إسلاميات - اهل البيت

سيدة العقود

تك. تك، دقَّت الساعة الرابعة والنصف بعد منتصَف الأحلام، استيْقظَت الملكة مِن نومها، خائفة، أنفاسها متقطعة، تتصبَّبُ عَرَق، تغمض عيناها لتكمل حلمها، دقّات نبْضِها تتسارَعُ، تُحاوِلُ استرجاع أنفاسِها الأخيرة بشتّى الطرق.

بين ظلام القصر وعتمة الليل هنالك ضوء الفجر حيث بدأ يرسم خيوطه الفضية في سماء المملكة، تنبش عَن النوم لعله يُعيدُها إلى ذلك الحلم الجميل، يداها تَرْتَجفانِ، تأبى الوُقُوف لكنّها لا تسقط، فهي ملكة وتعلم جيدا معنى السقوط. وطاف بصرها في أرجاء القصر، اللون الأبيض والنقوش تُغطِّي جُدران القصر العالية، ونافذةُ معلقة قُضبانِها مِن الحديد والزجاج، يَتسلَّلُ مِنها ضَوْءُ القمر. يُخفِّفُ عنها وطأة الليل أخذت تَتوسَّلُ إليه بأَعْيُنٍ دامِعة كلّ ليلة كي يُرسِل إليها ذلك الحلمَ آمَلًا أنْ يَبْعَثَ فيها الأمل والفرح من جديد. ما هو ذلك الحلم الذي تنتظره الملكة؟.

رأت الملكة مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم في تلك الليلة كأن المسيح (عليه السلام) وشمعون وعدة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدها ونصبوا فيه عرشه فدخل عليهم محمد (ص) مع فتية وعدة من بنيه فيقوم إليه المسيح فيعتنقه فيقول يا روح الله إني جئتك خاطبا من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا وأومأ بيده الى أبي محمد صاحب هذا الكتاب، فنظر المسيح الى شمعون فقال له قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم رسول الله قال قد فعلت.

فصعد ذلك المنبر وخطب محمد وزوجها منه وشهد المسيح وشهد بنو محمد والحواريون فلما استيقظت من نومها اشفقت أن تقص رؤياها على أبيها وجدها مخافة القتل فكانت تحبسها في نفسها.

ودخل في قلبها محبة أبي محمد (ص) حتى امتنعت من الطعام والشراب وضعفت نفسها ودق شخصها ومرضت مرضا شديدا فما بقي في مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدها وسأله عن دوائها. فلما برح به اليأس، قال لها يا قرة عيني فهل تخطر ببالك شهوة فازودكها في هذه الدنيا.

فقالت الملكة مليكة يا جدي أرى ابواب الفرج علي مغلقة فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين وفككت عنهم الاغلال وتصدقت عليهم ومننتهم بالخلاص لرجوت ان يهب المسيح وامه (ع) لي عافية وشفاء. فعل ذلك جدها تجلدت في إظهار الصحة في جسدها وتناولت يسيرا من الطعام فسر بذلك جدها واقبل على إكرام الأسارى واعزازهم. وقفتْ مُجَدَّدًا والجسد رجعت إليه القوة والصحة! أمّا القلب فهو هائم في محبة أبي محمد بعد أنْ رأته في عالم الرؤياَ.

تبينت على شَفَتَيْها ابتسامَةُ، وأغمضَتْ عَيْنَيْها تنتظِرُ حلمها القادم أقرت لروحها وقلبها أنها على عهد محمد باقية. رُبّما يكون حلمها حقيقة ذات يوم، لتنالُ شرف الولاية، ويُضمِّدُ جراحها ويُؤْنِسُ وَحْدَتَها، هي الآن حائرة لا تعرف خلاصا وتَصرُخُ بأعلى صوتٍ انا من اختارني محمد وخطبني .!!

بعد أربع ليال رأت سيدة النساء (ع) قد زارتها ومعها مريم بنت عمران (ع) وألف وصيفة من وصائف الجنان فتقول لها مريم هذه سيدة نساء العالمين وأم زوجك أبي محمد (ع)

فقالت لها سيدة النساء (ع) إن ابني (ع) لا يزورك وأنت مشركة بالله وعلى مذهب النصارى وهذه اختي مريم (ع) تبرأ الى الله تعالى من دينك فإن ملت الى الله عز وجل ورضا المسيح ومريم (ع) عنك وزيارة ابي محمد (ع) إياك فقولي: أشهد ان لا إله إلا الله واشهد ان أبي محمدا رسول الله.

فلما نطقت الملكة هذه الكلمات ضمتها سيدة النساء (ع) إلى صدرها فطيبت نفسها وقالت الآن توقعي زيارة أبي محمد (ع) إياك فإني منفذته اليك. فانتبهت من نومها وهي تقول وآشوقاه إلى ابي محمد، لم يَحِنْ موعِدُ لقاء بعدُ، أَشْرَقَ الفَجر مِن جَديد، أنارَ غُرفتها وداعَبَ ضياءُ عَيْنَيْها وَأَخَذَ يُجَفِّفُ جفنيْها المبللة بقطرات دموعها. فقد كيفت أنْ يَزُورَها كلَّ يوم فهي اليوم تَشتَهي النظر إلى النور مِن جديد، فَتَحَتْ عَيْنَيْها وَتَمَسَّكَتْ بِقَبضة نافذتها وَحاوَلَتِ الوُقُوفَ، وَراحَتْ تَتَأَمَّلُ القصر الكبير والخدم حياةً ليسَتْ كتلك التي تراها في الأحلام. فلما كانت الليلة القابلة جاءها أبي محمد (ع) في منامها كأنها تقول له جفوتني يا حبيبي بعد ان شغلت قلبي بجوامع حبك. فقال لها: ما كان تأخيري عنك إلا لشرك وإذ قد اسلمت فاني زائرك في كل ليلة الى أن يجمع الله شملنا في العيان فما قطع عنها زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.

عليلُ النسيم يُوقِظُ أنفاسها تفطنت الملكة أنّ موعد خلاصِها مِن هذا القصر بات قريباً.

سَئمَتْ من الاحلام، واخذت تبحثُ عَن الحقيقة لتَرْوِي هي كذلك حتّى سمِعَتْ صوتًا رَقيقًا يَهْمِسُ في أذنها، أَما حانَ وَقْتُ اللقاء يا مليكة!! أخبرها أبي محمد (عليه السلام) ليلة من الليالي ان جدها سيسرب جيوشا الى قتال المسلمين يوم كذا إلى العراق لمحاربة المسلمين ، ثم يتبعهم، فالتحقت بهم متنكرة في زي الخدم مع عدة من الوصائف. ولم يعرفها أحد، وقعت في الأسر. هكذا إذ اصبحت غنيمة تابعة للمسلمين وقد تم عرضها للبيع، ولكنها كانت تمتنع عن الظهور لتُعرض للبيع، وترفض أن يلمسها أو يمسها أحد من الراغبين في الشراء، رغم كثرة الراغبين لشرائها لِما رأوا فيها من العفة والحياء. وسبب امتناعها يعود الى معرفتها بأن مبعوث زوجها الموعود الذي حلمت به لا بد أن يأتي يوما ليشتريها ويعتقها من هذه العبودية. انه في هذه الاثناء وجه الإمام الهادي (ع)، أحد خاصته من سامراء إلى بغداد مع رسالة منه (ع) باللغة الرومية(اليونانية)، وأوصاه بتسليم هذه الرسالة الى فتاة اسيرة جليلة في سوق النخاسة، وقد وصف له بعد أن وصف للرسول المكان والشيخ البائع والأسيرة الجليلة، وحمّله مائتين وعشرين ديناراً، ليدفعها ثمناً لمالكها. هنالك في بغداد في سوق العبيد ناول المبعوث كتاب الامام الهادي(ع) الى الفتاة التي كانت ترفض بإباء ان يقترب منها أي احد. حينها قرأت الرسالة انخرطت بالبكاء وراحت تصرخ مهددة بالانتحار إن لم يوافق النخاس على بيعها الى ذلك المبعوث. فساوم الرسول الشيخ البائع، حتى توقف عند الثمن الذي أرسله الإمام الهادي (ع) فدفعه إليه، ونقلها بتجليل واحترام إلى سامراء. فلما دخلت على الإمام الهادي (ع) رحب بها كثيراً، ثم بشرها بولد يولد لها من ابنه (ابي محمد العسكري) (ع) يملك الدنيا شرقاً وغرباً ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً. شعور ممتِعٌ يَكْتَنِفُها وَيُشْعِرُها بقيمة الأشياء مِن حَوْلِها، هي الآنَ في جنّة نفسها، تَسكُنُ عالَمها الجميل تَرى عَيْنَيْها عالَمًا أجملَ يَنْتَظِرُها.

