أعاود قراءة مقال كتبته مرة بعد أخرى، كنت أعرف أن المقال يمر تحت المجهر كي يكون خاليا من أي عبارة أو كلمة قد تسيء أو قد يتوهم مسؤول هيئة الرقابة أنها تتعرض للحكومة.

حذفت عدة أسطر.. ثم شطبت أخرى.. بذلت كثيراً من الجهد في كتابة هذا المقال إلا أنني خائف.. ليس لأنها أول تجربة أخوضها في القلم، بل لأن الأعين المراقبة تخيفني.. قضيت سنينا طويلة وأنا أكتب إلا أنني كلما كتبت أكثر، أحاطت بي مزيدٌ من هواجس الخوف من ممحاةٍ بيد هيئة الرقابة والتحقيق، تحذف ما تشاء وتمحو ما ترید، كلما حرّرت المزيد، ازددت احتراساً وتهيّباً وقلقاً حتى أصبحت أقرأ ما أكتب مرات عديدة أحذف في كل مرة بضعة أسطر.. حتى ينتهي المقال إلى ثلث ما سطرته في البداية.

هذا ما يعبر عنه بـ "الرقابة الذاتية" أو "إلغاء الذات"، وهو داء يصيب بعض الكتّاب والمثقفين في البلدان المستبدة، نتيجة لهذا الشعور يقوم الشخص بشطب كثير من علومه، يمتنع من استعراض كثير من أفكاره ورؤاه، خوفاً من الإبادة أو التسقيط؛ وهكذا تُدفن كثير من المواهب وتُمحى كثير من الإستعدادات وقد تُزَيَّف كثيرٌ من الحقائق.

هذا لو أن فرداً اعتراه هذا الشعور، فماذا لو أن مجتمعاً بأكمله أُصيب بهذا الداء؟ ليس في نفسها فقط بل في عظمائها وكبار علمائها؟ هذا يعني أن الأمة تتخلى عن قيمها، تاركة كنوزها الثمينة دفينةً تحت التراب، مستجدية ما عند الآخرين.

وهذا داء أصاب مجتمعنا.. ألغينا الدور العلمي لأئمتنا، ولأصحابهم في أوساطنا، مستجدين الشرق والغرب، مستوهبين علومهم، مستمنحين معارفهم، تاركين النبع الزلال الصافي الذي ينهل علينا من مخزون علمٍ تركوه أهل البيت العلم و معادن الوحي.

ولم يقتصر اهمالنا لهم في الناحية الدينية فقط، بل تمادينا في إلغاء دورهم في كل مناحي الحياة.. حيث أنَّ معارفهم (ع) لا تنحصر في العلوم الدينية فقط، وإنما هناك الكثير من الروايات في شتى أبعاد الحياة كالإقتصاد والسياسة وعلم النفس وعلم الإجتماع والإدارة وغيرها من العلوم الحديثة، كما قال الإمام الباقر عليه السلام شَرِّقَا وَ َرِّبَا لَنْ تَجِدَا عِلْماً صَحِيحاً إِلَّا شَيْئاً يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، إلا أنها تلقُّت الإهمال وعدم الإهتمام.

وها هم الغربيون عرفوا- إلي حد ما- قدر هذا النبع الصافي والمنهل العذب وبدأوا يغوصون في بحار علومهم مستخرجين بعضاً من وفير اللآلئ والدرر الكامنة في أغوار تلك الأبحر الواسعة.. لقد سافر أحدهم إلى الولايات المتحدة، والتي أصبحت اليوم رائدة العلم والحضارة، وحين سُئِلَ عن أغرب ما رآه هناك، أجاب: أغرب ما رأيت هو جامعة كبيرة بُنيت خصيصاً لخوض بحار كلمات المعصومين (ع) والتعمق فيها واستخراج ما فيها من الكنوز.. وبذلك قبضوا زمام القيادة في العالم.

يكفي أننا نغور في بحار علومهم متسلحين بسلاح التأمل.. لنتمكن من استخراج كنوز ثمينة دفينة في بطون كلماتهم، كما قال الإمام الصادق عليه السلام: أَنْتُمْ أَفْقَهُ‏ النَّاسِ‏ مَا عَرَفْتُمْ مَعَانِيَ كَلَامِنَا إِنَّ كَلَامَنَا لَيَنْصَرِفُ عَلَى سَبْعِينَ وَجْهاً.

على سبيل المثال "للإمام آراء علمية جريئة في الفيزياء وغيرها من العلوم لا تختلف أبداً عن النظريات العلمية في عصرنا الحديث، ولو قرأ عالم فيزيائي اليوم نظرية الإمام جعفر الصادق (ع) في موضوع نشأة الكون، يجد أنها تطابق النظريات الفيزيائية الحديثة بشأن نشأة الكون، ولا تختلف عن النظرية العصرية الخاصة بالذرة وأصل الكون، وقد أشار الإمام (ع) إلى وجود قطبين متضادين، وهو ما يماثل القوتين الإيجابية والسلبية داخل الذرة، ومنهما تتألف الذرة نفسها، وتتولد المادة من الذرة.

والإمام هو أول من أشار إلي هذه الحقيقة أنَّ الأرض تدور حول نفسها، وأن تعاقب الليل والنهار ليس سببه حركة الشمس حول الأرض وأن الليل والنهار ناشئان عن حركة الأرض حول نفسها.

وأيضا للإمام كلام في البيئة ولزوم اجتناب تلوّثها حتى لا تشق الحياة له لغيره، وهذا أمر لم يعن العالم له إلا في الآونة الأخيرة.

وللإمام آراء في علم النجوم، منها رأيه في إنقباض العالم وامتداده والذي يؤكده علما الفيزياء والفلك المعاصرين.، هذا غيض من فيض كلماتهم.

وقد ارتشف علماؤنا الكرام على مرّ التاريخ جرعة من ينابيع علومهم في الجانب العقدي والفقهي والأصولي، لكن بقي على الآخرين ممن هم متخصصون في سائر العلوم أن يسبروا غور كلامهم في حقول أخرى، ليسقوا عطشهم من مناهلهم ويملؤوا مواتحهم من حياضهم، فهم عليهم السلام خزنة علم الله، ولو ارتشفنا من نبع علوهم لارتوينا وروينا العالم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1