البحث المعرفي الذي يحاول أن يحققه الإنسان، هو بحث متواصل للحصول على إجابات للكثير من الأسئلة التي تقلق أفكاره وعقله؛ فالإشكالات تواجه الإنسان وتثير قلقه عندما يلج طوفان الأزمات والمشاكل، فيحاول أن يبحث لها عن حلول ومخارج؛ لإعادة الاستقرار إلى حياته وفكره.. وهذا - طبعاً - حال مستمر لا يعرف التوقف، وتبعاً له فإن الباحث عن المعرفة يجب أن يستغرق في العمق التحليلي لبنيويات الأزمة، من أجل أن يحصل على الأجوبة والحلول الحقيقية لإشكالاته وأسئلته، عبر أدوات موضوعية وعقلية متوازنة.

ويوماً بعد يوم تزداد الأسئلة بتزايد الأزمات؛ خصوصاً عندما تخترق هذه الأزمات بنية الأمة، وتحولها إلى فوضى عارمة، وتفرض عليها التشتت والضياع، وقد حاولنا في منهجية تحليلية من البحث العلمي أن نصل إلى مستوى إدراك أسباب وخلفيات الواقع الذي نعيشه، ومن ثم الوصول إلى حلول توافقية معتدلة تعتمد على الاستفادة من التراكمات المتسلسلة لتجارب الأمة من جهة، وتحريك روح الاجتهاد والتغيير والتجديد في أفكارنا وثقافتنا من جهة أخرى.

تبدأ الأزمة من حقيقة إنسانية لا تقبل الشك، وهي محاولة فرد لإلغاء فردٍ آخر، ومحاولة جماعة لتحطيم جماعة ثانية، ومحاولة مجتمعات للسيطرة على مثيلاتها؛ لتقع الشعوب والحضارات في صدام متصاعد قد يقود إلى الحرب والاستنزاف والدمار أحياناً؛ فالإلغاء ليس إلا أزمة طغيانية استبدادية، يخترعها الإنسان، لاحتكار العالم، وتدمير الآخر، في معركة أطماع شهوانية خاسرة.

مشكلة الثقافات المادية، أو التي تسيطر عليها شراهة المادة، أنها تنظر للإنسان الآخر نظرة العدو والمنازع، نظرة سلبية اختزنها التاريخ في قلبه، عبر تراكمات سلبية طويلة من العنف والتعصب والتحزب والانغلاق الفكري؛ لتخلق مولوداً مشوهاً يحترف العنف والحقد والانتقام؛ فالمخالف يصبح متآمراً يستحق الموت، ولا يملك حق الحياة؛ إذ هو عدو يهدّد الأفكار بالانحراف، والمصالح بالضياع.

والانغلاق داخل قواقع متصلدة في زنزانات حديدية، يزيد أمر الأزمة الإنسانية تعقيداً؛ إذ يؤدي إلى التراكم في عوامل الانفجار، ويهدّد بالتحوّل إلى عنصرية بليدة تحتقر العالم بعد جهلها بما يجري فيه من أحداث، وما يتمخّض عنه من أفكار؛ فأصبح العالم عندها هو الوجود الضيق الذي تعيشه وحسب.

وتزداد الآلام عندما يتخذ الإنسان من استبداده وطغيانه وسيلة للظلم وسلب الحقوق؛ ليحيل العالم إلى جحيم يسيطر فيه اليأس والإحباط والشقاء، بعد أن يقضي على روح العدالة والمشاركة التي منحها الله تعالى لجميع البشر.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما يتحوّل الماضي المشرق، والتجارب الغنية التي أطلقتها الرسالة الإسلامية، معلنةً حضارة منيرة في سماء العالم المظلم، إلى شبح يخيم على الأمة بعد أن أُفرغ البعض من قيم الإسلام الجوهرية، وتمسك بالقشور وترك اللباب، فحوّل الدين إلى تشدد وعنف وجهل؛ إذ أصبحت القراءة السطحية لنصوص حيوية قراءة حرفية تأخذ ببعضه وتترك البعض الآخر؛ لتأويل اتجاهاتها المتعصبة ودوافعها الاستبدادية في السيطرة والصدام؛ فأفرغت النصوص من محتواها الحقيقي العميق، بحيث أحدثت سلبيات أولئك انعكاساً سيئاً على الدين حتى في داخل أمتنا.

وبعد أن أفرغت القيم من محتواها الأصيل، وتهمشت الثقافة الصحيحة على أطلال ثقافات الجهل والتشدّد، ازداد وضع الأمة سوءاً؛ فانكمشت اقتصادياً، وتوقف نموها التكاملي، وتشوهت أبنيتها الحيوية، وانقضّ عليها الفقر وضياع الموارد الثمينة وهروب الكفاءات، وغرقت في بحر من التبعية والأسر؛ لتصبح إثر ذلك أسيرة الأقوياء وقراراتهم؛ فكيف يمكن لأمة أضاعت قيمها أن تقف على أرجلها قوية مستقلة.

