فشل الحكومات في تقديم برامج واقعية تلبي طموحات الشعب امر طبيعي، لكن تكرار يعد شذوذا عن قاعدة العمل القائلة بان: تكرار نفس الخطأ يمثل كارثة، وبعيدا عن أضواء الاعلام يداهم الفساد كل دول العالم، وحتى اوربا التي تعد انموذجا للنجاح، انجرفت هي الأخرى نحو شاطئ الكارثة بعد تخلي حكوماتها عن تقليب ملفات الفساد التي تُرحّل الى رفوف النسيان.

في الرابع عشر من شهر اب الجاري انهار جسر "موراندي" الواقع بمنطقة صناعية غرب مدينة جنوى الإيطالية، راح ضحيته 43 شخصا، ليتحول الجسر الذي يمثل الشريان الرئيسي "للريفيرا" الإيطالية ولساحل جنوب فرنسا، الى معبر للموت، وعكس الواقع الحقيقي لدولة طالما سيطرت عليها المافيا، ففي عام 2012 قدرت منظمة الشفافية الدولية أن الفساد في إيطاليا يكلف دافعي الضرائب نحو ستين مليار يورو (78 مليار دولار) سنويا، وإزاء ذلك حثت المنظمة الحكومة على إنشاء هيئة مستقلة لمكافحة الفساد، لكن الحكومة لم تتحرك الا في اطار شكلي اعتقلت على اثره بعض المسؤولين.

قد تستطيع دولة مثل إيطاليا عدم الإفصاح عن فشلها سنة او عدة سنوات لكن في النهاية لا بد لقارب الفشل ان يرسو على شاطئ ينكشف فيه امام الجميع، وبالإبحار قريبا من إيطاليا نحو منطقة الشرق الأوسط نجد ان هذه المنطقة التي تعد اهم مخزن للموارد الطبيعية في العالم، هي كذلك لها مركز الصدارة في كسب الثروة بطرق ملتوية لا تتسم بالعدالة في توزيع المال بين الناس.

يتكاثر الفشل في الدولة من خلال التواطؤ بين المسؤولين ومافيات الفساد، فهاتين الفئتين من المتنفذين يبدؤون بتعطيل القوانين عبر فتح باب الاستثناء، وهو الخطوة الأولى نحو تحويل القانون من مظلة تحمي الجميع الى بساط يداس تحت الاقدام وجسر نحو تجميع الثروة وتحقيق المصالح.

انهيار سلطة القانون يصيب النظام الإداري أيضا بمقتل، ويجعل المعاملات الإدارية خاضعة للعلاقات الشخصية، والرشاوى، وبمرور الزمن تتحول هذه الطريقة الى أسلوب للتعامل وتسيير المهام بحجة اختصار الخطوات وابداء بعض التسهيلات لكنها تقتل ما تبقى من روح الإدارة الفعالة.

وما بين سحق سلطة القانون وتحول الإدارة الى صراع ارادات يفقد المواطن روح النقد لواقعه، لان تكرار الفشل يوميا يجعله غير مرئي أصلا، فهو امر معتاد ولا يثير الاهتمام، بل ان الكثير من المواطنين ينجرفون مع التيار، لا سيما وان دفع الرشوة لتسهيل بعض القضايا الإدارية توفر لهم الكثير من الجهد والوقت، وصاحب الحاجة اعمى لا يرى غير قضائها.

في كل دولة تمر بحالة من الفشل القانوني والإداري وانهيار النظام المجتمعي تحتاج الى إعادة تقييم تجربتها، عبر قراءة منحنى التحول من اجل إعادة الأمور الى نصابها، ولا يمكن ان يتحقق ذلك الا عبر اتباع أساليب محددة عبر الاتي:

اولاً: التأكيد على تفعيل سلطة القانون وجعلها هي الركيزة الأساسية في تحديد العلاقات بين الافراد والدولة والعلاقات بين الافراد أنفسهم.

ثانياً: إعادة صياغة النظام الإداري وفق أسس الإدارة الحديثة، والاستفادة من التكنلوجيا الذكية التي صنعها الانسان.

ثالثا: تأهيل المواطن عبر عقد الندوات والبرامج الإعلامية لتكيفه مع الظروف الجديدة واقناعه بضرورة الحفاظ على النظام صونا لحقوقه وحقوق الاخرين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1