((الملكة رومية تجيد العربي بشكل عجيب))

وعندما سألها بشر عن لغتها العربية ومتى تعلمت؟

أجابت الأميرة بلغ من ولوع جدي وحمله اياي على تعلم الآداب ان أوعز الى امرأة ترجمانه في الاختلاف إلي فكانت تقصدني صباحا ومساء وتقيدني العربية حتى استمر عليها لساني واستقام .

(( الملكة وشرف لقاء)).

قال بشر فلما انكفأت بها إلى سر من رأى دخلت إلى مولانا أبي الحسن العسكري (عليه السلام) فقال لها كيف أراك الله عز الاسلام وذل النصرانية وشرف أهل البيت (عليهم السلام ).

قالت مليكة كيف أصف لك يابن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم ) ما انت أعلم به مني؟

قال: فأني أريد ان اكرمك، فأيما أحب اليك عشرة الاف درهم، أم بشرى لك بشرف الابد؟

قالت: بل البشرى.

قال: فابشري بولد يملك الدنيا شرقا وغربا يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا

قالت: ممن؟

قال: ممن خطبك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) له من ليل كذا من شهر كذا من السنة كذا الرومية.

قالت: من المسيح (عليه السلام ) ووصيه.

قال ممن زوجك المسيح ووصيه ؟

قالت: من ابنك أبي محمد (عليه السلام )

قال: فهل تعرفيه؟

قالت : وهل خلوت ليلة من زيارته إياي منذ الليلة التي اسلمت فيها على يد سيدة النساء أمه؟

فقال ابو الحسن الهادي، يا كافور أدع لي أختي حكيمة (عليها السلام )

فلما دخلت عليه قال لها: ها هي.

فاعتنقتها طويلا وسرت بها كثيرا .

فقال لها مولانا (عليه السلام ) يا بنت رسول الله اخرجيها الى منزلك وعلميها الفرائض والسنن، فأنها زوجة ابي محمد (عليه السلام ) وام القائم.

ثم بعد ذلك أودعها عند أخته " حكيمه " بنت الإمام الجواد (ع) لتُعلمها الفرائض والأحكام ، فبقيت عندها أياماً. بعدها وهبها الإمام الهادي (ع) ابنه الإمام الحسن العسكري (ع) فتزوجها الإمام (ع)، وهي في مقتبل العمر وربيع الشباب..

((لقاء الحبيب مع الحبيب))

تزوجت الملكة، ليكة ومرت الأيام حتى حملت بالمهدي (ع)، خفي حملها على أكثر النساء اللواتي كن قريبات منها. شاء الله لها أن تكون أماً لأكرم مولود، حارت به الظنون وضلّت به العقول. حلت ليلة النصف من شهر شعبان سنة 255 للهجرة، فطلب الإمام الحسن العسكري من عمته السيدة حكيمة أن تلازم «نرجس» في تلك الليلة ولا تفارقها. فقد شاءت العناية الإلهية أن تكون هذه الليلة المباركة، ليلة الخامس عشر من شعبان، هي الليلة الموعودة، لولادة المنتظر الموعود، ووضعت « نرجس» وليدها المبارك، تحيطه العناية برعايتها، وتحفّ الملائكة بمهده. وأسماه أبوه - إنفاذ لمشيئة الله - في تلك الظروف الشديدة السرية. لكن قد أُلقِيَ القبض عليها، فوُضِعَت تحت الرقابة الصارمة لفترات طويلة خوفاً من أن تلد الإمام المنتظر ( ع). لكنها بعون الله تمكنت من ولادة الطفل المقدس (ع) في مدينة سامراء في سَحَرِ ( 15 ) شعبان، وذلك عام ( 255 هـ ).

