الجيل الجديد والفعل القرائي


أستعيد شريط القراءة في ذاكرتي، فتتوهج تلك الحماسة الكبيرة للقراءة في داخلي، وكنت أراقب الفعل القرائي في الحدائق العامة، في المقاهي، في سيارات الأجرة، في القطارات، فكانت هناك أعداد كبيرة تواظب على فعل القراءة، وأحيانا كان ركاب السيارة يتناقلون جريدة واحدة فيما بينهم كي يطّلعوا ويقرؤوا في المجالات كافة، الثقافية منها والاجتماعية والسياسية.

باختصار هذه الصورة تكاد تختفي لدى أجيالنا الجديدة من الأطفال والصبية والشبان، وبالطبع هنالك أسباب كثيرة تقف وراء هذا العزوف شبه الجماعي عن القراءة، وعلينا أن نعرف هذه الأسباب، ونبدأ بمعالجتها، حتى يصبح الفعل القرائي شائعا بين الأجيال الجديدة، لأن أهمية القراءة تكاد تضاهي أهمية الغذاء الذي يتناوله الإنسان في تنظيم وترتيب يومي داومتْ عليه البشرية منذ نشوئها والى يومنا هذا، وهذا الاستمرار يقع تحت حاجة الجسد للطعام كي يبقى على قيد الحياة، ولكن هنالك نوع آخر من الغذاء فما هو؟؟.

إنه غذاء الروح، ومنهم من يطلق عليه بـ غذاء العقل، إنه الفعل القرائي تحديدا، فمثلما يجوع الإنسان ويشتهي الطعام ويأخذه كي يستمر بالعيش، فقد يموت العقل ويتحجر إذا لم يتناول غذاءَه الفكري الثقافي أو الأدبي، وكذلك تتعرض الروح لأعراض شبيهة بتلك التي يتعرض لها الجسد عندما يشحّ الطعام، فيصبح الجسد هزيلا ضعيفا ويكف عن الحركة.

ما هو غذاء العقل والروح؟

العقل أيضا سيعاني من هذه الأعراض نفسها إذا لم يطعمهُ صاحبه بغذاء الفعل القرائي، وطالما أننا نتحدث عن الأطفال والصبيان والشباب، حول قضية القراءة، فإن التركيز على هذه الفئات العمرية للمداومة على القراءة، يأتي كحاجة لا يمكن التنازل عنها أو إهمالها، وهذه الحاجة هي (صناعة الإنسان القارئ)، فإذا شبّ الطفل وفتح عينه في بيته على الكتاب، ووجد من يرعاه ويعلّمه ويحثه على قراءة المجلات الصغيرة الخاصة بالأطفال، فإن هذا الفعل التنموي سيرافقه حتى آخر لحظة من حياته.

وهكذا سنكون أمام طفل مثقف، وصبيّ واعٍ، وشاب مدرك لألغاز الحياة، وقادر على التعامل معها بإقدامٍ واحترازٍ متوازن، ومن مجموع أطفالنا وشبابنا، سنحصل على مجتمع مثقف واع ومدرك، وما هذه الشعوب الواعية المتقدمة التي تتصدر العالم كله، إلا نتاج حتمي للفعل القرائي المنتظم.

لهذا ينبغي علينا نحن الكبار، والمنظمات الثقافية وكل من يعمل في مجالات الوعي والتثقيف، علينا جميعا أن ندرك الأهمية القصوى لنشر الفعل القرائي بين هذه الفئات العمرية، ولا يكفي القول أنهم يتلقون العلم والثقافة من خلال المراحل والجهات التعليمية والتربوية، فقد أصبح التعليم آليا تلقينيا، نعم يعطي للطفل أو الصبي أو الشاب جرعات علمية تربوية، ولكنه لا يصقل الشخصية المثقفة، ولا يعطي العقل القدرة على التحليل والاستنتاج ومراكمة الوعي.

