ولد الإمام الحسن عليه السلام في المدينة المنورة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وجاءت به أمه فاطمة (عليهما السلام) إلى النبي (ص) يوم السابع من مولده في خرقة من حرير الجنة، كان جبرئيل عليه السلام نزل بها إلى النبي (ص)، فسماه حسنا وعق عنه كبشا.

وقد روى الشيخ الطوسي في أماليه: عن علي بن الحسين (ع) ، قال حدثتني أسماء بنت عميس الخثعمية، قالت قبلت جدتك فاطمة بنت رسول الله (ص) بالحسن والحسين (عليهما السلام) قالت فلما ولدت الحسن (ع) جاء النبي (ص) فقال يا أسماء هاتي ابني، قالت: فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها و قال ألم أعهد إليكن ألا تلفوا المولود في خرقة صفراء، و دعا بخرقة بيضاء فلفه فيها، ثم أذن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، و قال لعلي (ع) بِمَ سمّيتَ ابنك هذا؟ قال: ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله.

قال: وأنا ما كنت لأسبق ربي (عز وجل) قال: فهبط جبرئيل. فقال: إن الله (عز وجل) يقرأ عليك السلام، و يقول لك يا محمد، علي منك بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدك، فسم ابنك باسم ابن هارون قال النبي (ص) يا جبرئيل، وما اسم ابن هارون؟ قال جبرئيل: شبر قال و ما شبر قال الحسن قالت أسماء فسماه الحسن.

اوصاف الامام المجتبى(ع)

كان سلام الله عليه أشبه الناس من رأسه إلى صدره بجدّه رسول الله (ص) ولم يكن أحد في زمانه أشبه بالنبي (ص) منه، وكان وجهه الشريف أبيض مشربا حمرة، أدعج العينين بمعني سوادهما مع سعتهما، وسهل الخدين بمعنى ملاسمتهما وعدم حزونتهما، رقيق الوجه، كث اللحية، ذا وفرة كأنَّ عنقه إبريق فضة، عظيم الكراديس (وهما عظمان ألتقيا في المفصل بعيد ما بين المنكبين) وربعة(وهو الرجل المتوسط الذي ليس بالطويل ولا القصير) بخلاف أبيه أمير المؤمنين عليه السلام فإنه إلى القصر أقرب منه إلى الطول.

والحاصل ان الحسن عليه السلام كان مليحا جدا، بل من أحسن الناس وجها، وكان حسن البدن، جعد الشعر، يختصب بالسواد، وانه عليه السلام كان مضرب المثل في الحسن والجمال، حتى قيلت في حسنه روايات كثيرة.

وعن جعفر بن محمد (ع) أن فاطمة (ع) حلقت حسناً وحسيناً يوم سابعهما ووزنت شعرها فتصدقت بوزنه فضة.

لقد عاش الحسن طفولته في أعظم بيوتات التاريخ في ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ...﴾ وبين أعظم وأطهر خلق الله؛ رسول الله (صلّى الله عليه وآل) وعلي (ع) وفاطمة (ع) ثم الحسين (ع) وفي كنف أهل البيت ﴿... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾.

كانت طفولة فريدة نمت و ترعرعت في أجواء الدين وعبق الرسالة في السنوات السبع الأخيرة من حياة رسول الله (ص) حين وطد أركان الدولة الإسلامية داخل الجزيرة العربية وسقطت جميع حصون الشرك والكفر وأمنت الدولة الفتية وثغورها.

عاش الحسن طفولته في ظلال النبوة وهي تتحرك لتعلي كلمة (لا اله إلا اله محمد رسول الله) أولى الكلمات التي تناهت إلى سمعه من فم رسول الله و هو وليد، عاش طفولة غمرها الرسول بفيض من العاطفة والحنان، فالروايات تحدثنا أن الرسول كان يحمله على عاتقه وهو يقول:" اللهم إني أُحبه فأحبَّه ".

وللأسف فالتاريخ لا يحدثنا كثيراً عن الحسن في هذه الفترة ربما لصغر سنه، ولكن الروايات خلدت تلك الكلمات العظيمة التي رسخت حب الحسن في وجدان الأمة وعززت مكانته بين صفوفها :

(الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا).

(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).

(الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا).

(من أحبني فليحبهما و من أبغضهما أبغضني و من أبغضني أبغضه الله و أدخله النار).

إضافة إلى آيات الوحي النازلة في تمجيد أهل البيت عموماً وأصحاب الكساء، فالحسن أحدهم بلا نزاع.

لم تدم هذه الرعاية النبوية الحانية طويلا فلم يبق الحسن مع الرسول سوى سبع سنوات مرت كطيف نسيم لتعصف بقلب الصبي الطاهر أحزان عميقة تتوالى حلقاتها مع وفاة جده، ثم أمه.. و تلك المظالم التي ستصب على أهل البيت (عليهم السلام).

مات الرسول ولما يبلغ الحسن الثامنة، مات رسول الله وهو يتوج حفيده بكلمات شامخة في حقه بأنه وريث هيبته وسؤدده (فقد أتت فاطمة "عليها السلام" بابنيها إلى رسول الله في شكواه الذي توفي فيه فقالت يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئاً فقال: أما حسن فله هيبتي وسؤددي وأما حسين فله جرأتي وجودي).

امتزج حزن الحسن عن جده بحزن أمه الزهراء على أبيها فهي مازالت بعد أبيها معصبة الرأس ناحلة الجسم منهدة الركن باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة.