لا نريد في بحثنا المعرفي المستمر أن نثير اليأس والإحباط، بل هو محاولة بسيطة منا لقراءة الأزمة، والوصول إلى أسبابها، ومن ثم محاولة الوصول إلى تراكمات إيجابية يشارك في صياغتها أهل العلم وحملة القلم، بروح واعية أصيلة متجددة.

ولكي نستطيع أن نبدأ الطريق فلابد أن يبدأ التغيير من الذات، عبر نكران روح التكبر والاستعلاء، والاحتكار الفكري، عبر التواصل مع الاخر وفتح قنوات الحوار لمحاولة فهمه فهما على حقيقته، والوصول معه الى اتفاق مشترك يضمن الحرية والعدالة للجميع؛ وذلك عبر احترام طبيعة التنوع والتعدد التي خلقها الله تعالى وجعلها طريقا لاختبار انسانية الإنسان وتكامله والوصول به إلى غايات الكمال المعنوي؛ ومن ثم يكون معيار تفوق الانسان ليس قوته وماله وجبروته بل كفاءته الذاتية وقوته الاخلاقية والايمانية (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وهذا هو رمز الدخول الى عالم الآخر، وتفهمه والتواصل معه، إذ بذلك يتحقق مفهوم الأخوة الانسانية والايمانية، بتوافق فطري مشترك، وثقة بتعددية طبيعية، والتزام بتنافس فكري وإبداعي عادل.

ومن ثقة الانسان بذاته الايماني والفكري والحضاري، ينطلق ليكون عالميا بعالمية قيمه الدينية المنفتحة، ويكون مصداقا طيباً لروح إسلامية تخاطب جميع البشر؛ فالاسلام هو وطن عالمي في قلوبهم، والمسلم وطنه العالم الذي لا تنتهي جغرافيته بمادة أو بقعة محدودة؛ فالصدر أوسع والفكر أقدر على نشر روح المحبة والتسامح والتعاون.

لقد كان التاريخ الحيوي المستمر بقيمه، والذي كتبه رسول الله (ص) بأخلاقه وصبره وحبه الإنساني، تاريخاً يمدنا بكثير من الرؤى التي تمد المستقبل بالحيوية والفكر الخلاق؛ فقيم الرسالة امتداد حي لأفق أبدي لا ينتهي، عندما يستثمرها الإنسان الواعي المؤمن؛ لبناء حياته بالتعاون مع الآخرين، عبر إدراكه العميق، وفهمه الصحيح، دون الادعاء بامتلاكه للفهم المطلق والتعصب ليقينياته المسلّمة؛ فقيم الإسلام تعلمنا التواضع، والاعتراف بمحدودية العلم؛ والسعي المتواصل للمعرفة والاجتهاد؛ وها هنا يستطيع الانسان بحواره وجدله الايجابي أن يصل الى فهم اجتهادي هو اقرب للواقع؛ إذا اعتمد مشورة الآخرين، واستفاد من عقولهم وتجاربهم.

باعتمادنا على قيم انسانية اسلامية أساسية نصل تدريجيا إلى احتواء بعض أزماتنا، هذه القيم هي دستور اساسي شرعه رسول الله (ص) بأقواله وسيرته؛ فقد جاهد رسول الله من أجل حرية الإنسان ورفع أغلال العبودية التسلطية وأسر الشهوات؛ فالحرية - لي وللاخرين - هي منطلق للاتفاق والوحدة والابداع والتماسك.

واللاعنف رؤية في سلوك انساني؛ يتعلم فيه الإنسان استخدام فكره واستدلاله العقلي، وقوته العلمية والثقافية، وتجنب العنف المادي الذي يفصح عن فقدان منطق العقل والفكر، والعنف المعنوي الذي يجسد ضعف الأفكار وهشاشتها.

وقد علمنا رسول الله (ص) أسس المجتمع السياسي والاجتماعي، عندما طبق مبدأ الأخوة؛ وأقر منهج الكفاءة، وسلك سبيل المشورة واحترام الفكر الآخر، وحول الذات المنفعلة بالسلبيات إلى ذات فاعلة للخير محبة للعلم، متطلعة للتقدم والتجدد.

لنقرأ معا (النبأ) ونستكشف آفاقها المعرفية، وصحة استدلالاتها أو خطئها، وننقد منهجيتها؛ من أجل الوصول إلى أفكار أفضل وأعمق لحل أزماتنا، ندعوكم أن تشاركونا في مهمتنا، وتعاضدونا بأفكاركم، وتصححوا لنا أخطاءنا؛ فنحن نبحث عن المزيد من المعرفة، ونتعلم منكم الأكثر.

* افتتاحية مجلة النبأ-العدد 58- ربيع الأول 1422/حزيران 2001

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5