يبدو أن تصاعد التوترات الامنية والسياسية في عالمنا الراهن لما تشهده الدول من صدمات وصراعات مضطردة وعلى المستويات كافة، جعلها تستخدم أخطر أنواع الحروب وبشكل محترف، ألا وهو الحرب النفسية التي باتت السلاح الاوحد للكثير من الدول، لما تحققه من غايات عدة، اهمها اختراق العدو معنويا من الداخل ومحاصرته من الخارج، اذ يمكن عن طريق استخدام اساليب الحرب النفسية اخلق بلبلة وثغرات مؤثرة داخل الخصم تزيد من تصدعاته، وبالتالي تستطيع خلخلة النظام المعادي تمهيداً لاسقاطه، وذلك عبر استخدام الدعاية، الارهاب، الشائعة، الدماغ وغسيل التسميم السياسي.

ولعل الاسلوب الاخير من اكثر اساليب الحرب النفسية تدميرا للنفوس، فهو يستهدف عقول العدو وعواطفه من أجل التأثير في الثوابت التي يؤمن بها، وقد اعتمد هذا الاسلوب منذ منتصف القرن التاسع عشر عند ظهور الدولة القومية في اوربا، ويعد العالم الفرنسي فورد أول من كتب في التسميم السياسي عام 1971، وعرف التسميم السياسي من لدن خبراء الحرب النفسية بأنه عملية غرس قيم دخيلة في منظومة القيم السائدة في المجتمع السياسي، ثم تضخيم تلك القيم العليا، ومن ثم محاولة اضعاف القيم النبيلة والاصيلة المتعارف عليها وجعلها في درجة القيم الفرعية.

إذ تكمن خطورة التسميم السياسي في ما يمتلكه هذا الاسلوب للحرب النفسية من مقومات، تستخدم في توجيه الخطاب الاعلامي نحو الخصم لهز قيمه وثوابته وأصوله والركائز الفكرية والمعنوية والاخلاقية والتربوية التي يعتمد عليها، وذلك بتخطيط من متخصصين في هذا الاسلوب لشل العدو وسلب اردته، وكما حصل في العراق بعد احتلال عام 2003.

إذ استخدمت ابان احتلال العراق وبعد احتلاله اشكال التسميم السياسي كافة، كالتطبيع وذلك بإيهام الشعب بالتحول من حالة العداوة والصراع الى حالة التعايش بانتزاع المقاومة من العقول، وثم انتزاع الاسلحة والاستسلام والقبول بالأمر الواقع، وذلك ما حدث مع الجيش العراقي الذي استسلم من دون مقاومة متوقعة، كون امريكا استخدمت اسلوب التسميم السياسي باحتراف، ومن ثم استخدمت شكل التطويع وهو تغيير مسار الادارة من طريقها الطبيعي والاساس، الى طريق اخر بترويض اشكال المقاومة ويكون هنا بالتوجه من لدن القائم بعملية التسميم السياسي الى النخب والقيادات المثقفة، والتي تؤثر في باقي الجسد الجماهيري، وهو ما يسهل من عملية الاختراق الخارجي، وقد حدث هذا في العراق بعد احتلال 2003 من اطراف عدة اقليما ودوليا.

كما يؤدي التسميم السياسي وظيفة نفسية مدمرة تنخر افراد المجتمع، وتجعل الشخص مغتربا عن بيئته ومجتمعه وثقافته، وتدفعه لاتخاذ الموقف السلبي من كل شيء يحيط به، مما يؤدي الى خلق حالة من الصراع بينه وبين محيطه الاجتماعي والثقافي، وهذا يؤدي الى ضعف في ثقافة المواطنة والمسؤولية الوطنية تجاه البلد.

وهذا قد يؤدي الى تفكيك النسيج الاجتماعي، وذلك بفك أواصر وعناصر الكيان الوطني وبعثرتها بحيث يغدو كل عنصر منها عاجزا عن اداء وظائفه الطبيعية بشكل كامل، وبذلك يكون القائم بالتسميم السياسي وكأنه المنقذ والمخلص الذي لا يبخل بتقديم معوناته وخدماته للجسد المريض بجرعات محسوبة، وفعلا حدث الكثير من هذا في العراق على غرار الاتفاقات الامنية والصفقات السياسية، والتبادل التجاري ولكن ما حصل هو بتر مقومات البنية التحتية في العراق وإعاقتها لكي يبقى العراق مستوردا لك شيء ومن دون تخطيط وادراك وطني.

ومع هذا كله اي بعد عملية التفكيك تتم عملية التبعية الشاملة لجهة التسميم السياسي، ما يجعل من المجتمع بشكل عام تابعا ومنفذا لكل ما يخططه القائم بالعمل النفسي، عبر علمية التسميم السياسي، لذا فانه يعد من أكبر المشكلات العالمية فضلا عن كونه سببا رئيسا لتنامي أعمال الارهاب والمخدرات والمافيات، ولعل صورة التسميم السياسي باتت اليوم اكثر وضوحا في العراق كما اثبتت الوقائع، لذا يحتاج العراق لمنظومة تخطيطية استراتيجية من لدن متخصصين في مكافحة التسميم السياسي، للقيام بالخطط والأعمال والاجراءات اللازمة والإصلاحات المطلوبة، وإعادة بناء المجتمع وترسيخ الثقافة والتثقيف في الشؤون التعليمية والاجتماعية والإدارية والوطنية، لإنقاذ البلاد من براثن التسميم السياسي وتداعياته المستقبلية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0