صراع طويل عرفه التاريخ البشري بين الكلمة والسيف ساده الدم والموت، صراع بين الحق والباطل كان الأقوياء فيه هم أصحاب الكلمة والعاجزون هم أصحاب السيف، فعندما يعجز الباطل عن مقارعة الكلمة يحمل السيف لإستئصالها ومحوها.

نعم السيف يملك القوة لقتل الأجساد وقطع الرؤوس ولكنه يبقى يائسا ومضمحلا أمام ارتقاء الروح وحياة العقل وخلود العلم والحق.

ويوم يحمل المصلحون كلماتهم لإنارة العقل البشري وإبادة ظلمات الجهل المتراكمة فوق العقول الخامدة يرتجف الطغاة رعبا من جحافل العلم والنور لذلك لا يتوانون في استعمال أي سلاح للفتك بأصحاب الكلمة. (وقديما قال هارون الرشيد عن هشام بن الحكم الذي لا يملك من السلطة والقوة الا كلمة يحارب بها من اجل العدل والخير: هذا حي ويبقى لي ملكي ساعة واحدة فوالله للسان هذا ابلغ في قلوب الناس من مائة ألف سيف).

وتكبر الكلمة وتنضج وتزداد تألقاً كلما انبثقت من المحن والآلام، لأن المحنة لاتقضي على الكلمة أو تدفنها بل تصقلها وتعطيها عمقا إنسانيا عظيما ينساب إلى اعماق القلوب، لذلك يزداد المصلحون حكمة ونضجا إذا دارت عليهم الأيام واصبحوا نهبا للسلطات، يقول الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي رضوان الله تعالى عليه: ان كلمتك قوية فكن واثقا منها يكفيك ان تقول الله.

ومن هنا كانت انطلاقة شهيد الكلمة آية الله السيد حسن الشيرازي في طريق المصلحين الذين يحملون الكلمة ويهاجرون بها مشردين ومطاردين في كل حدب وصوب من اجل تحقيق الدفء الإنساني لذلك العقل الباحث عن السلام والأمن. انطلاقة بدأها قوية عندما حمل لواء الشعر والأدب الهادف الذي يخدم قضايا الشعوب وآلامها، ذلك ان الشهيد يعتقد ان الأدب ليس مجرد أدب مترف يتنزق به التافهون ويتاجر به الانتهازيون ويتشدق به المهَلْوسون، بل الأدب رسالة مقدسة تهدف إلى إيقاظ العقل البشري عبر تصوير المعاني بألفاظ جميلة تدلف إلى القلب بليونة وتسكن هناك بهدوء، يقول الشهيد: ان كلمتك ليست ترفا ولا عبثا وإنما هي حياتية تحاول تطوير سلوك الناس أفرادا ومجتمعات.

ولذلك كتب رضوان الله تعالى عليه الأدب الموجه ليرسم الخطوط العامة في كيفية إيجاد أدب هادف ينصب في إطار الرسالة والتوجيه، ومن ثم إبعاده عن تلك الميوعة والتحلل والعبثية الذي يحاول البعض ان يوجده في ثقافة المجتمع حيث يتحول الأدب إلى مجرد سلعة أو لعبة في أيدي الضائعين والهامشيين ويفقد رسالته الإنسانية في إيجاد الوعي وبناء العقل والحس الإنساني.

وكان الشعر سلاح شهيدنا عندما اخذ يكشف عن زيف ذلك النظام الطاغية الذي يردد شعارات زائفة يهدف من وراءها إلى نشر الشر والحرب وإبادة الجنس البشري. وهنا نعرف عمق فكر الشهيد وقدرته الفذة على قراءة المستقبل وما سيفعله النظام الحاكم بشعبه والشعوب المجاورة من جرائم وحروب فمن ضمن ما قاله:

قالوا السلام شعارنا وشعارهم.....جـــرُّ الحبـــال ومُثلة الأجسام
وتهكمـوا بمحمــــد وكتابـــــــه.....واستهتــــروا بــالله والإسلام
والحاكـــم العرفــي اكبر شاهد.....والمجلس العرفـي خيـر مقام
والطائفية ويلهــا مــــن فتنــة.....عمياء يوقـــظ حقــدها الأقزام

ولكن الكلمة الواعية التي كانت تدوي في سماء العراق بدأوا بخنقها وكان الشهيد أول ضحاياهم وكان عقابهم له شديدا جدا لأنه زعزع كيانهم واربك أفكارهم بحيث فعلوا بجسمه كل ما لا يتصوره العقل، وتفننوا بألوان التعذيب والمُثلة من اجل استعباد روحه وقلبه وفكره، ومن اجل ان يسحقوا كلمته تحت أقدامهم فقد ذاق ألوان التعذيب طوال شهور عديدة تفنن فيها جلادوه بفنون التعذيب حتى تجاوزت الأربعين نوعا، كان منها كوي الظهر والبطن بالمكواة الكهربائية عدة مرات وحرق اللحية بالنار مرتين والتعليق بالمروحة السقفية منكوسا وتشغيلها و.. ولكنه صمد صمود الأبطال وكان يسمو بروحه وان استعبدوا جسده واثقلوه بالقيود والأغلال فبقيت روحه متألقة لا تستشعر الا الخلود والعظمة بل كانت الآلام التي يعانيها تتحول إلى شلال هادر يستجمع قواه ويبني أفكاره من اجل ان يبدأ الجولة التالية ما دامت روحه باقية في جسمه لم ترتحل. يقول الشهيد رضوان الله تعالى عليه: فقد بدأت بكتابة هذا الكتاب (خواطري عن القران) وأنا في سجن وسرت فيه وأنا مسترخ على سرير في غرفة صغيرة…سأسير خلفه متوكلا على الله فهو إمامي وهو المسؤول عني إذا أحسنت اتباعه فهو يملكني اكثر مما املك من نفسي، وسأجلس على مائدته بانتظار ان يفتح الله لي حرفا أو يطردني فهو وليِّ الذي دلّني عليه.

والكلمة هي مفتاح الحرية أو الحرية بذاتها لان العقل الإنساني لا يخضع إذلالاً الا للكلمة نعم يمكن للسيف ان يركِّع الانسان ويسلبه جسده لكنه لايستطيع ان يدخل إلى قلبه أو يستولي على عقله، لذلك كانت رسالة السماء إلى الأرض هي كلمة بناء للحرية شاء الانسان ان يقبلها أو يرفضها: {ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم}، والارتباط بين الخالق والمخلوق ارتباط بالكلمة: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}، يقول الشهيد: كلمات الله تبارك وتعالى كثيرة لأنها مولدات الأشياء أو المادة الأساسية التي تتطور إلى سائر الأشياء فما من شيء الا وقد تطور من كلمة من كلمات الله.

لذلك كان الشهيد يبحث عن الحرية ليس لنفسه فهو حر بروحه وعقله وإيمانه مهما طاردوا جسمه أو كبلوا جسده، بل كان يبحث عن الحرية لأولئك المظلومين الذين استعبدهم الطغاة من اجل إرجاع الإيمان والقوة والثقة بالنفس ومعرفة هذه الحقيقة ان أرواحهم وعقولهم أقوى من العبودية:

(هذه الآيات نزلت على أنبياء الله فآمن بها كل وديع فقير.. فآوته تلك الآيات إلى المرفأ الأعلى وخلقت منه قائدا صلدا.. ويتحدى الهموم ويصارع العواصف ويتغلب عليها ويرفع رأسه فوق تيار الزمن غير مغمور برذاذه ويمضي على الدرب مصباحا منيرا، واكتسحت تلك الآيات كل عتل مستكبر يرفع رأسه وبيده السيف لايحني رأسه للحق وتركته في الفراغ ضبابا حائرا على سراب.. فللمستكبرين داخل أجسامهم الضخمة قلوب هزيلة لم تتمرس بالانطلاق خارج حدودها فلا تبرر وجودها الا بالاستكبار والاستعلاء وللفقراء داخل أجسامهم الضامرة قلوب شامخة أعطت الله عهدا ليجدنها ساعة يدعو وحيث يشاء..).