((ولد القمر ))

روت السيّدة حكيمة (عليها السلام) بنت أبي جعفر الجواد (عليه السلام) وقالت: بعث إليّ أبو محمد الحسن بن علي (عليه السلام) فقال: يا عمّة اجعلي إفطارك الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان، فإنّ الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجّة(عليه السلام)، وهو حجّته في أرضه.

قالت: فقلت له: ومن اُمه؟

قال لي: نرجس؟

قلت له: والله جعلني الله فداك ما بها أثر.

فقال: هو ما أقول لك.

قالت: فجئت فلمّا سلّمت وجلست، جاءت تنزع بخفي وقالت لي: يا سيدتي كيف أمسيت؟

فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي.

قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا يا عمّة؟

قالت: فقلت لها: يا بنية إنّ الله تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة.

قالت: فخجلت واستحيت.

فلمّا أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة وأخذت مضجعي، فرقدت، فلمّا أن كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة، ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليست بها حادثة، ثم جلست معقّبة، ثم اضطجعت، ثم انتبهت فزعة وهي راقدة، ثم قامت وصلّت ونامت.

قالت السيّدة حكيمة (عليها السلام): وخرجت أتفقّد الفجر وإذا بالفجر الأول كذبه السرحان وهي نائمة.

قالت السيّدة حكيمة(عليها السلام): فدخلتني الشكوك.

فصاح بي أبو محمد (عليه السلام) من المجلس، فقال: لا تعجلي يا عمّة فهاك الأمر قد قرب.

وقالت: فجلست فقرأت (ألم السجدة) و(يس)، فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة، فوثبت إليها، فقلت: اسم الله عليك، ثم قلت لها: تحسّين شيئاً؟

قالت: نعم يا عمّة.

فقلت لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك، فهو ما قلت لك.

قال السيّدة حكيمة (عليها السلام): ثم أخذتني فترة وأخذتها فترة، فتنبّهت بحس سيدي، فكشفت الثوب عنه، فإذا أنا به (عليه السلام) ساجد على أرض يتلقّى بمساجده، فضممته إليّ فإذا أنا به (عليه السلام) نظيف منظّف.

فصاح بي أبو محمد (عليه السلام): هلمّي إليّ ابني يا عمّة.

فجئت به إليه، فوضع يديه تحت إليته وظهره، ووضع قدميه على صدره، ثم أدلى لسانه في فيه وأمرّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله، ثم قال: تكلّم يا بني.

فقال(عليه السلام): أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) عبده ورسوله، ثم صلّى على أمير المؤمنين (عليه السلام) وعلى الأئمّة (عليهم السلام) إلى أن وقف على أبيه ثم أحجم.

قال أبو محمد (عليه السلام): يا عمّة، اذهبي به إلى اُمّه ليسلّم عليها، وائتني به.

فذهبت به، فسلّم عليها ورددته ووضعته في المجلس.

ثم قال: يا عمّة، إذا كان اليوم السابع فأتنا.

قالت السيّدة حكيمة: فلمّا أصبحت جئت لأسلم على أبي محمد (عليه السلام)، وكشفت الستر لأتفقّد سيدي، فلم أره، فقلت له: جعلت فداك، ما فعل سيدي؟

فقال: يا عمّة، استودعناه الذي استودعته اُمّ موسى (عليه السلام).

قالت السيّدة حكيمة: فلمّا كان في اليوم السابع، جئت وسلّمت وجلست.