فالحقيقة التي لا يمكن أن نتغافل عنها أن الأسلوب التعليمي الشائع في جميع مراحلنا الدراسية، حتى الجامعية منها قائمة على الأسلوب التلقيني، وهذه الطريقة في التعليم لا تجدي نفعا، لذلك يحتاج أطفالنا الصغار والصبيان والشباب الى الفعل القرائي خارج المدرسة أو خارج المناهج الدراسية، وهذا بالضبط ما قمتُ به في صغري وشبابي، فلم تكن الحصص الدراسية التي أحصل عليها في المدرسة، تكفي أو تبعدني عن قراءة الكتب والمجلات الثقافية والفكرية عموما.

ومن فعل القراءة هذا يُصنَع إنسان واع مثقف مدرك، ومن مجموع هؤلاء الأفراد يُصنَع المجتمع الواعي المثقف، لذا علينا أن نصنع الفرص المشجّعة على القراءة، ويبدأ ذلك في البيت، فالأب مطالب بأن يحث أولاده بنين وبنات على القراءة خارج مناهج الدراسة وينبغي مساهمة الأم أيضا في صناعة عقل مفكر محلّل ومستنتِج أيضا، وليس هذا بالأمر الصعب أو المستحيل إذا ما كان هناك إصرار من أولياء الأمور وربات البيوت على صناعة العقل المتميز، علما أن الفائدة لا تنحصر في الشخص الذي يتلقى الرعاية والتصويب، وإنما ستعود الفائدة على الأسرة كلها والأب والأم وعلى المجتمع كله.

مهام الكبار تجاه الأصغر

المدارس أيضا بمراحلها الأولية والعليا، يجب أن تشترك في نشر الفعل القرائي وكل من يهمه الأمر، كما أن الأشخاص أنفسهم (الأطفال، الصِبْية، الشباب) سيحصلون على عقل متميز وشخصية متطورة من خلال الفعل القرائي، ولكن على الكبار وأولياء الأمور والمؤسسات الثقافية والمعرفية، أن تضع سلسلة من المحفّزات لهذه الفئات العمرية التي تشكل القاعدة التنموية البشري الأهم للمجتمع، من توفير الكتب والمجلات لهم، ومنحهم بعض الهدايا المادية والعينية مع كل مطبوع جديد يتناولونه كغذاء للعقل، وكذلك توفير الرحلات الترفيهية لهم، وتعليمهم على اصطحاب الكتاب في حلّهم وترحالهم، واستثمار وقت الفراغ بالقراءة، ومن ثم محاولة فهم وتحليل كل ما يطّلعون عليه من أفكار ومواضيع متنوعة، حتى يكون لدينا عقل حيوي متفاعل ونبيه.

وقد بادر مجموعة من الأشخاص المتنورين على نشر الفعل القرائي، وبدأ ذلك في بغداد، (أنا عراقي أنا أقرأ) وانتقل الى المحافظات الأخرى، وكان مشروعا رائعا حقا، كذلك هنالك من المثقفين (رجال ونساء) يهتمون بصورة رائعة بالأطفال والفئات العمرية الأخرى، ويركّزون على المواهب، ويفيدون من وسائل ومواقع التواصل لكي ينشروا الفعل القرائي بين الأجيال الجديدة، ويسهموا بشكل فعال في صناعة الطفل الواعي المثقف المدرك من خلال تحفيزه على الفعل القرائي.

وفي الخلاصة، نتمنى على الشبان أنفسهم أن يدركوا تمام الإدراك، تلك الفوائد العظيمة التي تمنحها الأفكار للإنسان، فيكون الشباب ذا عقل رصين متطور قادر على مواكبة هذا العصر السريع كالبرق، ومن يكفّ عن الفعل العراقي كمنْ يتوقف عن السير الى الأمام، فالأمر أشبه بسباق بين (العقول) وإذا توقّف أحدهم فإنه يخسر السباق، ويبقى عقله عاجزا عن صنع أسس الحياة الراقية، فالمطلوب من الكبار والمنظمات والمؤسسات المختصة، والجهد الحكومي أيضا، أن يمنحوا نشر وترويج الفعل القرائي ما يستحقه من اهتمام، خصوصا الأطفال، الصِبْية، الشباب، لأننا بذلك سنضمن مجتمعاً واعيا متعلما ذكياً وراقياً.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات النبأ)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك