ليس الحل في مقاطعة هذه الظاهرة الجديدة..! أو الانعزال عن العالم لضمان المحافظة على الذات..! وليس الحل كذلك بالمسايرة المطلقة لما يجري من تغييرات والذوبان في مظاهرها وسلوكياتها..!

فالحل الأول وهو المقاطعة يعني المواجهة السلبية ومحاربة كل وسائلها وادواتها واعلان الحرب على وجودها والى عزلة تامة عن الآخرين، وهذا لاشك يعني الرجوع إلى العصر الحجري أو نتحول إلى مقاتل مثل دون كيشوت وهو يقاتل بسيفه الطواحين الهوائية. فالقطيعة يعني ان نخرج من هذا الكوكب ونعلن الحرب على جميع البشر، بالإضافة إلى ان قانون الحياة والاجتماع يعتمد على وجود التكافل البشري والتعاون وتبادل الحاجات خصوصا في هذا العصر الذي تداخلت فيه مصالح الأمم بشكل كبير إلى حد ان القطيعة والعزلة تعني الإضرار بالمصالح القومية.

وقد اثبت الواقع ان القطيعة تؤدي إلى تخلف شديد يقود المجتمع إلى الوراء سنوات طويلة ويؤدي إلى رد فعل عكسي بتحول الأمر إلى ذوبان مطلق وانهيار المنظومات الفكرية والأخلاقية والثقافية. إضافة إلى ان الانعزال سيقود الناس والشباب بالخصوص إلى إقبال سلبي وحرص زائد على الدخول في عالم الممنوع ومحاكاته مما يولد ظواهر سلبية بالأخص إذا اختفى المنطق والاقناع وكانت القناعات مجرد تشدد متحفظ. وقد فشلت معظم الجهات الحكومية في منع أدوات المعلوماتية ومنع اختراق اجواءها فالتقدم العلمي مكن الغرب من توظيف التكنولوجيا لاختراق المجتمعات المحصنة وان يفرض عليها نظمه وثقافته وقيمه. ويؤكد ايف وود بان اكبر قدر من الاستهلاك للثقافة الامريكية يحدث في المناطق التي تشكو من مجاعة في المعلومات الحديثة والثقافة المعاصرة.(1)

إشكاليات في مواجهة التحدي

هناك الكثير من الاشكالات التي تقف في طريق بناء الاستجابات الإيجابية لهذا التحدي ولابد من قراءتها والسعي لرفعها وايجاد البدائل اللازمة لتحقيق التقدم الحضاري واستثمار المعلوماتية كوسيلة اساسية في تحقيق هذا التقدم. فمن ضمن هذه الاشكالات:

1) سيطرة حالة الاستبداد والدكتاتورية على مجمل النشاط وخصوصا النشاط المعرفي والإعلامي في بلادنا حتى اصبح من سمات الأنظمة سياسيا واقتصاديا وثقافيا. ومن طبيعة النظام الاستبدادي هو فرض حالة الأحادية وإلغاء الآخر وفقدان التنوع واستئصال الإبداع والابتكار، اذ انه يستخدم آلته القمعية لفرض أدواته الفكرية والسياسية والحفاظ على سلطته دون أي خدش او نقد. وهذا الإشكال يعني ان المجتمع سوف يكون فاقدا لروح المبادرة والعمل الإيجابي ويكون موقفه في ثورة المعلوماتية مجرد متلقي لما تبثه وسائل المعلوماتية الغربية. وقد يكون هذا الإشكال من العقبات التي نواجهها في الحرب المعلوماتية، اذ نرى ان الإعلام الرسمي للأنظمة الاستبدادية لا يسير في إطار التغيير البناء والحركة الإبداعية بل يقتصر دوره على تمجيد السلطات وتمثيل رأيها، وحينئذ فان معظم المؤسسات الاجتماعية المستقلة التي تحتوي على معظم الناس يصيبها الشلل ويكون دورها سلبيا يحاكي الدور السلبي للأكثرية الصامتة. وهو يعني أيضا عدم وجود المؤسسات التي تبث الوعي بين الناس لمعرفة الوقائع واختيار البدائل.