فقال (عليه السلام): هلمّي إليّ ابني، فجئت بسيدي وهو في الخرقة، ففعل به ما فعل في الاُولى، ثم أدلى لسانه في فيه كأنه يغديه لبناً أو عسلاً، ثم قال: تكلّم يا بنيّ.

فقال: «أشهد أن لا إله إلاّ الله، وثنى بالصلاة على محمد وعلى أمير المؤمنين وعلى الأئمّة (صلوات الله عليهم أجمعين) حتى وقف على أبيه (عليه السلام) ثم تلا هذه الآية:

بسم الله الرحمن الرحيم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ ليلة الميلاد

روي الشيخ الطوسي (رحمه الله) في كتاب (الغيبة) قصة الميلاد المبارك كالتالي:

عن السيّدة حكيمة (عليها السلام) بنت محمد بن علي الرضا (عليه السلام) أنها قالت: بعث أبو محمد (عليه السلام) سنة خمس وخمسين ومائتين في النصف من شعبان قال: يا عمّة اجعلي الليلة إفطارك عندي فإنّ الله عزّ وجلّ سيسرّك بوليّه وحجّته على خلقه خليفتي من بعدي.

قالت حكيمة: فتداخلني لذلك سرور شديد وأخذت ثيابي عليّ وخرجت من ساعتي حتى انتهيت إلى أبي محمد (عليه السلام) وهو جالس في صحن داره وجواريه حوله، فقلت: جعلت فداك يا سيدي، الخلف ممّن هو؟

قال: من سوسن.

فأدرت طرفي فيهنّ فلم أر جارية عليها أثر غير سوسن.

قالت حكيمة: فلمّا أن صلّيت المغرب والعشاء الآخرة أتيت بالمائدة فأفطرت أنا وسوسن وبايتّها في بيت واحد.

فغفوت غفوة، ثم استيقظت، فلم أزل مفكّرة فيما وعدني أبو محمد (عليه السلام) من أمر ولي الله (عليه السلام)، فقمت قبل الوقت الذي كنت أقوم في كل ليلة للصلاة، فصلّيت صلاة الليل حتى بلغت إلى الوتر، فوثبت سوسن فزعة، وخرجت فزعة، وأسبغت الوضوء ثم عادت، فصلّت صلاة الليل وبلغت الوتر، فوقع في قلبي أنّ الفجر قد قرب، فقمت لأنظر فإذا بالفجر الأول قد طلع، فتداخل قلبي الشك من وعد أبي محمد (عليه السلام) فناداني من حجرته: لا تشكّي وكأنّك بالأمر الساعة قد رأيته إن شاء الله تعالى.

قالت السيّدة حكيمة: فاستحييت من أبي محمد (عليه السلام) وممّا وقع في قلبي، ورجعت إلى البيت وأنا خجلة، فإذا هي قد قطعت الصلاة وخرجت فزعة فلقيتها على باب البيت فقلت: بأبي أنت واُمّي هل تحسّين شيئاً . فقالت: نعم يا عمّة إنّي لأجد أمراً شديداً. قلت: لا خوف عليك إن شاء الله تعالى.

وأخذت وسادة فألقيتها في وسط البيت وأجلستها عليها وجلست منها حيث تقعد المرأة من المرأة للولادة، فقبضت على كفّي وغمزت غمزة شديدة، ثم أنّت أنه وتشهّدت، ونظرت تحتها فإذا أنا بولي الله (صلّى الله عليه) متلقّياً الأرض بمساجده، فأخذت بكتفيه فأجلسته في حجري فإذا هو نظيف مفروغ منه.

فناداني أبو محمّد (عليه السلام): يا عمّة هلمّي فأتيني بابني.

فأتيته به فتناوله وأخرج لسانه فمسحه على عينيه ففتحها، ثمّ أدخله في فيه فحنّكه ثمّ أدخله في اُذنيه وأجلسه في راحته اليسرى، فاستوى وليّ الله (عليه السلام) جالساً فمسح يده على رأسه وقال له: يا بني انطق بقدرة الله.

