ما جرى في الانتخابات النيابية مؤخرا من حملات مقاطعة، دلّت على نكوص وتراجع في فاعلية المجتمع العراقي، وأبعدت عنه صفة المدنية، صحيح أن هذه الحملات التي اتخذت من المقاطعة عنوانا لها، أعلنت حججا وتبريرات معينة لمنهجها هذا، ولكن بالنتيجة تبقى تلك الحجج تدور بدائرة التخلي عن المسؤولية في صناعة النظام الديمقراطي، فالحقائق والشواهد التاريخية تؤكد وتثبت أن الديمقراطية لا يمكن الحصول عليها على طبق من ذهب، أو أن الوصول إليها مفروش بالورود لكل من يريدها نظاما لحياته، بل على العكس من ذلك، لأن المجتمع المدني هو مصدر صناعة الديمقراطية كنظام سياسي وحياتي، والتخلي عن هذه المهمة تعني تفرّد الطبقة السياسية بصياغة شكل النظام الذي يحقق لها مآربها في سلب حقوق الشعب.

لذلك فإن أي تراجع أو انسحاب للمجتمع المدني والتخلي عن مساهمته في الانتخاب والمراقبة ووضع ممثليه موضع المحاسبة، سوف يؤثر على تحقيق النمط الحياتي الديمقراطي، ذلك لأن الآليات الرسمية للديمقراطية تعتمد في شرعيتها وفعاليتها على الانخراط المدني القوي فيها، فجمهور الناخبين الذي لا يكون لديه اهتمام واسع في أفعال ممثليه، والذي لا يشارك في انتخابهم، والذي لا يضعهم في موقع المساءلة، يوفر أرضية غير ملائمة للديمقراطية، وقد يؤدي هذا التراجع في المشاركة الانتخابية أو سواها إلى خسارة فادحة للمجتمع تتمثل في فقدانه فرصة الفوز بنظام ديمقراطي ناجح ينتشله من الأوضاع المتردية في الخدمات أو الثقافة والوعي والصحة والوضع الحقوقي والمعيشي بشكل عام.

إذا فالجمهور مطالَب أن يكون فاعلا بقوة وحاضرا مشاركا السياسيين عبر الانتخاب وتكوين قوى ضاغطة قد تقصي هذا السياسي أو ذاك عن منصبه عبر الانتخاب، بحسب ما يؤديه من أعمال ونشاطات تخدم المجتمع أو تضره، وفي ضوء ذلك أما يحتفظ بمنصبه ومركزه أو أنه يكون مهددا بفقدانه لمستقبله السياسي عبر صناديق الاقتراع، وهكذا سوف يكون درسا لغيره، ولكن إذا امتنع المجتمع المدني عن أداء دوره بفعالية عالية ورغبة بالتجديد والفوز بالديمقراطية، كيف يمكن أن يُزاح السياسي الفاشل من مكانه الذي قد يكون حساسا، وقد يكون جزءاً من نظام كبير فاشل يمكن بإزاحته عبر الانتخاب أن يقل تماسك النظام الفاشل بأكمله.

المجتمع وتشكيل الحياة العامة

لذلك ينبغي أن يكون المواطن واعيا لدوره، ليس في قضية الانتخابات فحسب، وإنما ينبغي أن يكون ناشطا واعيا ممتلكا لمعلومات وأدلة ومهارات عالية تؤهله كي يكون متابعا ومراقبا لممثليه، ولا يجب أن يكتفي بالمشاركة الصحيحة بالاقتراع، ثم يمضي في حال سبيله تاركا لمن صعد على أكتافه من السياسيين أن ينفردوا بالسلطة، وأن يتمتعوا بالامتيازات التي تمنحها لهم بعيدا عن القوى الضاغطة للمجتمع المدني، أما التخلي عن الانتخاب، بحجة إسقاط الشرعية عنهم، فهو تراجع خطير لفعالية المجتمع المدني.