فضائل الإمام الحسن عليه‌ السلام

أولاً ـ من القرآن الكريم:

أهل البيت عليهم‌ السلام عنوان مضيء في حياة الإنسانية وحركة التاريخ والمسيرة الإسلامية، أراد الله تعالى لهم أن يكونوا أعلام الهدى وقدوة المتّقين ومأوى أفئدة المسلمين، وروّاد الحركة الإصلاحية والتغييرية في المسيرة الإنسانية؛ ولهذا أبدى القرآن الكريم عناية فائقة بذكر دورهم وفضائلهم وسموّ مكانتهم، وفيما يلي نستعرّض جملة من آيات القرآن الكريم التي تطرّقت إلى ذلك لكونها شاملة للإمام الحسن عليه‌ السلام كواحد من أهل البيت عليهم‌السلام.

١-آية التطهير: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )

تظافرت التفاسير والروايات إلى أنّ المقصود بأهل البيت عليهم‌ السلام هم أهل بيت النبي (ص) وهم : رسول الله صلى‌الله ‌عليه ‌وآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم ‌السلام. فقد روي عن أمّ سلمة وبطرق عديدة أنّها قالت:"لمّا نزلت هذه الآية دعا رسول الله (ص) عليّا وفاطمة وحسناً وحسيناً فجلّل عليهم كساءً خيبرياً، فقال: اللهمّ هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً قالت أمّ سلمة :ألست منهم؟ فقال: أنت إلى خير".

وهذه الآية الكريمة تدلّ على عصمة أهل البيت عليهم‌السلام ومنهم الحسن عليه‌ السلام كما ورد في تفسيرها عن رسول الله (ص) حيث قال:"أنا وأهل بيتي مطهّرون من الذنوب" وقال الإمام الحسن عليه‌ السلام في بعض خطبه "وأنا من أهل البيت الذي كان جبرائيل ينزل إلينا، ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً" وآية التطهير تؤكّد العناية والرعاية الإلهيّة الخاصّة والاستثنائية وذلك بإبعادهم عن الزلل والخطأ والإنحراف وهكذا أصبح أهل البيت عليهم‌ السلام الميزان الثابت الذي توزن به الأفكار والعواطف والممارسات، وتقوّم من خلاله الأشخاص والكيانات

٢-آية المودّة :(قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ): أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق ابن جبير عن ابن عباس، قال: " لمّا نزلت هذه الآية... قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت مودّتهم؟ قال: علي وفاطمة وولدها ". وفي رواية أخرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قالوا: "يا رسول الله من هؤلاء الذين نودّهم؟ قال: علي وفاطمة وأبناؤهما".

وعلّق القرطبي على ذلك قائلاً:"وكفى قبحاً بقول من يقول: إنّ التقرّب إلى الله بطاعته ومودّة نبيّه (ص) وأهل بيته منسوخ، وقال: قال النبي (ص): من مات على حبّ آل محمد مات شهيداً، ومن مات على حبّ آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس اليوم من رحمة الله، ومن مات على بغض آل محمد لم يرَ رائحة الجنّة، ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي".

وهذا يوجِّه العقول والقلوب نحو أهل البيت عليهم ‌السلام ويشدّها لهم، ويؤكّد على أنّ أجر الرسالة هو محبّتهم الحقيقية، وهي دعوة للارتباط بهم فكرياً وعاطفياً وسلوكياً.

٣-آية الصلاة:(إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا),سأل جماعة رسول الله (ص): كيف نصلّي عليك؟ قال: "قولوا اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وآل محمد كما صلّيت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد ، والسلام كما قد علمتم".

والصلاة بتلك الكيفية جعلت أهل البيت عليهم‌ السلام مناراً وقدوة للأمّة، فمنهم يتلقّى المسلمون مفاهيم العقيدة وقيم السلوك وموازين التقييم، وهذا التلقّي هو مصداقٌ واقعي للصلاة عليهم؛ لأنّ الصلاة واجبة كما ورد في آراء الكثير من العلماء

٤ -آية آل ياسين: (سَلامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ): ورد في الكثير من التفاسير إنّ المراد من (ياسين) النبي محمد صلى‌ الله‌عليه ‌وآله وورد عنه (ص) أنّه قال:"إنّ الله سمّاني في القرآن بسبعة أسماء, محمّد وأحمد وطه ويس والمزمّل والمدثّر وعبد الله" وتضافرت التفاسير على إن المقصود من (آل ياسين) هم (آل محمد عليهم ‌السلام).

وعن الإمام علي عليه ‌السلام قال:"يس محمد، ونحن آل يس" وهنالك قولان في قراءة آل (يس) مفصولة: الأوّل, إنّه آل هذا النبي المذكور وهو يدخل فيهم, والثاني, إنّهم آل محمد (ص) وهذا السلام الصادر من الله تعالى إلى آل رسول الله (ص) هو توجيه للبشرية نحو دورهم الريادي في حركة التاريخ، وهو توجيه نحو مفاهيمهم وقيمهم وسيرتهم الممتدّة في كلّ زمان ومكان، وهو توجيه للارتباط بهم فكرياً وعاطفياً وسلوكياً.

٥-سورة الإنسان وآية الإطعام: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا).

٦-آية المباهلة: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ).

٧-آية أهل الذكر: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) يقول الحارث: "سألت عليّاً عن هذه الآية، فقال والله إنّا لنحن أهل الذكر، نحن أهل الذكر، نحن أهل العلم، ونحن معدن التأويل والتنزيل".

٨- آية الراسخون في العلم:(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) قال الإمام علي عليه‌ السلام: "أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى".

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الأخرى التي لا مجال في تفصيلها، غير أن ما تقدم منها يبيّن لنا دور الإمام الحسن عليه ‌السلام ومقامه السامي في إمامة وقيادة الإنسانية، فهو الطاهر المطهّر المعصوم كما ورد في آية التطهير، وهو من الذين أمر الله تعالى بحبّهم وطاعتهم وموالاتهم كما في آية المودّة، ومن المشمولين بالصلاة عليهم وتعظيمهم وتبجيلهم، وهو من أهل الذكر، والراسخين في العلم.

