكانة الفرد ومنصبه في الحياة.

- شخصية الفرد.

- التوقعات الأخلاقية بالنسبة للفرد نفسه.

القطب الآخر في المعادلة، أي ما يقابل الواجب هو الحق، وهو تطلّع مشروع للجميع، لكن في حال تمّ التمسك بالحق، وإهمال الواجب فإن المعادلة سوف يصيبها الاختلال، وهذا سينعكس سلبا على الفرد، ومن مجموع الأفراد سينعكس بشمولية أكبر ليطول المجتمع كله، فما هو الحق؟

متى ندرك معادلة الحق والواجب؟

جاء في اللغة حول الحق بأنه الثابت الذي لا يسوَّغ إنكاره، وفي اصطلاح أهل المعاني هو الحكم المطابق للواقع، ويُطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب، باعتبار اشتمالها على ذلك، ويقابله الباطل، أما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة، ويقابله الكذب، وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع، وفي الصدق من جانب الحكم، فمعنى صدق الحكم مطابقة للواقع، ومعنى حقيقته مطابقة الواقع إياه.

هل يدرك الفرد العراقي حالة الاختلال التي تصيب معادلة (الالتزام مقابل الحق)، وهل يفهم ما هي التداعيات التي تنتج عن ذلك؟، ربما لا يدري من يهمل واجبه ويتشبث بواجبه بأن يساعد على تدمير القيم التي تحكم حركة الأفراد، وأنشطة المجتمع، فالتوازن بين كفتّيّ الحق/ الواجب، مسألة تتوقف عليها نتائج كثيرة، وهي غاية في الأهمية، كلها بالنتيجة تنعكس على واقع الفرد والمجتمع.

ماذا يحدث إذا أهمل الإنسان واجباته وتشبث في المقابل بحقوقه، قد لا يعلم من ينتهج هذا النهج بأنه الخاسر على المدى البعيد، فمن يتهرّب من واجباته سوف يكسب الراحة، وقد يحصل على أموال فائضة لا يستحقها، وربما يفوز بمزايا عينية ومعنوية أخرى كالجاه والنفوذ وما شابه، لكنه على المدى البعيد سوف يلمس خسائر فادحة يتعرض لها شخصيا وتصيب عائلتهُ الأصغر (الأسرة)، لتطول في مراحل لاحقة عائلته الأكبر (المجتمع).

تخيَّل نفسكَ تأخذ فقط ولا تعطي قط، وتخيّل في الكفّة الأخرى أن هناك إنسان لا يشبهك مطلقا، فهو من النوع الذي يعطي ولا يأخذ، هذا التوصيف ينطبق على الفارق بين إنسان يلتزم بواجباته ولا يحصل على حقوقه، وبين إنسان يحصل على حقوقه دون أن يلتزم بواجباته، ماذا يمكن أن يفرز واقع كهذا، إنه الظلم بعينه، وعدم العدالة المطلقة، في واقع كهذا ما هي النتائج التي تتمخض عن هذا الاختلال الناتج عن لا مساواة تامة فيما يقوم به الأفراد في المجتمع.

في العراق هل يوجد مثل هذا الاختلال بين الترابط بين الواجب والحق، يجيب علماء الاجتماع، أن لبّ المشكلة العراقية تكمن في هذا النوع من الاختلال، فهناك مواطنون يطالبون بحقوقهم المدنية وغيرها، وحق العيش بسلام ورفاهية، وحق التعبير والحريات الأخرى، كل هذه الحقوق ينبغي أن تكون مكفولة للمواطن، وهي ليست منّه من الحكومة أو غيرها، ولكن في المقابل هل التزم المواطن المطالب بحقوقه بالواجبات الملقاة على عاتقه؟، حين نشرع في البحث الميداني عن النتيجة الدقيقة لهذا السؤال سوف نصل إلى التالي:

أداء المسؤولية بوّابة الحقوق!

هناك مواطن يريد كل شيء ولا يقدم أي شيء، أو في أحسن الأحوال يقدّم النزر اليسير من الواجبات المطلوبة منه، هل يوجد مثال ينطبق على هذا التوصيف، المواطن العراقي (ليس من باب التعميم)، يتقاعس عن مسؤولياته مثالا في محاسبة المسؤول، إنه يريد أن يتحقق له دون أن يقدّم أية تضحيات تُذكر، كما أنه مصرّ على عدم توعية عقله والارتفاع بمستواه الفكري، وهنالك المواطن الذي لا يشعر بحقوق غيره، ويتمسك بحقوقه إلى أبعد الحدود.

هذا التناقض الصارخ بين التشبث بالحقوق والتنكّر للواجبات إلى ماذا يقود الفرد والمجتمع، تخيَّل أنك غير مستعد للحفاظ على حقوق الآخرين، جارك مثلا، أو شريكك في العمل، أو المواطنين الآخرين الذين يتقاسمون معك خيرات البلاد والفرص التي يجب أن تتاح للجميع وفق معايير عادلة، ماذا ستكون النتائج في واقع تضيع فيه الحدود بين الحق والواجب؟

المواطن العراقي إذا أراد أن يحصل على حقوقه، لابد أن يتحمّل واجباته المتَّفق عليها، والمنصوصة قانونيا وشرعيا وعرفيا، هناك قيم ضابطة، هي التي تنظّم العلاقة بين الجميع، في المقدمة منها أن لا تفضّل نفسك على الآخرين بخصوص الفرص والواجب والحق، فما تراه صالحا لك، عليك أن تراه للآخرين بنفس المستوى والصيغة والمعيار، سينتهي ذلك بالجميع إلى نوع من القبول الجامع، والرضا المتبادل، والشعور بالثقة، والتعاون.

إذا تعاون المواطنون على حفظ التوازن بين الحقوق والواجبات، سوف ترضخ الحكومة إلى هذا المعيار، وسوف يصبح هذا المنهج سلوكا جمعيّا يسود المجتمع كلّه وسوف تلتزم به الحكومة وجميع المسؤولين، لكن إذا كان المجتمع نفسه أول المفرطين بمعادلة التوازن بين الحق والواجب، فإن الحكومة سيكون سهلا عليها التنصّل من تطبيق هذه المعادلة، وبالتالي سوف تسود شريعة الغاب.

إنقاذ المجتمع العراقي من الوقع المزري الذي يثقل كاهله اليوم، يكمن في ضبط التوازن بين الحقوق والواجبات، وهو نشاط فردي وجمعي في آن واحد، فلا يجوز للفرد الإخلال بهذه المعادلة، والناتج سيكون مجتمع يحافظ على توازن الحقوق والواجبات، بهذا المنهج الدقيق المعتدل والعادل، ستنصاع الحكومة إلى إنصاف المواطن وسوف تسعى بكل ما تمتلك من إمكانات مادية ومعنوية، أن تنتهج العدالة وتكافؤ الفرص، وتُسهم في بناء دولة ومجتمع يعي واجباته ويؤديها ويفهم حقوقه ويحافظ عليها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0