ومن المهم جدا أن لا يقتصر دور المواطن على ركيزة الانتخابات وحدها، أي أنه من غير الصحيح أن ينسحب إلى حالة السبات أو الإهمال أو اللامبالاة بمجرد إعطائه صوته الانتخابي، بل عليه المشاركة الجادة الجماعية الفاعلية ما بعد الانتخابات عبر المنظمات والمؤسسات ومن خلال المشاركة في قيادتها بالانتخاب والتمثيل، أي على الجميع نشر وتعميم أسلوب التمثيل بالانتخاب في إدارة هذه المنظمات حتى المعنية بالصحة أو المنظمات الخيرية وعموم مفاصل المجتمع الخدمية، (فالمجتمع المدني القوي لا يعني فقط أن هناك معدلات عالية من الانخراط في الانتخابات الوطنية والمحلية والمشاركة فيها، وإنما أيضا أن يتخذ أفراد المجتمع دورا إستباقيا في تشكيل الحياة العامة والمساهمة فيها بصورة أوسع)، بمعنى عليك كفرد في مجتمع مدني أن لا تكتفي بدور أوحد هو نشاط الاقتراع، وإنما ما سيأتي بعد ذلك، مهم بنفس درجة أهمية الإقبال على الانتخاب إن لم يكن أكثر أهمية.

لذلك فإن جميع الأنظمة الديمقراطية الناجحة عبر التاريخ، والواقع العالمي الحالي، لم تصنعها المؤسسات السياسية، بل صُنعت بمبادرات وضغوط المجتمع المدني، فغالبا ما يكتفي السياسي بما يرضيه فقط، وقد تكون أهدافه ضئيلة لا ترقى إلى ما يطمح له المجتمع عموما، لذلك تُسهم نشاطات المجتمع المدني والضغوط التي تبدر من تنظيماته الفاعلة مشاريع كبرى كلها تدفع باتجاه تحسين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ماذا أنتجت الثورة الفرنسية؟

يحدث هذا حين تتبلور قوى ضاغطة وفاعلة من المجتمع، لا تترك السياسي منفردا وحده في صياغة القرارات الهامة كما يشاء، وكما يرغب وفق تحقيق مصالحه، بل هنالك قوى ضغط جماهيرية مجتمعية هائلة، هي التي تدفع نحو انبثاق وإنماء وترسيخ النظام الديمقراطي الحيوي، لهذا نلاحظ (إن الأحداث التاريخية الهامة مثل الثورة الفرنسية، وحركة المطالبة بحق التصويت للمرأة في بريطانيا، وحركة الحقوق المدنية الأمريكية، تُظهِر أنّ التحولات الأكثر عمقا في الهيكلية السياسية وعلى الصعيد العام هي غالبا نتيجة لفعلٍ ناشئٍ خارج جدران المؤسسات السياسية ويقودها المجتمع المدني)، أي أن المواطن والمجتمع وقوة مشاركته وفاعليته هي التي تصنع التحولات المهمة في النظام السياسي.

كما أن المجتمع المدني مطالَب بقوة في تطوير أدواته، وزيادة نسبة مشاركته في صناعة القرارات التي هي أصلا تخص الحياة العامة وتطويرها، وهذا لن يكون متاحا، أو سهل التحقق في تُرك الأمر لممثلي الجماهير من دون أن يشعروا بقوى الضغط تتابعهم وتراقبهم وتنشط معهم في ميادين الحياة كافة، الصحية أو الخدمية، وحتى الدراسية عبر إنشاء وتأسيس الاتحادات المدرسية التي تُعنى بشؤون الطلبة، على أن تكون إدارتها بالأسلوب الديمقراطي عبر الانتخابات.

وفي حال أصبح هذا الأسلوب شائعا، وناشطا، ومهيمنا، فإن أسلوب حياة المجتمع كلها سوف تقوم على إرادة المواطن نفسه، وليس على إرادة السلطة أو السياسي، فالأخير إذا أيقن تمام اليقين بقوة المجتمع المدني وتعدد خياراته، وتدخله في صياغة القرار عبر الضغط التنظيمي، والانخراط في الأنشطة الديمقراطية، سوف يحذر كل الحذر من المواطنين، وسوف يحرص كل الحرص على أداء مهني يتحسن ويتطور ويتشذب بفعل المراقبة والمتابعة النشيطة والفاعلة للمجتمع المدني.

في العراق نحن بحاجة إلى مواطن من هذا النوع، فرد واعٍ في مجتمع مدني نشيط حيوي يتدخل في صناعة القرار بصورة غير مباشرة، عبر المتابعة والمراقبة والاحتجاج، ومن ثمة الثواب أو العقاب حين يحين موعد الانتخاب، لذلك نجحت الديمقراطية في أمم ومجتمعات متقدمة اليوم، ليس بأفكار وأفعال وقرارات السياسيين وحدهم، وإنما بفعل قوة المجتمع المدني ونشاطاته وفاعليته التي نحن كعراقيين بأمسّ الحاجة لها اليوم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2