وإذا انضمّ هذا إلى ما تقدم عن رسول الله (ص) بحق الحسن عليه‌ السلام علم أنه الإمام القدوة الذي ينبغي الاقتداء بأقواله وأفعاله لأنّه العارف بأسس وقواعد المنهج الإسلامي بجميع أبعاده ومجالاته، والمعصوم الذي لا يميل مع الهوى ولا يتأثّر بالمؤثّرات الضيّقة كالمودّة والشنآن والعصبية؛ فهو على ضوء ذلك يمثل المرجعية الحقّة التي يُرجع إليها في حال اختلاف المعايير واضطراب الموازين في أجواء التشكيك والبلبلة والاضطراب الفكري الذي أثارته بوجه الإمام الحسن عليه‌ السلام الشجرة الملعونة بقيادة زعيم البغاة ابن آكلة الأكباد.

ثانياً ـ من السنّة النبوية :

جاء رسول الله (ص) من أجل إيصال المجتمع الإنساني إلى قمّة التكامل والسموّ والارتقاء؛ بتقرير المنهج الإلهي في واقع الحياة، وجعله الحاكم على تصوّرات الناس ومشاعرهم ومواقفهم، وقد عاش مع المجتمع يدعوه إلى عبادة الله تعالى وإلى إصلاح وتغيير العقول والقلوب والإرادات، ويدعوه إلى الارتباط بالقدوة والأسوة الصالحة، ولذا نجده يوازن بين الدعوة إلى الدين كمفاهيم وقيم وبين الدعوة لمن يمثّل هذا الدين في حركة الواقع، ويأتي تبيانه لفضائل أهل البيت عليهم ‌السلام ضمن هذا التوازن.

وفي هذا المقام فإنّ تبيان فضائل الإمام الحسن عليه‌ السلام لم يكن نابعاً عن الرغبة العاطفية المحضة نتيجة القرابة القريبة، بل هو دعوة للاستمرار في حركة الرسالة وامتدادها في الإمام الحسن عليه‌ السلام الذي جسّدها ويجسّدها في سكناته وحركاته وأقواله وأفعاله فالإمام الحسن عليه‌ السلام هو سيّد شباب أهل الجنّة، كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري قال: "قال رسول الله (ص), الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة".

وقال أيضاً: "من سرّه أن ينظر إلى سيّد شباب أهل الجنّة ، فلينظر إلى الحسن بن علي". وهذا التفضيل العظيم للحسنين عليهما‌ السلام لم يكن على أساس القربى النسبية، بل هو تفضيل رسالي، فهما أفضل من الغير بدرجة قربهم من المفاهيم والقيم الإلهيّة التي جسّدوها ويجسّدونها في أفكارهم وعواطفهم وممارساتهم.

وفي الحديث: "خير رجالكم علي بن أبي طالب، وخير شبابكم الحسن والحسين، وخير نسائكم فاطمة بنت محمد"

وعن جابر قال: " قال رسول الله (ص), إنّ الله عزّ وجل جعل ذريّة كلّ نبي في صلبه، وإنّ الله تعالى جعل ذريّتي في صلب علي بن أبي طالب".

وقال (ص): "الحسن والحسين سبطان من الأسباط".

وقال (ص), "حسن سبط من الأسباط".

والأحاديث الشريفة المتقّدمة والتي تبيّن فضائل الإمام الحسن عليه ‌السلام يراد منها تنبيه المسلمين وتوجيههم للارتباط بأرقى نماذج الشخصية الإنسانية لكي يقتدوا بها ويستسلمون استسلاماً واعياً متعقّلاً لمفاهيمها وقيمها، ولكي يميّزوا بين الحقّ والباطل في معترك الأهواء والصراع والمنافسة بين التيّارات المتصارعة الآنية والمستقبلية، فجعل رسول الله (ص) أهل البيت عليهم ‌السلام المقياس والميزان الذي تقاس وتوزن به المواقف والشخصيّات والتيّارات، فمحاربتهم محاربة لرسول الله (ص) ومسالمتهم مسالمة لرسول الله (ص)

زوجاته

تزوج "ام اسحق" بنت طلحة بن عبيد اللّه, و "حفصة" بنت عبد الرحمن بن ابي بكر, و "هند" بنت سهيل بن عمرو, و "جعدة" بنت الاشعث بن قيس، وهي التي اغراها معاوية بقتله فقتلته بالسم.

ولا نعهد انه اختص من الزوجات على التعاقب باكثر من ثمان أو عشر .. على اختلاف الروايتين .. بما فيهن امهات اولاده.

ونسب الناس اليه زوجات كثيرات، صعدوا في أعدادهن ما شاؤوا .. وخفي عليهم ان زواجه الكثير الذي أشاروا اليه بهذه الاعداد، واشار اليه آخرون بالغمز والانتقاد، لا يعني الزواج الذي يختص به الرجل لمشاركة حياته، وانما كانت حوادث استدعتها ظروف شرعية محضة من شأنها ان يكثر فيها الزواج والطلاق معاً، وذلك هو دليل سمتها الخاصة.

ولا غضاضة في كثرة زواج تقتضيه المناسبات الشرعية، بل هو بالنظر الى ظروف هذه المناسبات دليل قوة الامام في عقيدة الناس كما اشير اليه ولكن المتسرعين الى النقد، جهلوا الحقيقة وجهلوا انهم جاهلون, وإن الروايات التاريخية التي تشير إلى الأعداد الخيالية في زواج الحسن (ع) لا تثبت من حيث الإسناد، وبالتالي لا تصلح ان يعتمد عليها نظراً للشبه والطعون التي حامت حولها.

اولاد الامام الحسن (ع)

أولاد الامام الحسن عليه السلام على ما ذكره الشيخ المفيد فهم خمسة عشر ولدا ذكرا وانثى، فأما الذكور فهم :

1- زيد بن الحسن، وأمه هي ام بشير بنت أبي مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية.