2) عدم وجود المؤسسات البنيوية والتي تمثل القاعدة الأساسية التي تحتوي أفراد المجتمع في إطار فكري وثقافي منسجم وواع ومدرك للأحداث. ذلك ان وجود الأنظمة الدكتاتورية قد قاد إلى القضاء على هذه المؤسسات فانفصمت عرى المجتمع وعاش الناس بعيدا عن التوجيه والتوعية منفردين ومنعزلين. ومع عدم وجود المؤسسات الفاعلة فان اجيال الأمة تبقى تتغذى - من البث المعلوماتي المفتوح جبرا - ثقافتها وقيمها ونشأتها، لأنه لا توجد مؤسسات بناءة تستوعب هذه الأجيال ثقافيا وتربويا. وغياب هذه المؤسسات يبدو واضحا في غياب الإعلام الفضائي والأرضي المستقل وفي غياب الأحزاب المتعددة وفي غياب الجمعيات الثقافية والتربوية وهو فراغ لازال يفرز آثاره السلبية بشكل كبير.

3) تغييب الآخر هو أحد الاشكالات التي برزت كواقع أخلاقي وسلوكي وفكري أدى إلى تضييع روح المنافسة والتطور وبالتالي إلى القضاء على الآخر بشتى الوسائل الارهابية. فكيف يمكن لنا ان نحتوي الثورة المعلوماتية وتموجاتها والحال أننا لا نستطيع ان نتعامل مع الآخر ونصغي لأفكاره ونستمع لهمساته ومع تغييب الآخر ارتد الناس إلى الأثير الذي يبثه الغرب لعله يجد ضالته ويشبع حاجته ويحلم بحريته. لقد تحولت عملية استبعاد الآخر إلى إرهاب أيديولوجي وطائفي وتحزبي أدى إلى تغييب الأولويات والانشغال بالهامشيات.

4) ضعف الخطاب الثقافي والإعلامي وعدم مجاراته للخطاب المبثوث في العالم، فعندما تسيطر حالة السطحية في التفكير ويترسخ السلوك الاستبدادي ويختفي التسامح والمرونة اتجاه الآخر ويسيطر التشدد على مفاهيم التفكير ومعايير السلوك يصبح الخطاب مجرد كلمات جوفاء يصعب على العقل تقبلها واستيعابها، وفي المقابل فان الناس يرون الخطاب الغربي وقد تنوعت اساليبه وتوسعت افاقه وازدادت أساليبه الابهارية إبهارا فانه لاشك سوف يقبل على الخطاب الغربي ويذوب فيه. وهذا يعني ان نوعية خطابنا هو سبب رئيسي في عدم قدرتنا على مواجهة إعصار المعلوماتية خصوصا عندما تكون من مميزات هذا الخطاب هو استبعاد الآخر وإلغاء أفكار الآخرين ووجودهم. وقد تسبب العنف الخطابي في تنفير الكثير من الناس وابتعادهم وبالتالي اقبالهم على الخطاب الغربي.

5) التشتت والتفكك له دور كبير في تمزيق النسيج الثقافي الإسلامي المشترك، اذ ان الصراعات الداخلية حولت معظم الجهود لحرب داخلية صرفت الأنظار عن الاخطار الحقيقية لهذه الحرب المدمرة في كياننا تقودها مجموعة يحكمها منطق الجهل والتعصب الاعمى ويساعدها على ذلك فقدان وعي الوحدة واخلاقية احترام حقوق الآخرين وعدم فهمها لروح الدين الإسلامي الاصيل. ومع عدم وجود النسيج الثقافي المشترك يصبح من السهل اختراق ثقافاتنا والسيطرة على عقول شبابنا وسلوكهم.

6) سيطرة ثقافة اللهو هو من موارد الضعف التي حولت مجتمعاتنا إلى الاهتمام بالثقافة الهامشية والتفاهات التي يطرحها الاعلام الداخلي المقلد للتفاهات التي يصدرها الغرب لنا لإبعاد مجتمعاتنا عن مسؤولياتها الحقيقية. وقد يكون من أسباب الاهتمام بالتوافه هو عدم وجود الحريات وخوف الناس من الدخول في موضوعات قد تهدد امنهم وسلامتهم.