فاستعاذ وليّ الله (عليه السلام) من الشيطان الرجيم واستفتح بسم الله الرحمن الرحيم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ)(21)، وصلّى على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى أمير المؤمنين والأئمّة (عليهم السلام) واحداً واحداً حتّى انتهى إلى أبيه.

فناولنه أبو محمّد (عليه السلام) وقال: يا عمّة ردّيه إلى اُمّه حتّى (تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(22).

فرددته إلى اُمّه وقد انفجر الفجر الثاني فصلّيت الفريضة وعقّبت إلى أن طلعت الشمس، ثمّ ودّعت أبا محمّد (عليه السلام) وانصرفت إلى منزلي.

فلمّا كان بعد ثلاث اشتقت إلى ولي الله (عليه السلام) فصرت إليهم، فبدأت بالحجرة التي كانت سوسن فيها فلم أر أثراً ولا سمعت ذكراً فكرهت أن أسأل.

فدخلت على أبي محمد (عليه السلام) فاستحييت أن أبدأ بالسؤال فبدأني، فقال: هو يا عمّة في كنف الله وحرزه وستره وغيبه حتى يأذن الله له، فإذا غيّب الله شخصي وتوفّاني ورأيت شيعتي قد اختلفوا فأخبري الثقات منهم وليكن عندك وعندهم مكتوماً، فإنّ ولي الله يغيّبه الله عن خلقه، ويحجبه عن عباده فلا يراه أحد حتى يقدم لـه جبرائيل (عليه السلام) فرسه(لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كان. مَفْعُولاً) (23)،(24).

هل عرفتم من هي؟

هي السيدة نرجس بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم , وأمها من ولد الحواريين، تنسب الى شمعون وصي المسيح .

أسمها . مليكة . صقيل . سوسن . ريحانة . ونرجس.

كانت هذه الملكة جليلة القدر متميزة بمكانة عالية عند الله .وانها أصبحت ملاذا ومأوى للمتوسلين الذين يلتمسون شفاعتها (عليها السلام )

كما نقل عن الميرزا محمد تقي الشيرازي (قدس سره ) أنه قد أصاب مدينة سامراء مرض الطاعون وأخذ من أهلها مأخذا عظيما بحيث إن اهالي الموتى عجزوا عن دفن امواتهم، فأصبحوا يأتون بهم ويتركونهم في الشوارع آنذاك.

وفي شدة المحنة جاء الميرزا محمد تقي الشيرازي يلتفت إليهم قائلا: اذا صدرت حكما هل هو نافذ أم لا؟.

فرد الجميع: نعم أنه نافذ ويجب أجراؤه

فقال الميرزا: إني أصدرت حكما على جميع الشيعة القاطنين في سامراء أن يقرؤوا زيارة عاشوراء من اليوم الى عشرة ايام، ويهدوا ثوابها الى روح السيدة نرجس (عليها السلام ) والدة الامام الحجة (عجل الله فرجه) ليبعد عنهم البلاء .

فأبلغ الحاضرون حكمه ذاك لجميع الشيعة.

فشرع الموالون بقراءة الزيارة، واذا بالطاعون يرتفع عنهم منذ قراءتهم للزيارة، بينما بقي غيرهم يموتون كالعادة حتى تجلى الامر للجميع.

فسأل بعض من أتباع المذهب الاخرى أبناء الشيعة في سامراء عن سبب ارتفاع الطاعون عنهم، فأخبروهم بالحال، فشرعوا بقراءة الزيارة واهدائها الى السيدة نرجس (عليها السلام) فدفع البلاء عن الجميع.

........................
المصادر.
. الإمام المهدي من المهد إلى الظهور
.أمهات المعصومين .
.درر مهدوية

اضف تعليق


التعليقات

الأديب علي حمزة
بغداد
نص شديد الروعة ينتاب القاريء حالة من الاندماج لتسريع الرتم في تتبع القصة للوصول الى النهاية بسرعة قياسية أمتعتنا جداً2016-05-24