2- الحسن بن الحسن، وأمه خولة بنت منظور الفزارية.

3- عمرو بن الحسن.

4- القاسم بن الحسن.

5- عبد الله بن الحسن.

6- عبد الرحمن بن الحسن.

7- الحسين بن الحسن الملقب بالاثرم، أمه ام اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي.

8- طلحة بن الحسن، أمه ام اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي.

وأما البنات فهن:

أم الحسن، وأم الحسين، وأمهما هي ام بشير بنت أبى مسعود عقبة بن عمرو الخزرجية.

وفاطمة بنت الحسن، وأمها ام اسحاق بنت طلحة.

وأم عبدالله، وفاطمة، وأم سلمة ، ورقية فهن لأمهات شتى.

بعض أحوال أولاده عليه السلام :

أما زيد بن الحسن فكان يلي صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان جليل القد، كريم الطبع، طريف النفس، كثير البر ومدحه الشعراء وقصده الناس من الآفاق لطلب فضله أرجعه عمر بن عبد العزيز على صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله في كتاب قد جاء فيه: أما بعد فان زيد بن الحسن شريف بني هاشم وذوسنهم، فاذا جاءك كتابي هذا فاردد عليه صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وأعنه على ما استعانك عليه, والسلام, ومات زيد بن الحسن وله تسعون سنة .

وأما الحسن بن الحسن فقد حضر مع عمه الحسين عليه السلام يوم الطف فلما قتل الحسين عليه السلام وأسر الباقون من أهله جاءه اسماء بن خارجة فانتزعه من بين الاسارى وقال: والله لا يوصل إلى ابن خولة أبدا، فقال عمر بن سعد: دعوا لابي حسان ابن اخته، ويقال: انه اسر وكان به جراح قد اشفى منه .

وروي ان الحسن بن الحسن عليه السلام خطب إلى عمه الحسين عليه السلام احدى ابنتيه فقال له الحسين عليه السلام: اختريا بني أحبهما اليك! فاستحيى الحسن ولم يحر جوابا، فقال له الحسين عليه السلام: فاني قد اخترت لك ابنتي فاطمة فهى أكثرهما شبها بأمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وقبض الحسن بن الحسن وله خمس وثلاثون سنة رحمه الله.

واما عمرو والقاسم وعبد الله بنو الحسن بن علي عليهما السلام فانهم استشهدوا بين يدي عمهم الحسين بن علي عليهما السلام بالطف رضى الله عنهم وأرضاهم وأحسن عن الدين والاسلام وأهله جزائهم وعبد الرحمن بن الحسن (رضوان الله عليه) خرج مع عمه الحسين عليه السلام إلى الحج، فتوفى بالابواء وهو محرم رحمة الله عليه, والحسين بن الحسن المعروف بالاثرم كان له فضل ولم يكن له ذكر في ذلك, وطلحة بن الحسن كان جوادا.

علم الامام (ع)

قال الطبري : قال أبو جعفر : حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد البلوي، قال : قال عمارة بن زيد المدني، حدثني إبراهيم بن سعد، ومحمد بن مسعر، كلاهما عن محمد بن إسحاق صاحب المغازي، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، قال : مرت بالحسن بن علي بقرة ، فقال : هذه حبلى بعجلة أنثى، لها غرة في جبهتها، ورأس ذنبها أبيض .

فانطلقنا مع القصاب حتى ذبحها فوجدنا العجلة كما وصف على صورتها، فقلنا له : أو ليس الله عز وجل ( ويعلم ما في الأرحام ) فكيف علمت هذا؟ فقال: إنا نعلم المكنون المخزون المكتوم، الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل غير محمد وذريته.

وقال أيضا: قال أبو جعفر: حدثنا سليمان بن إبراهيم النصيبيني، قال: حدثنا زر بن كامل، عن أبي نوفل محمد بن نوفل العبدي، قال: شهدت الحسن بن علي وقد أوتي بظبية، فقال: هي حبلى بخشفين إناث، إحداهما في عينها عيب، فذبحها فوجدناهما كذلك.

قال الشيرواني : روى عن الحسن بن علي بن أبي طالب إنه قال: إذا صاح القبر قال: اللهم العن مبغضي آل محمد.

روى الكليني : عن أحمد بن محمد؛ ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير عن رجاله عن أبي عبد الله قال: إن الحسن قال: إن لله مدينتين إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب عليهما سور من حديد وعلى كل واحد منهما ألف ألف مصراع وفيها سبعون ألف ألف لغة يتكلم كل لغة بخلاف لغة صاحبها وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما وما عليهما حجة غيري وغير الحسين أخي.

وصفه النجوم

قال المجلسي: نقلا عن كتاب "النجوم" روى ابن جمهور العمي في كتاب "الواحدة" في أوائل أخبار مولانا الحسن بن علي من خطبة له في صفة النجوم ما هذا لفظة, ثم أجرى في السماء مصابيح ضوؤها في مفتحه وحارثها بها وجال شهابها من نجومها الدراري المضيئة التي لولا ضوؤها ما أنفذت أبصار العباد في ظلم الليل المظلم بأهواله المدلهم بحنادسه وجعل فيها أدلة على منهاج السبل لما أحوج إليه الخليقة من الإنتقال والتحول والإقبال والإدبار.

الكرم والعطاء

سمع رجلاً إلى جنبه في المسجد الحرام يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف إلى بيته وبعث إليه بعشرة آلاف درهم.

وحيّت جارية للحسن بطاقة ريحان، فقال لها: « أنت حرّة لوجه الله » فقيل له في ذلك، فقال: « أدّبنا الله فقال: (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) وما وجدت أحسن من إعتاقها ».

