توجَّهتُ عصراً إلى كليّة الآداب لأزور صديقي الذي يدرس الفلسفة، وأنا في طريقي إليه، رأيت طفلا على رصيف الشارع المؤدي للكلية، كان يبكي بدموع ساخنة وأمامه لوحة فنية من الرخام مهشّمة، أجزاؤها مبعثرة هنا وهناك، فاقتربتُ منهُ وسألتهُ: ما بك، ولماذا تبكي؟، قال: سقطت هذه اللوحة من يدي وتهشّمتْ، ولابد أن أدفع ثمنها لصاحب العمل، وأنا لا أمتلكُ مبلغها. كانت عيناه تذرفان الدمع بحرقة ونبرة بكائه مؤلمة، شعرتُ بهواجس الخوف والألم التي يعاني منها هذا الطفل، تخيَّلتُ لو أنني كنتُ في مكانه، تُرى ماذا سأفعل؟!

سألتُ الطفل: كم ثمن اللوحة؟

أجاب: 15 ألف دينار.

طلبتُ منه أن يكفّ عن البكاء، ومسحتُ دموعه، وأخرجتُ له ثمن اللوحة المهشمة من محفظتي، وقلت له، هدّئ من روعك، لا تبكِ، خذ مبلغ اللوحة وسلّمه إلى رب العمل، ثم طلبتُ منه كيس نايلون وبدأتُ أجمع أجزاء اللوحة المبعثرة، كان الرأس المنحوت من مادة الكلس سليماً تقريبا، وكانت العينان حزينتين، حملتُ اللوحة المهشمة في الكيس، وطلبتُ من الطفل أن يهدأ ويكف عن البكاء، مسح عينيه فعلا وتوقّفت دموعه، وظلّ ينظر لي بامتنان وشكر.

واصلتُ طريقة إلى صديقي في الكلية، تتدلى من يدي أجزاء اللوحة في الكيس، شعرتُ بارتياح كبير، وقبل أن أدخل باب الكلية إلى الداخل، أدرتُ رأسي إلى الوراء، فرأيتُ الطفل لا يزال واقفا في مكانه نفسه، كان ينظر إليّ بصمت، بصره يتوجّه نحوي كأنه لا يرى غيري، وقبل أن أدخل رفعتُ يدي ولوَّحتُ له بالوداع، لم يرفع يده كأنه لم يرَني.

دخلتُ الكلية، بحثتُ عن صديقي الذي يدرس فيها الفلسفة، سألت عنه، فعرفتُ أنه في نادي الكلية، ذهبتُ إلى مكان النادي، دخلتهُ، كان يضجّ بالطلاب والطالبات، ودخان السجائر يعلو نحو السقف في دوائر متصاعدة، وكانت كراسي الموائد البلاستك ممتلئة كلها بالطلبة، بحثتُ في الوجوه، لم أعثر على صديقي، فتركتُ النادي إلى الحديقة الخضراء النديّة المحاذية، وفي لحظة خروجي من الباب دخل صديقي، ألقى تحيته عليَّ، وأخذ بيدي إلى إحدى الموائد، شربنا عصيراً، وشاركَنا المائدة طلابٌ وطالبات، أحدهم سألني: ماذا تحمل في هذا الكيس؟

في هذه اللحظة رفع صديقي الكيس من الأرض، ووضعه على الطاولة ثم فتح الكيس، وفوجئ بأجزاء اللوحة المهشّمة، ثم بدأ يُخرج أشلاء التمثال الكلسي من الكيس، أخرج اليد أولا ووعها فوق الطاولة، ثم الساق وانتهى بالرأس ذي العينين الباكيتين، إحدى الطاليات قالت: إنها لوحة جميلة ولا تستحق أن تتهشّم وتتبعثر أجزاؤها!.

طالب آخر قال: لقد خدعوك، هذه حيلة يستخدمها بعض الأطفال كي يحصلوا على النقود.

وافقه الرأي طالب آخر، اعترضت طالبة وقالت: لم يخدعهُ أحد، أطفالنا غير مخادعين.

قال صديقي: ليس المهم إذا كنتَ مخدوعاً، بل المهم أنّك تصرّفتَ مع الطفل بقلب إنسان كبير.

قلتُ للجميع: أنا ليس حزيناً ولا آسفا لأنني قد أكون تعرّضتُ للخديعة، لكنني حزين لأنّ الكبار علّموا الأطفال الخداع.

قال صديقي: بالنتيجة أنت قمت بعمل صالح سواء تعرّضت للخداع أم لا، المهم أنك فعلت ما هو صحيح، وأظن أن هذا الطفل سيتعلّم من موقفك عدم الخداع.

خرجنا أنا وصديقي من النادي بعد أن حملت كيس اللوحة المهشّمة معي، كنتُ حزينا حقّاً، وشعرت بأسف وألم، وقلت لنفسي، إذا كان الخداع وسيلة لأطفالنا كي يجمعوا المال، فإن الكبار هم من علَّموهم ذلك!.

خرجنا من الكلية بعد ساعة تقريبا، عدنا في نفس الطريق، مشينا على الرصيف المقابل، فوجئت بالطفل نفسه موجودا في مكانه، وأمامه لوحة مهشّمة ويبكي بنفس الطريقة التي فعلها معي، عبرتُ الشارع إليه، سألتهُ: لماذا تبكي؟، فقال بوجهٍ ضجّت فيه ملامح الحزن والغضب والبراءة:

- هذا هو عملي الذي يكلّفني به صاحب المحل، ويعطيني نسبة مما أحصل عليه من اللوحات المهشّمة!!.

الآن أتساءَل، كيف يسمح الإنسان – أي إنسان- لنفسه أن يستغل دموع الأطفال وبراءتهم بهذه الطريقة، ثم ألم يفكّر الكبار بأنهم في مثل هذا السلوك الشائن، يصنعون الآن أطفالا مخادعين قد يمكن السيطرة على أفعالهم، ولكن ماذا سيحدث حين يكبرون وتكبر معهم الخديعة التي سترافقهم طوال حياتهم، فمن (شبَّ على شيء شابَ عليه)، وهكذا على الكبار أن لا يخرّبوا حياة أطفالهم من أجل حفنة نقود ينبغي عليهم أن يحصدوها بالعمل الصحيح المدعوم بالقيم النبيلة، وعلى الكبار (الآباء، الأخوة، الأصدقاء، المعلمين... إلخ) أن لا يغامروا بتخريب قيم الصدق والعمل القويم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0