الإعلام مصطلح يُطلق على أية وسيلة أو تقنية أو منظمة أو مؤسسة تجارية أو أخرى غير ربحية، عامة أو خاصة، رسمية أو غير رسمية، مهمتها نشر الأخبار ونقل المعلومات، إلا أن الإعلام يتناول مهاما متنوعة أخرى، تعدت موضوع نشر الأخبار إلى موضوع الترفيه والتسلية خصوصا بعد الثورة التلفزيونية وانتشارها الواسع، ويطلق اسم وسائل الإعلام على التكنولوجيا التي تقوم بمهمة الإعلام والمؤسسات التي تديرها، كما يُطلق على الأخيرة تعبير السلطة الرابعة للإشارة إلى تأثيرها العميق والواسع.

وللإعلام وظيفة معروفة بالأخص في الدول الديمقراطية حيث تقوم بتوصيل الأخبار المختلفة إلى الجمهور وتسعى لتوجيه الرأي العام بوساطة الصحافة بصفة رئيسة وعبر الوسائل الأخرى، وتقوم من خلال عملها بالنشاط النقدي والرقابة العامة، ومنها نشر الأخبار وإعطاء وتوظيف المعلومات التي يجهلها المتلقي، وتختلف وظائفها في مدى حيادها ومصداقيتها بحيث تنفع الجمهور باستثناء ما يسمى بالإعلام المضلِّل، وهو غالبا ما يكون حكومي أو ناتج عن صراع سياسي.

أما النشاط الإعلامي فهو فئة واسعة النطاق من النشاط الذي يستخدم وسائل الإعلام وتكنولوجيات الاتصال في الحركات السياسية والاجتماعية، وتشمل وسائل النشاط الإعلامي نشر الأخبار على مواقع الإنترنت، وإجراء التحقيقات بالصوت والصورة، ونشر المعلومات حول الاحتجاجات وسواها، وتنظيم الحملات المتعلقة بسياسات الإعلام والاتصالات، ويمكن للنشاط الإعلامي أن يستخدَم في العديد من الأغراض، وكثيرًا ما يستخدم من قبل ناشطين لحركات ذات قاعدة شعبية واسعة لنشر المعلومات التي لا تتوافر عبر وسائل الإعلام الرئيسة لأسباب لها علاقة بالسلطة التي تسعى لحجب المعلومات عن الجمهور.

وعلى العموم هناك تأثير حاسم للإعلام في مجريات الحياة كافة، وتعتمد الدول وحكوماتها على وسائل الإعلام بقوة لدعم سياساتها وترويجها وحشد التأييد الجماهيري لها، والعنصر الأهم في تنفيذ هذه السياسات بشكل ميداني هو الإعلامي الصحفي الذي لولاه لا يمكن لأية مؤسسة أو وسيلة إعلامية أن تحقق أغراضها، وللإعلام رسالة عظيمة في حال لم يكن تابعا أو مظلِّلا، فالإعلام هو المرآة الصادقة التي تعرض للرأي العام ماذا يجري في الخفاء، وتكشف ملفات كثيرة وخطيرة في مقدمتها صفقات الفساد وملفات الاختلاس أو الإدارة الفاشلة.

هذه الوسائل الإعلامية، لا يمكنها أن تعطي نتائج من أي نوع كان، ما لم تكن معتمدة على إعلاميين يطبقون خطتها العملية، ليس هذا فحسب، فالإعلامي الفرد، الصحفي أو غيره، قادر على أن يكون رقماً مؤثرا في بلاده، ومن الممكن أن يكون إعلاميا مؤثرا على مستوى العالم، فهنالك على سبيل المثال صحفيون أحدثوا تقلبات كبرى في سياسات الدول التي ينتمون إليها، وهنالك كتاب أعمدة أمكنهم تغيير سياسات دول حيال دول أخرى، وما سياسة اللوبيات الإعلامية التي تزدهر في أمريكا والغرب إلا نوعا من أنواع الأساليب الإعلامية الضاغطة.

سمات الإعلامي المستقل

ليس هناك أكثر قدرة ونجاحا من الإعلامي المستقل، فمثل هذا النوع من الإعلاميين يعوَّل عليهم في كشف بؤر الفساد في المفاصل الخطيرة والمعقدة، ويمكنهم أن يصلوا إلى الأماكن المظلمة التي تدور في فلكها الصفقات الفاسدة، ومن أفضل الطرق والأساليب في هذا المجال الصحافة الاستقصائية، ولكن هنالك معوقات كبيرة ومعقدة تقف أمام مثل هذا النوع من النشاط الإعلامي والصحفي، علما أن هذا النوع من الإعلاميين والصحفيين ينأى بعمله عن العاطفة، ولا يأسره الانفعال السريع، ولن يكون تحت رحمة القطيع، إنه متوازن ثاقب النظرة والرأي، واثق، ويعرف أين يضع قدمه وهو يمضي في عمله الإعلامي الكاشف للفساد أو سواه، ولكن علينا أن نعالج مشكلة كبيرة يتعرض لها هذا النوع من الإعلاميين سنأتي لاحقا على ذكرها.