وقد قسّم كلّ ما يملكه نصفين، ثلاث مرّات في حياته، وحتّى نعله، ثمّ وزّعه في سبيل الله كما يقول عنه الرّاوي مخاطباً إياه « وقد قاسمت ربّك مالك ثلاث مرّات حتّى النّعل والنّعل ».

ويذكر أنه في أحد الأيام دخل فقير المسجد يسأل الناس فأرشده رجل إلى الرجال الذين كانوا في ذلك الجانب من المسجد ليسألهم، وحين توجه إليهم فإذا بهم هم الحسن والحسين، وعبد الله بن جعفر. فأعطاه الحسن (ع) 50 درهما، وأعطاه الحسين (ع) 49 درهما، وأعطاه عبد الله بن جعفر 48 درهما وكان من ألقابه الزكي، المجتبى، كريم أهل البيت، ريحانة رسول الله محمد.

الحلم

روي أنّ شاميا رأى الإمام راكباً فجعل يلعنه والحسن (ع) لا يردّ، فلمّا فرغ أقبل الحسن (ع) فسلّم عليه وضحك فقال: « أيّها الشّيخ أظنّك غريباً ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لانّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً ».

فلمّا سمع الرّجل كلامه بكى، ثمّ قال: « أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته ».

عهد الإمامة

تسلّم الإمام الحسن المجتبى عليه السلام مسؤولية إمامة المسلمين وهدايتهم، ليلة الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان عام 40 للهجرة بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام على يد إبن ملجم المرادي فارتقى مسجد المنبر الكبير، وأثنى على مقام أبيه، وبيّن أحقيّة أهل بيت النبيّ (ص) بالخلافة، عندها بدأ أهل الكوفة بمبايعته حيث قام بتعيين عمّاله.

حربه مع معاوية

حينما سمع معاوية نبأ استشهاد الإمام علي عليه السلام ومبايعة القوم لولده الحسن (ع) أرسل اثنين من جلاوزته إلى البصرة والكوفة للتجسس وتحريض الناس عليه فأمر الإمام الحسن عليه السلام بإلقاء القبض عليهما وقتلهما تبادلت عدة رسائل بين معاوية والإمام الحسن (ع) أكد فيها الإمام عليه السلام بأنه الأحقّ بالخلافة.

قام معاوية بتجهيز جيوشه، وأرسل إلى عمّاله يدعوهم إلى مرافقته في حربه مع أهل العراق، وتقّدم نحو العراق يقود الجيش بنفسه جاعلاً الضحّاك بن قيس الفهري خليفته في العاصمة اصطحب معاوية 60 ألف جندياً أو أكثر من ذلك العدد، كما جاء في بعض الروايات.

وأرسل الإمام الحسن (ع) حجر بن عدي ليأمر أمراء القبائل كي يدعوا الناس إلى القتال تقاعس القوم في بداية الأمر ثمّ تحرّكوا وتحرّك الإمام (ع) صوب النُخيلة جاعلاً المغيرة بن نوفل نائباً عنه على الكوفة ولكي يدفع جيش معاوية الغازي عن العراق بعث الإمام (ع) "اثني عشر ألف مقاتل" بقيادة عبيد الله بن العباس فوصل عبيد الله بن العباس إلى منطقة يقال لها مَسكن، فخيم هناك، وواجه العدوّ في تلك المنطقة وكان عبيد الله بن العباس قد فقد ولديه على يد بسر بن أرطأة في اليمن بأمر من معاوية لكنه رغم ذلك رُشي بمليون درهم، وفرّ إلى معسكر معاوية ليلاً وكان لهروب عبيد الله بن عباس تأثير واضح على قلوب العسكر حيث أحدث حالة من الشك وسوء الظن في قلوبهم، وسرعان ما سرت هذه الحالة حتى وصلت المدائن وتوالت الخيانات.

أمر معاوية جواسيسه بإشاعة خبر مقتل قيس بن سعد الأمير الثاني على الجيش بعد عبيد الله بن عباس فما أن سمع القوم الخبر حتى عمدوا إلى نهب أموال بعضهم البعض بل تجرؤا على خيام الإمام عليه السلام، فسحبوا البساط الذي يجلس عليه والرداء من على كتفه وأرسل معاوية المغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن الحكم إلى الإمام الحسن (ع) وعندما همّوا بالخروج من عنده في المدائن قالوا: "حقن الله بابن نبيه الدماء وأخمد الفتنة فقبل الإمام عليه السلام بالصلح"، وما أن سمع القوم بذلك حتى هجموا على الإمام (ع) ونهبوا خيامه وما فيها, ولم تنتهي مصائب الإمام (ع) من عسكره وجنده عند هذا الحدّ، بل عمد المنحرفون والخوارج إلى محاولة اغتيال الإمام ثلاث مرات، لكن الله تعالى سلّمه منهم.

ويمكن القول بأن من أسباب قبول الإمام عليه السلام الصلح شعوره بأن جيشه قد أرهق نتيجة الحروب، وللحفاظ على نفسه وشيعته، أضف إلى ذلك خذلان القوم وخيانتهم له، ولحقن الدماء، وحفظ الدين، ولوجود خطر كان على الأبواب وهو خطر الخوارج ولافتقاد جيشه التوازن.

الصلح مع معاوية

(إِنَّ مُعَاوِيَةَ نَازَعَنِي حَقّاً هُوَ لِي، فَتَرَكْتُهُ لِصَلَاحِ الْأُمَّةِ وحَقْنِ دِمَائِهَا وقَدْ بَايَعْتُمُونِي عَلَى أَنْ تُسَالِمُوا مَنْ سَالَمْتُ فَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُسَالِمَهُ، ورَأَيْتُ أَنَّ مَا حَقَنَ الدِّمَاءَ خَيْرٌ مِمَّا سَفَكَهَا، وأَرَدْتُ صَلَاحَكُمْ وأَنْ يَكُونَ مَا صَنَعْتُ حُجَّةً عَلَى مَنْ كَانَ يَتَمَنَّى هَذَا الْأَمْرَ، وإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ ومَتَاعٌ إلى حِينٍ). الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

كان الإمام الحسن عليه السلام لا يفكّر إلا بمصلحة الإسلام والمسلمين، وأخيراً وافق على الصلح حقناً للدماء، وكتب شروط الصلح، وعرضها على معاوية، وكانت كالتالي:

يعمل فيها بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين؟!