7) الذوبان في روح الثقافات الغازية هو أحد الاشكالات المثيرة في موضوعنا، فالحقيقة هي ان الكثير من الأفراد قد بهرتهم الحضارة الغربية فآمنوا بها وتدينوا بقيمها وخضعوا لها وهو أمر قد بدأ منذ مدة قرن من الزمان واخذ يشتد بشكل سريع مع تطور أدوات المعرفة المعلوماتية، وهذا الأمر يعبر عن تلك الروح الانهزامية التي تعيش في أعماق وذاكرة الحضارات المغلوبة على امرها التي تحس بعجزها أمام الحضارات القوية. حيث نجد ان تكنولوجيا الصورة الحديثة تخلق حالة من الاستلاب لدى المشاهد وهي دون شك تحمل الكثير من المضامين الاجتماعية والثقافية والأيديولوجية تعمل عملها في سلوك الأفراد والجماعات وخصوصا في المجتمعات التي تعيش فراغات ثقافية أو شعورا بالنقص أمام ثقافة الآخر.(2) وهو أمر خطير يفرز اثارا سلبية على المدى البعيد.

8) انصراف النخب عن الاهتمام المركز بالتحديات الحقيقية وانشغالها بالجدل اللفظي والحوار العقيم وبالتالي عدم أداء دورها في توعية الناس بالأخطار الحقيقية، ولاشك فان المثقفين اليوم يتحملون قسطا كبيرا من المسؤولية في عزوفهم عن طرح المشكلات الحقيقية ومعالجة القضايا الأساسية ويمكن لك بنظرة بسيطة ان تقرأ ما تعالجه النخب في أدبياتها حتى تعرف حجم المشكلة التي نعيشها.

9) فقدان خصوصية الانتاج والنزوع نحو الاستهلاك، فمع تلبد روح القمع وموت الفكر الابداعي وتوقف العقل عن التفكير يصبح الفرد مجرد مستهلك يأكل ويشرب ويتلذذ مع عدم وجود أي قدرة على الانتاج، بوجود قيم الاستهلاك هذه وسيطرتها على سلوك الناس يصبح الناس عبيداً لما تطرحه وسائل المعلوماتية ومطيعة لها طاعة مطلقة.

10) ضعف الاقتصاد وتبعيته، حيث يحتاج استثمار المعلوماتية إلى وجود قدرة اقتصادية كبيرة قادرة على تحمل نفقاتها، ومع ان بلادنا تملك ثروات هائلة فإنها عاجزة عن تحمل هذا الدور وذلك لان الاقتصاد تابع بشكل أساسي للدولة ولا يوجد هناك اقتصاد حر يقف في إطار المؤسسات الاقتصادية المستقلة، وتبعية معظم النظام الاقتصادي إلى آلية الاقتصاد الغربي مما يجعله تابعا ورهنا لتحكمه وسيطرته وبالتالي فقدانه للقدرة على الاستثمار السليم. ومع فقدان البنى الاقتصادية الأساسية وخصوصا المستقلة يصبح من الصعب جدا مجاراة الحرب المعلوماتية.

11) ضعف بنية المؤسسات الإعلامية وعدم كفاءتها بحيث اصبحت غير قادرة على مواجهة اخطار المعلوماتية فهذه المؤسسات تمثل الوجود الرسمي الذي يتقيد بالبيروقراطية إلى ابعد حد مع استبعاد مطلق للإعلام المستقل والشعبي، والحال ان معظم وسائل الإعلام والمعلومات الغربية هي بيد مؤسسات مستقلة لا ترتبط بالدولة وهذا سر قوتها وتحررها.

12) الانفتاح السلبي هو أحد مظاهر وإشكاليات واقعنا المعاصر حيث فتحت الحكومات ابوابها أمام موجات الأثير المبثوث دون وجود بث متوازي يصد تلك الهجمات ويحقق التوازن في عملية إدراك وتلقي المعلومات، والذي حدث، انفتاح سلبي على الخارج دون وجود أي عملية تحصين حقيقية، وانغلاق على الداخل منع وجود أي تحرك شعبي يقود إلى بناء وجود معلوماتي متمكن يستطيع ان يتدارك الاعلام المبثوث والمعلوماتية المتصاعدة.

* مقتطف من مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 52-رمضان 1421/ كانون الاول 2000-تحت عنوان: المعلوماتية وآليات الاستيعاب

..................................
1- النهج، العدد 50، ص 79.
2- المصدر السابق.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0