ومن هنا كان الشهيد قد رفع راية الدفاع عن المظلومين الذين أضنتهم الأيام فتحولت هجرته من العراق إلى انطلاقة جديدة في عالم جديد يحمل معه مسؤوليات كبيرة، كان أولها رفع الشبهات التي عزلت العلويين عن العالم الإسلامي وكسر ذلك الطوق الوهمي الذي فرضته السنون الشديدة، وكان من نتائج جهوده ان أعلن علماء العلويين تشيعهم في بيان يفصح عن انتمائهم إلى الطائفة الإسلامية الجعفرية، وقد أجرت صحيفة الحياة مقابلة مع الشهيد في عددها الصادر 1671973 قال فيها: العلويون هم من جملة شيعة أهل البيت الذين عاشوا في بلاد اشتدت فيها بالماضي وطأة أعداء آل البيت فاضطهدوا وشردوا وتعرضوا للإرهاب والإغراء لكنهم ما انهاروا.

هذه المسؤوليات تكاثرت عندما انطلق الشهيد إلى مجموعة من الأنشطة المكثفة كانت ترتكز على بناء المؤسسات الدينية والتعليمية والخيرية في لبنان وسوريا وأفريقيا فلخصت في وجودها ونتاجها المعاني الإنسانية التي تكوّن شخصية الشهيد وتعبر عن روح الألم العميق الذي كان يسوده عندما يرى ذلك الوضع المتردي للعالم الإسلامي.

ولإيمانه العميق بأهمية الكلمة ودورها في إيقاظ العقل وإثارة دفائنه اخذ الشهيد على عاتقه كتابة موسوعة عظيمة سماها بموسوعة الكلمة: كلمة الله، كلمة الإسلام، كلمة الرسول الأعظم، كلمة الأمام الحسن… يرتل فيها الكلمات الخالدة التي بقيت شامخة على طول التاريخ تغذي الإيمان الإنساني بالحكمة والوعي والاستقامة والصبر، لان الكلمة هي التي تصنع الحضارة والسيف هو الذي يحطمها . ويوم التقى السيف المغولي الجارف في مواجه الحضارة المتآكلة لم يسعف بقايا حضارة الإسلام الا كلمة حملها عالم يدعى نصير الدين الطوسي استطاع ان يُطفئ بريق السيوف بنور العلم الذي خضع له المغول وانهاروا أمامه.

وكما قال ذلك الطاغية بان كلام هذا أحد من مائة ألف سيف فان الطغاة كانوا يرون في كلمات الشهيد مدافع تدك حصونهم الخاوية لذلك كان لابد لهم من اغتيال جسمه وقطع صوته عندما عجزوا عن وقف روحه العظيمة حتى يمكن لهم ان يناموا ولو هنيئة بأمن واطمئنان فاغتالوا جسمه ولكن كلمته بقيت حية تدوي أكثر من قبل فلا ناموا باغتياله ولا ينامون بل بقيت كلمته تسحق مدافع الطغاة وتمزق آذانهم وتلهب ضمائرهم نارا حارقة، وارتقى الشهيد سلم الشهداء فائزا غانما.

نعم ارتحل الشهيد حرا كما عاش حرا وأحب الحرية وتغنى بها وكان مثل الطيور المهاجرة التي تبحث عن بلد ضائع لها تتنفس فيه الحرية، وإذا كانت الكلمة هي سلاحه من اجل حريته وحرية شعبه فانهم اغتالوا الوطن والحرية باغتياله.

نعم أرادوا باغتياله اغتيال الكلمة…!

* مقال نشر في مجلة النبأ العدد (49)

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0