وعلى أنه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده، وأن يكون الأمر شورى

الناس آمنون حيث كانوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم

أن لا يبغي للحسن بن علي غائلة سرا ولا علانية، و(على أن) لا يخيف أحدًا من أصحابه.

وقد وردت هذه الشروط في مصادر الشيعة والسنة مع اختلاف فيما بينها.

و قد أمضى الطرفان معاهدة الصلح مع ملاحظة الشروط التي طرحها الإمام الحسن (ع) في النصف الأول من سنة 41 للهجرة لكن معاوية ورغم قبوله شروط الإمام الحسن (ع) إلا أنّه وفي أول حضور له في الكوفة– حيث التقى الجيشان- خطب في مسجد الكوفة خطبةً بعد الصلح أعلن فيها أنّ كلّ شرطٍ شرطته للحسن (ع) فهو تحت قدميَّ، وادعى أن الحسن (ع) هو من طلب الصلح، وشتم عليّاً (ع)، فهمّ الإمام الحسين (ع) أن يردّ عليه، لكن الإمام الحسن (ع) منعه من ذلك.

ولما أتم معاوية خطابه قام الإمام (ع) وخطب خطبةً طويلةً وصف فيها ما جاء في المعاهدة بشكل كلي، ثم ذكر أن معاوية هو من طلب الصلح، وردّ على معاوية حيث سبّ الإمام أمير المؤمنين (ع) بأن ذكّر الحاضرين وبكلام بيّن ومقارنة شاملة من هو علي (ع) ومن هو معاوية؟ وإلى من ينتمي كل منهما في الحسب أو النسب وقد سبب هذا الرد إحراجا شديداً لمعاوية

الخيانة بعد الصلح

توجه الإمام الحسن (ع) إلى المدينة و بقي هناك حتى مضى من حكم معاوية عشر سنوات. معاوية قرر أن يجعل ابنه يزيد خليفة له بخلاف مل نص عليه الصلح معاوية قام فيما بعد بالتآمر مع جعدة بنت الأشعث إحدى زوجات الإمام الحسن (ع) لتدس له السم ومقابل ذلك ضمن لها أن يُزوجها من ابنه يزيد و أرسل لها مئة ألف درهم جعدة بنت الأشعث دست السم للإمام الحسن (ع) في الشراب مما أدى إلى شهادة الإمام الحسن (ع) بعد مرض استمر أربعين يوماُ.

معاوية أعطى جعدة بقية المبلغ الموعود ولكنه لم يزوجها من ابنه يزيد وإنما من رجل من عائلة طلحة وأنجبت له أولاداً عندما كان يحصل مُشادة كلامية بين أولادها وبين آخرون من قبيلة قريش كانوا يُطلقون عليهم: أولاد مُسممة زوجها!

الإمام الحسن (ع) تُوفي في الثامن والعشرين من شهر صفر أو السابع لسنة ٦٧٠ للهجرة عن عمر يناهز الثمانية وأربعين عاماً واستمرت إمامته عشر سنوات.

لمّا حضرت الإمام الحسن (ع) الوفاة قال: (يا قنبر: انظر هل ترى وراء بابك مؤمناً من غير آل محمّد)، فقال:(الله ورسوله وابن رسوله أعلم)، قال:(امض فادع لي محمّد بن عليّ)، قال: فأتيته، فلما دخلت عليه قال:(هل حدث إلاّ خير؟) قلت:(أجب أبا محمّد)، فعجّل عن شسع نعله فلم يسوّه، فخرج معي يعدو.

فلمّا قام بين يديه سلّم، فقال له الحسن:(اجلس فليس يغيب مثلك عن سماع كلامٍ يحيا به الأموات، ويموت به الأحياء، كونوا أوعية العلم ومصابيح الدّجى، فإن ضوء النهار بعضه اضوأ من بعض، أما علمت أن الله عزّ وجلّ جعل ولد ابراهيم أئمةً وفضّل بعضهم على بعض، وآتى داود زبوراً، وقد علمت بما استأثر الله محمداً (ص).

يا محمد بن عليّ! إنّي لا أخاف عليك الحسد، وإنما وصف الله تعالى به الكافرين فقال: (كفّاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحقّ) ولم يجعل الله للشيطان عليك سلطاناً.

يا محمّد بن عليّ، ألا أخبرك بما سمعت من أبيك (ع) فيك؟ قال: بلى.

قال: سمعت أباك يقول يوم البصرة: من أحبّ أن يبرّني في الدنيا والآخرة قليبرّ محمداً.

يا محمد بن عليّ! لو شئت أن أخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك.

يا محمد بن عليّ! أما علمت: أن الحسين بن عليٍّ بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي، إمام من بعدي، وعند الله في الكتاب الماضي، وراثة النبيّ أصابها في وراثة أبيه وأمه، علم الله أنّكم خير خلقه، فاصطفى منكم محمّداً واختار محمد عليّاً، واختارني عليّ للإمامة، واخترت أنا الحسين.