في العراق اليوم تغيّر العمل الإعلامي والصحفي كثيرا، في السابق أبان الأنظمة الدكتاتورية ليس أمام الإعلامي فسحة يستطيع من خلالها أن يؤثر أو يغير من واقع الحال، لأن الإعلام كان تابعا بشكل كامل للدولة، ولكن وإن اختلف حال الإعلام اليوم، من حيث مساحة الحرية التي يتحرك فيها، فإنه لا تزال مشكلة التبعية للأحزاب قائمة، أو للحكومة أو المؤسسات الإعلامية التي تتحكم برزقه وآرائه، فالإعلامي اليوم ليس حرا كما ينبغي، ولا يمكنه طرح الأفكار أو نقل الأخبار والمعلومة كما يملي عليه ضميره، إنه محكوم أيضا بضاغطيْن اثنيْن هما:

الضاغط المادي: إن الإعلامي يمكن أن يكون رب أسرة تتكون من فردين فأكثر، تحتاج إلى السكن والتطبيب والتعليم والسفر وما إلى ذلك، وهذا يستوجب مصدرا مناسبا للرزق ومكافأة أو راتبا شهريا مجزيا يمكنه سدّ نفقات الأسرة، وكما هو معروف، أن للأحزاب، صحيفة وقناة فضائية وإذاعة ووسائل إعلامية أخرى تروّج لها، وحين يُطلَ من الإعلامي أن يقوم بدور لا يليق به (مضلِّل، كيدي، تسقيطي) لا يمكنه الرفض لأن مصدر رزق عائلته سيكون مهدَّدا.

الضاغط الأمني: حيث يتعرض الإعلامي المستقل الحيادي المهني إلى التهديد، وربما الضرب، وقد يصل الأمر إلى حد التصفية، وهو ما حدث في العاصمة وكثير من المناطق الأخرى، ليس في العراق وحده وإنما في دول غيره بعضها تدّعى التقدم وتضع حقوق الإنسان عنوانا لها، فالتهديد الأمني يطول حياة الإعلاميين، بغياب شبه تام إنْ لم يكن غيابا تاما للحماية، وهذا الضاغط الأمني ذو الطابع التهديدي يجعل من المستحيل على أي إعلامي مستقل أن يؤدي دوره السليم في الدولة أو تجاه المجتمع.

الخروج من قفص القطاع العام

هل يعني الكلام أعلاه أنه لا يوجد إعلامي نزيه مستقل، وهل من الاستحالة صنع مثل هذا النوع من الإعلاميين في العراق؟، بالطبع نحن نتكلم عن واقع إعلامي موجود ولا سبيل لإنكاره مطلقا، فما هو السبيل إلى صنع منظومة إعلامية تتمتع بالاستقلالية، وهل يمكن حماية الإعلامي الصحفي أو سواه من ضاغط مصدر الرزق، أو الضاغط الأمني الذي يهدد حياته بالفناء أو التحطيم أو الإعاقة؟.

إن الخلاص من الدولة الريعية التي تعتمد النفط ركيزة اقتصادية وحيدة لها، هو أحد الطرق التي تقودنا إلى صناعة إعلام وإعلامي غير متحزّب، مستقل، حرّ، مهني، غير منفعل ولا عاطفي ولا يأسره الرأي القطيعي، كما أن الانتقال إلى الاقتصاد الحر وإعطاء (القطاع الخاص) فرصاً أكثر وأكبر، وتحييد القطاع العام، وعدم ربط النشاط الاقتصادي بالدولة، من العوامل المهمة التي يمكنها صنع منظومة إعلامية مستقلة تتمتع بقوة تأثير هائلة، أما في حال بقاء الدولة ريعية، والاقتصاد رهن المركزية والقطاع العام، ومقدرات الشعب معهودٌ لها بالأحزاب والطبقة السياسية، فإن العبور إلى الإعلام الحر المستقل سوف يبقى من قبيل الأحلام التي لا يمكن تحقيقها في الواقع.

كي يتسنى لنا صناعة إعلام مستقل، سنبقى نقف أمام مهمتين رئيستين:

الأولى: تتعلق بالإعلامي نفسه، وهي مهمة ذاتية تعود إلى الإعلامي شخصيا، فإن أراد أن يكون حرّا مستقلا عليه أن يتسم بالسمات التي سبق ذكرها، إذ ليس من الصحيح أن لا يتسم الإعلامي بالحيادية، والصدق، والمبدئية العالية، فهذا النقص سوف يجعله شخصية انتهازية معروفة في الوسط الإعلامي والحكومي أيضا، بل هو نفسه سوف ينظر إلى نفسه باستصغار ولا يثق بكل ما يقوم به من أنشطة أو ما يطرحه من أفكار وآراء، ولكي تكون إعلاميا ناجحا كن مستقلا ولكن كيف؟.

الثانية: تتعلق بالعوامل والبيئة التي تحيط بالإعلامي، فهل يصح أن تطالب الإعلامي أن يكون مبدئيا في وسط (انتهازي)، وهل تريد منه أن يكون حياديا والصراع السياسي والفساد الاقتصادي على أشدّه، وهل تطالبه بأن يكون أداة كاشفة للفساد، والموت يحوم فوق رأسه وحول بيته وعائلته؟، فإذا أردنا إعلاميا مستقلا، يجب أن نعالج بؤر التهديد المادي والأمني التي تدور حول الإعلامي، وهذا لن يتحقق في ظل بقاء العراق دولة ريعية أحادية المورد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0