الحرية تمثل العنصر الأول لصناعة تاريخ المستقبل

الحرية اصل أولي

أباح الخالق تعالى للبشر كل شيء في الحياة إلا استثناءات خاصة تخرج من القاعدة بدليل شرعي خاص، وهذا يعني ان القاعدة الأولية هي حرية الإنسان في الحياة والتفكير والعمل و...، يقول تعالى في كتابه الكريم: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور)الملك15، فالله تعالى هو المنعم والواهب والرازق وهو صاحب الحساب. وفي الحديث: كل شيء لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه. وفي حديث اخر: كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي.

فان هذه الأدلة تدل على ان الأصل الأولي في الإسلام هو الحرية في تصرفات الإنسان وافعاله وسلطانه، يقول الامام الشيرازي في الفقه السياسة: الأصل في الإنسان الحرية في قبال الإنسان الأخر بجميع اقسام الحرية اذ لاوجه لتسلط إنسان على اخر وهو مثله ويدل على اصالة الحرية في الإنسان قول علي أمير المؤمنين (عليه السلام): لاتكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرا. ويضيف سماحته قائلا: كل إنسان حر في خصوصيات العمل من كميته وكيفيته وغير ذلك لان الناس مسلطون على أموالهم وانفسهم، (الفقه السياسة، الإمام الشيرازي، ج2، ص213).

ان الحرية هي حق الإنسان ان يعيش في حياته كريما مختارا بالتعايش مع حريات الآخرين وعدم الأضرار بهم.

الحرية أصل تكويني

لا يمكن معرفة جوهر الإنسان في صورته الواقعية إلا بفهم حقيقته التكوينية وخصائص الخلق والفطرة فيه، لأننا عبر ذلك نكتشف ان الحرية والاختيار هو أساس تكويني في وجوده وحركته وغايته. فالانسان تكوينا مختار وحر والله تعالى خلقه كذلك وهي نعمة منه عزوجل على البشر فميزهم عن باقي المخلوقات بنعمة الحرية والعقل والقدرة على التفكير والاختيار، يقول تعالى في الكتاب الحكيم: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)الاسراء70. فالإنسان فضل بالحرية وغاية خلقه وكماله تتحقق في الحرية ومن هذا الاتجاه تتفرع الأسس التي قامت عليها حياة الإنسان، اما القوانين الكونية فهي إطار ثابت تتحفز فيه مواهب الإنسان وطاقاته الفكرية لاختيار ما هو افضل له وبذلك يتحقق له التكامل التصاعدي.

ويرى صاحب تفسير الميزان: ان الإنسان مختار في الافعال المنتسبة اليه الصادرة عنه باختياره أي انه مطلق العنان بالنسبة إلى الفعل والترك بحسب الفطرة غير مقيد بشيء من الجانبين ولا مغلول وهو المراد بحرية الإنسان تكوينا.

وكما يقول الفلاسفة فان لكل شيء كمالا يتشكل وينمو في إطاره، فالحيوان مثلا كماله في انه مسير بغرائزه ولا يستطيع ان يسير إلا في إطارها ولا يستطيع ان يفكر ويتخير في اتخاذ القرارات بين الفعل والترك. والانسان كماله انه مخير وحر في اتخاذ القرار، وانه قادر على التمييز والادراك بين مقتضيات وظروف الفعل والترك. ومن هنا فان سعادة الإنسان وشقاوته تنبع من هذا الاطار التكويني، فقد وضع الله سعادة الإنسان وشقاءه على أساس الاختيار وعرفهم الطاعة المفضية إلى السعادة والمعصية المؤدية إلى غاية الشقاء.

ان فهم الحقيقة التكوينية يقودنا إلى معرفة حتمية الحرية وان كمال الإنسان وسعادته تدور في فلك هذه الحتمية، لأننا عبر هذا الفهم نعرف كيف نضع الإنسان ونتعامل معه في الاطار الصحيح فلا تنفى حريته ويسلب اختياره ولا يعطى الحرية المطلقة الخارجة عن إطار التكوين والتشريع. ومن هنا فإننا نعرف معنى الحديث المعروف: لا جبر ولا تفويض وانما أمر بين بين. وهذا يفسر حركة الإنسان في الاطر التكوينية التي وضعها تعالى ومن هذه الاطر الحرية والقدرة على الاختيار. يقول تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها) الشمس7

الاهتداء نحو الحرية

إذا كانت الحرية الإنسانية نابعة من أصل التكوين الإنساني فان الهداية الإلهية هي إرشاد الإنسان إلى مكمون هذه الطاقة الكبيرة والى عظمتها. فقد كان الهدف من الهداية هو توضيح الطريق للإنسان ليكون قادرا على فهم مضمون حريته من اجل الوصول إلى كماله المطلوب. والهداية قد تكون تكوينية حيث زرع الله تعالى في أعماق الإنسان معارف وادراكات قطعية قد تسمى بالفطرة أو الوحي، فالإنسان في أعماق ذاته يشعر بوجود الله تعالى ويشعر بحب الخير والفضائل، ويشعر كذلك بمعنى الحرية في فطرته وداخل نفسه ووحي ضميره وانه مسؤول ومدرك لأفعاله لذا فقد يكون معنى الهداية هو الحرية والقدرة على الاختيار.

وقد تكون الهداية تشريعية تهدف إلى إرشاد الإنسان إلى الحرية التكوينية التي فطر عليها عبر الاستفادة من عقله في إدراك وتمييز الحقائق، فهدف الهداية التشريعية يسير في إطار الهداية التكوينية بما تمثله من إرشاد وتوجيه. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا) الانسان3، فالهداية كما في تفسير الميزان تعني هنا: ارائة الطريق دون الإيصال إلى المطلوب، والسبيل هو المؤدي إلى الغاية المطلوبة، والسبيل المهدى اليه الإنسان اختياري وان الشكر والكفر واقعان في مستقر الاختيار للإنسان ان يتلبس بأيهما شاء من غير إكراه واجبار.

ويتوضح هذا المعنى في هذه الآية القرآنية: (الم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين)البلد8. فالهداية التكوينية تعني الحرية والقدرة على الادراك المتعدد والهداية التشريعية هي ارشاد لحرية الإنسان في اختيار طريق الخير دون قسر وإكراه.

* مقتطف من مقال نشر في مجلة النبأ العدد 64 تحت عنوان: الحرية المدخل لحياة أفضل

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6