فقال له محمد بن علي: أنت إمامي (وسيدي)، وأنت وسيلتي إلى محمّد، والله لوددت أنّ نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام ألا وإن في رأسي كلاماً لا تنزفه الدّلاء، ولا تغيّره بعد الريّاح كالكتاب المعجم، في الرقّ المنمنم، أهمّ بابدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل، وما جاءت به الرّسل، وانه لكلام يكلّ به لسان الناطق، ويد الكاتب ولا يبلغ فضلك، وكذلك يجزي الله المحسنين ولا قوة إلا بالله، الحسين أعلمنا علماً، وأثقلنا حلماً، أقربنا من رسول الله رحما، كان إماماً قبل أن يخلق، وقرأ الوحي قبل أن ينطق، ولو علم الله أنّ أحداً خير منّا ما اصطفى محمّداً (ص)، فلمّا اختار محمّداً واختار محمّد عليّاً إماماً، واختارك عليّ بعده، واخترت الحسين بعدك، سلّمنا ورضينا بمن هو الرّضا، وبمن نسلم به من المشكلات.

قام الإمام الحسين (ع) بغسل للإمام الحسن (ع) وكفنه و قام بمراسم الدفن دفن الإمام الحسين أخيه الإمام الحسن (ع) بجانب جدته فاطمة بنت أسد في مقبرة جنة البقيع بعد نزاع حصل عند قبر جده النبي محمد (ص) حيث أن الإمام الحسن (ع) أوصى أخيه الإمام الحسين (ع).

الوصية

"هذا ما أوصى به الحسن بن عليّ إلى أخيه الحسين بن علي، أوصى أنه: يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّه يعبده حقّ عبادته، لا شريك له في الملك، ولا وليّ له من الذلّ، وأنه خلق كلّ شيء، فقدّره تقديراً، وأنه أولى من عبد، وأحقّ من حمد، من أطاعه رشد، ومن عصاه غوى، ومن تاب إليه اهتدى، فإني أوصيك يا حسين بمن خلّفت من أهلي وولدي وأهل بيتك: أن تصفح عن سيئهم، وتقبل من محسنهم وتكون لهم خلفاً ووالدا وأن تدفنّي مع رسول الله فإني أحقّ به، وببيته ممّن أدخل بيته بغير إذنه، ولا كتاب جاءهم من بعده، قال الله فيما أنزله على نبيّه في كتابه (يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلا أن يؤذن لكم) فو الله ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، ولا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته، ونحن مأذون لنا في التصرّف فيما ورثناه من بعده، فإن أبت عليك الامرأة، فأنشدك بالله وبالقرابة التي قرّب الله عزّ وجلّ منك، والرحم الماسّة من رسول الله: أن لا تهريق في محجمةٍ من دم، حتّى نلقى رسول الله، فنختصم اليه، ونخبره بما كان من الناس إلينا من بعد"

وأوصى:

يا أخي إني أوصيك بوصيةٍ فاحفظها، فاذا أنا متّ فهيّئني، ثم وجّهني إلى رسول الله، لأجدّد به عهداً ثم اصرفني إلى أمّي فاطمة، ثمّ ردّني، فادفنّي بالبقـــيع، واعلم: أنه سيصبــني من الحــــمراء ما يعلم النّاس صنيعها، وعداوتها لله ولرسوله، وعداوتها لنا أهل البيت.

يا أخي إنّ هذه آخر ثلاث مرّاتٍ سقيت فيها السمّ، ولم أسقه مثل مرّتي هذه، وأنا ميّت من يومي، فإذا أنا متّ فادفنّي مع رسول الله (ص)، فما أحد أولى بقربه مني، إلا أن تمنع من ذلك فلا تسفك فيه محجمة دم.

يا أخي إذا انا متّ، فغسّلني وحنّطني وكفّنّي، واحملني إلى جدّي (ص)، حتّى تلحدني إلى جانبه، فان منعت من ذلك، فبحقّ جدّك رسول الله، وأبيك امير المؤمنين، وامّك فاطمة الزّهراء: ان لا تخاصم أحداً، واردد جنازتي من فورك إلى البقيع، حتى تدفنّي مع أمّي.

وأوصى مُدلاً على ما سيكون من أمر الإمام الحسين (ع): أوصيك يا أخي بأهلي وولدي خيراً، واتبع ما أوصى به جدّك وأبوك وأمّك عليهم أفضل الصلوات والسّلام.

يا أخاه لا تحزن عليّ فإن مصابك أعظم من مصيبتي ورزءك أعظم من رزئي فإنّك تقتل - يا أبا عبد الله الحسين - بشطّ الفرات بأرض كربلا عطشاناً لهيفاً وحيداً فريداً مذبوحاً يعلو صدرك أشقى الأمّة، ويحمحم فرسك ويقول في تحمحمه: الظليمة الظليمة من أمّةٍ قتلت ابن بنت نبيّها، وتسبى حريمك وييتّم أطفالك، ويسيّرون حريمك على الأقتاب بغير وطاءٍ ولا فراش، ويحمل رأسك يا أخي على رأس القنا، بعد أن تقتل ويقتل أنصارك، فياليتني كنت عندك أذبّ عنك كما يذبّ عنك أنصارك بقتل الأعداء، ولكنّ هذا الأمر يكون وانت وحيد لا ناصر لك منا، ولكن لكلّ أجلٍ كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب، فعليك يا أخي بالصبر على البلاء حتّى تلحق بنا، ثم التفت إلى الحاضرين فقال:

أيها الحاضرون، اسمعوا وانصتوا ما اقول لكم الآن، هذا الحسين أخي إمام بعدي فلا إمام غيره، ألا فليبلّغ الحاضر الغائب، والوالد الولد، والحرّ والعبد والذكر والانثى، وهو خليفتي عليكم لا أحد يخالفه منكم، فمن خالفه كفر وأدخله الله النّار وبئس القرار، ونحن ريحانتا رسول الله وسيّدا شباب الله الجنّة، فلعن الله من يتقدّم أو يقدّم علينا أحداً فيعذبه الله عذاباً أليما، وإنّي ناصّ عليه كما نصّ رسول الله (ص) على امير المؤمنين (ع)، وكما نصّ أبي عليّ، وهو الخليفة بعدي من الله ومن رسوله.

