معرفة عوامل التخلف والتأخر تحظى بأهمية بالغة لدى الشعوب الناهضة على طريق التقدم الحضاري، فكما البناء المشيّد يتطلب من اصحابه معرفة الثغرات التي ربما تقوضه يوماً ما، بدءاً من بنيته التحتية الى الركائز والجدران ثم المواد الانشائية والى آخر القائمة، فان البناء الحضاري يتطلب ايضاً الوقوف عند مسببات الهدم ودراسة احتمالات الانهيار. وكلما كانت هذه الدراسة أشمل وأعمق كانت الديمومة لهذا البناء أضمن.

وفي كتابه "نحو يقظة اسلامية" يشير سماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي – قدس سره- الى ما يصفه بـ "ثالوث التأخر" في بعض الشعوب الاسلامية، والذي من شأنه ان يتحول الى معول هدم ودمار لكل ما يتم تشييده من بناء ثقافي وفكري، وربما حتى بناء مادي، مثل المشاريع التنموية والانتاجية وغيرها.

ففي بعض البلاد تنطلق مشاريع اعلامية مثل اصدار صحف ومجلات واطلاق قنوات فضائية ومواقع على النت، كما تشيد على جانبها مراكز الدراسات والابحاث، وايضاً المكتبات، وتطبع الكتب وتلقى المحاضرات وتقام الندوات، كما تقام مشاريع اجتماعية وانسانية اخرى. كل هذه من المفترض انها ترسم خارطة طريق ثقافية للمجتمع والامة بشكل عام، لتؤتي ثمارها ولو بعد حين. بيد ان الذي يحصل ان بعض الاحيان تصاب هذه المسيرة بخطأ في الرؤية والتقييم فتتخذ بعض القرارات غير الصحيحة وينعكس هذا على مجمل النشاط الموجود في الساحة.

لنلقي نظرة على هذا الثالوث (عوامل الهدم) ثم نرى امكانية التغيير او المعالجة:

الأول: الغرور

انه من الخصال السيئة في المنظومة الاخلاقية، يقاطعها "التواضع"، وتتفرغ من هذه الخصلة سمات وعادات تطبع السلوك وتصنع المواقف على صعيد الفرد والمجتمع وايضاً الجماعات السياسية والثقافية التي ربما تصل في احدى محطاتها الى السلطة والحكم.

وبما أن البعض يغتر بقوته المادية، حيث الارصدة في البنوك وحجم الاستثمارات والوجود المتألق في الاسواق، وربما لحظوته بامتيازات ومكانة اجتماعية او سياسية. فيما نلاحظ البعض الآخر يغتر بقوته المعنوية، فيجد انه ينتمي الى فكر ضارب في الجذور يستند إرث عظيم من الكتاب والسنّة الشريفة، فانه النتيجة تكون احتكار التجسيد للحق مقابل الآخر؛ الباطل...! ولعل من هذه النقطة تنطلق العديد من الازمات والمشاكل الصغير والكبيرة، فعندما لايكون هنالك مجالاً لتبادل الافكار والرؤى وصولاً الى الافضل، يكون التقاطع ثم الصراع والاحتراب.

هذه الحالة المرضية، فتكت بأشخاص، وقوضت مشاريع ضخمة، وألحقت الهزائم المنكرة بدول وحكومات دفع ثمنها الملايين من الناس، لان شخصاً ما رفض التنازل عن شرفة افكاره وقناعاته ورأى انه الافضل والاحسن ولايحق للآخرين مناقشته، واحياناً يظهر اجتهادٌ مفاده انه المناقشة الزائدة – بوجهة نظره- تلحق الضرر بالمبادئ والقيم وتؤخر مسيرة التقدم الذي يتطلع اليه هو شخصياً!

الثاني: العنف

هو الآخر يستمدّ قوته من مبادئ وقيم مقدسة، توفر قدراً من التبرير وربما "الوجوب" اذا كان الامر يتعلق بتطبيق الاحكام – مثلاً- او مواجهة التيارات المنحرفة او معالجة ظواهر معينة وغير ذلك... لذا نلاحظ الحرص الشديد من الرسول الأكرم ومن بعده الامام علي، صلوات الله عليهما، خلال فترة الحكم، على تكريس ثقافة السلم في المنظومة الاخلاقية، وقد بيّن العلماء الفارق والمائز بين السلم كمنهج وسلوك في حياتنا، وبين السلم كاسلوب في التعامل مع الآخر، والمحكوم بضوابط خاصة، فالسلام – مثلاً- شعار مقدس في الاسلام، لكن في مواجهة العدوان المباشر والارهاب وعمليات التصفية الدموية، وايضاً في مواجهة عمليات التضليل الفكري والثقافي، فان الاسلوب يأخذ منحى آخر، يتّسم بالشدّة والحزم، ولا مجال للمسالمة واللين.

ولمن يريد تصفح التاريخ القديم والحديث، يلاحظ الكم الهائل من التجارب والعبر التي تركتها دول وحكومات وجماعات سادت ثم بادت لانها ركبت موجة العنف واتخذتها منهجاً وسلوكاً على طول الخط، الامر أحدث التقاطع المحتوم مع أصل القيم والمبادئ السمحاء التي جاء بها الاسلام وبشّر بها النبي الأكرم والائمة الهداة من بعده. فهم شيدوا وبنوا على اساس من الفضائل والمكارم والقيم الانسانية، وليس على الإكراه والعنف والغلظة، علماً انهم كانوا التجسيد للحق والفضيلة والحبل الممتد بين الارض والسماء. بيد انهم تبنوا المنهج الحضاري الذي يقتضي التغيير الذاتي والبناء المرصوص الذي يشارك فيه جميع الناس انطلاقاً من ايمانهم وقناعاتهم الراسخة، وليس بدافع التهديد بقطع الارزاق والاعناق...!

الثالث: "المنطق" القديم

ولا نقصد به المادة العلمية التي تدرّس في الحوزات، إنما نمط الخطاب الموجه الى الجماهير. ففي سالف الزمان، كان النمط الناجح والمطلوب هو الدعوة الى التوحيد والنبوة والامامة والعدل والمعاد وتكريس اصول العقيدة، ثم نشر المفاهيم الاخلاقية، مثل تبادل التحية والسلام والتزام الصدق والامانة وحسن الجوار والى آخر القائمة... وهو ما أضحى اليوم – الى حدٍ ما- من البديهيات في المجتمع، وإن كانت ثمة حاجة، فهي في اطار التذكير وحسب. أما اليوم فان المطلوب هو الخطاب المتضمن للبناء الاقتصادي، والبحث في سبل توفير فرص العمل والسكن وتقديم الخدمات المناسبة.

هنا يؤشر سماحة الامام الراحل الى نقطة دقيقة في هذا المضمار، وهي غياب هذا الخطاب لدينا، ونحن أحقّ به، والتزام "الجبهات المعادية للاسلام بهذا المبدأ وهم كاذبون... بينما المسلم يجهل كيفية التعامل مع هذا المنطق حتى بمقدار ان يلوح به، او يبين خطوطه العملية، ولذا ينفضّ الناس من حوله".

ان وجود الحق والحقيقة لن يصنع واقعاً ملموساً في الحياة، فثمة من يدّعي الحق والحقيقة لنفسه ولجماعته، فهو يتبع الاساليب الصحيحة في البناء يضمن من خلالها البقاء فترة اطول في الساحة، ليعمل ما يشاء وما تُملي عليه نفسه وقناعاته وما يحقق مصالحه. بينما اهل القيم والمبادئ الاصيلة، هم الاجدر بالبقاء والعطاء، مما يتعين عليهم التفكير مليّاً في عوامل التأخر والتقهقر لتحاشي التورط بها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1