حفظكم الله، أستودعكم الله، الله خليفتي عليكم وكفى به خليفة، وإنّي منصرف عنكم ولا حق بجدّي وابي وأمي وأعمامي ثم قال: عليكم السلام يا ملائكة ربّي ورحمة الله وبركاته

ولابنه القاسم:

يا ولدي يا قاسم! أوصيك: أنك إذا رايت عمّك الحسين في كربلاء وقد أحاطت به الأعداء، فلا تترك البراز والجهاد، لأعداء الله وأعداء رسوله، ولا تبخل عليه بروحك، وكلّما نهاك عن البراز، عاوده ليأذن لك في البراز، لتحظى في السعادة الأبديّة

لما حمل الإمام الحسين (ع) جثمان أخيه إلى ضريح جده النبي محمد (ص) لدفنه بجانبه انتظرهم هناك مروان ابن الحكم و جمع من بني أمية مدججين بالسلاح لمنع ذلك

لمّا قبض الإمام الحسن (ع) وضع على سريره، وانطلقوا به إلى مصلى رسول الله (ص) الذي كان يصلّي فيه على الجنائز، فصلّي الإمام الحسين (ع) على الإمام الحسن (ع)، فلمّا أن صلّي عليه حمل فأدخل المسجد ، فلمّا أوقف على قبر رسول الله بلغ عائشة الخبر، وقيل لها: إنهم قد أقبلوا بالإمام الحسن (ع) ليدفن مع رسول الله (ص).

وجاء في كتاب الإرشاد أنه لمّا مضى لسبيله، غسّله الحسين (ع) وكفّنه وحمله على سريره، ولم يشك مروان ومن معه من بني أمية، أنهم سيدفنونه عند رسول الله (ص) فتجمّعوا ولبسوا السلاح ، فلمّا توجّه به الحسين (ع) إلى قبر جدّه رسول الله (ص) ليجدّد به عهداً، أقبلوا إليه في جمعهم ولحقتهم عائشة على بغل، وهي تقول :مالي ولكم؟ تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب، وجعل مروان يقول:(يا رب هيجاهي خير من دعة) أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي؟ لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف، وكادت الفتنة أن تقع بين بني هاشم، وبين بني امية.

فبادر ابن عباس (رحمه الله) إلى مروان فقال له :إرجع يا مروان من حيث جئت، فإنا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول الله (ص) لكنا نريد أن نجدّد به عهدا بزيارته، ثم نردّه إلى جدته فاطمة، فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان أوصى بدفنه مع النبي (ص) لعلمت أنك أقصر باعاً من ردنا عن ذلك، لكنه كان أعلم بالله وبرسوله وبحرمة قبره، من أن يطرق عليه هدماً كما طرق ذلك غيره، ودخل بيته بغير إذنه.

ثم أقبل على عائشة وقال لها: وا سوأتاه يوماً على بغل، ويوماً على جمل؟ تريدين أن تطفئي نور الله، وتقاتلي أولياء الله، ارجعي فقد كفيت الذي تخافين، وبلغت ما تحبين، والله منتصر لأهل هذا البيت ولو بعد حين.

وقال الحسين (ع) :والله لولا عهد الحسن إليّ بحقن الدماء، وأن لا أهريق في أمره محجمة دم، لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منكم مآخذها، وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم، وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا.

ومضوا بالإمام الحسن (ع) فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف (رضي الله عنها), ومثله في مناقب آل أبي طالب 4 / 29 ، مع اختصار وزاد فيه: ورموا بالنبال جنازته ، حتى سل منها سبعون نبلاً.

من أقواله وحكمه

لا تعاجل الذنب بالعقوبة واجعل بينهما للاعتذار طريقاً.

المزاح يأكل الهيبة، وقد أكثر من الهيبة الصامت.

الفرصة سريعة الفوت، بطيئة العود.

تُجهل النعم ما أقامت، فإذا ولت عرفت.

ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم.

اللؤم أن لا تشكر النعمة.

الخير الذي لا شر فيه: الشكر مع النعمة، والصبر على النازلة.

هلاك المرء في ثلاث، الكبر والحرص والحسد، فالكبر هلاك الدين، وبه لعن إبليس، والحرص عدو النفس، به أخرج آدم من الجنة، والحسد رائد السوء، ومنه قتل قابيل هابيل.

لا أدب لمن لا عقل له، ولا مروءة لمن لا همة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك الداران جميعاً، ومن حرم العقل حرمهما جميعاً.

فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها.

مكارم الأخلاق عشر: صدق اللسان، وصدق البأس، وإعطاء السائل، وحسن الخلق، والمكافأة بالصنائع، وصلة الرحم، والترحم على الجار، ومعرفة الحق للصاحب، وقرى الضيف، ورأسهن الحياء.

ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد.

علّم الناس علمك، وتعلّم علم غيرك، فتكون قد أتقنت علمك، وعلمت ما لم تعلم.

لرجل أبلّ من علة: إن الله قد ذكرك فاذكره، وأقالك فاشكره.

إذا أضرت النوافل بالفريضة فارفضوها.

من تذكر بعد السفر اعتدّ.

بينكم وبين الموعظة حجاب العزة.

إن من طلب العبادة تزكى لها.

قطع العلم عذر المتعلمين.

أحسن الحسن الخلق الحسن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
1-ويكيبيديا الموسوعة الحرة
2-المعجم الاسلامي
3-ويكي شيعة
4-موقع الميزان
5-عقائد الشيعة الامامية
6-كتاب الإمام الحسن السّبط عليه السلام سيرة وتاريخ المؤلف: السيد سعيد كاظم العذاري
7-مركز الاشعاع الاسلامي
8- arabic.irib
9-البقيع الغرقد.

 

- مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال www.annabaa.org
arch_docu@yahoo.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0