مــــــن مـــــعشر حبهم دين، وبغضهم.......كفـــــر وقــــــربهم منـــــجى ومعتصم

إن عــــــد أهـــــل التـقى كانوا أئمتهم.......أو قيل من خــير أهل الأرض قيل: هم

لا يـــــــستطيع جــــــواد بـــعد غايتهم.......ولا يــــــدانيــــــهم قــــــوم وإن كرموا

هـــــم الغيــــــوث إذا مكا أزمة أزمت.......والأســـــد أسد الشرى والبأس محتدم

لا ينــــــقص العسر بـــسطاً من أكفهم.......سيّان ذلـــك إن أثـــــــروا وإن عـدموا

يستــــــدفع الســــــوء والبلوى بحبهم.......ويســــــتزاد بــــــه الإحــــسان والنعم

مقدّم بــــــعد ذكــــــر الله ذكـــــــرهـــم.......في كل بـــــــدء ومخــــــتوم بــه الكلم

يــــــأبى لـــــهم أن يـحل الذم ساحتهم.......خير كــــــريم وأيـــــد بالــــندى هضم

أي الخـــــــلائق ليــــــست فـي رقابهم.......لأولــــــيـــــــة هــــــــذا أولــــــــه نعم

مـــــــن يـــــــعرف الله يعرف أولية ذا.......والدين من بيت هذا ناله الأمـــــــم(1)

«خلقكم الله أنوارا فجعلكم بعرشه محدقين حتى من علينا بكم فجعلكم فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ»(2).

الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) جده الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (سلام الله عليه).

وجدّته فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وابيه الحسين ريحانة وسبط النبي (صلى الله عليه واله وسلم) سيد الشهداء وأحد سيِّدَيْ شباب أهل الجنّة حيث مضى شهيدا من اجل احياء الشريعة الغراء في واقعة الطف الاليمة.

وأن والدة الإمام السجاد (عليه السلام) هي (شهر بانو) وقيل (شاه زنان)(3) بنت آخر ملوك الفرس، من سلسلة الساسانية (يزدجرد). وقد أُسرت في إحدى الحروب ومثلوا أمام الخليفة الثالث وحضر كبار الأصحاب، فأشار الإمام أمير المؤمنيـن (عليه السلام) إلى الخليفة بإكرامهم ورغّبه في ذلك بذكر حديث الرسول (صلى الله عليه واله وسلم): أكرموا عزيزَ قومٍ ذَل.

فلما تريث الخليفة في ذلك قال الإمام أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام): اعتقتُ منهم لوجه اللـه حقي وحق بني هاشم.

وتبعــــه في ذلك الأنصار والمهاجرون، فلم ير الخليفة بـدّاً من قبول الأمــــر، فأشــــار الإمام أمير المؤمنيــــن (عليه السلام) بأن تُترك كلُّ واحدةٍ لاختيار الزوج المناسب، والسيدة شهر بانو، إحدى بنات يزدجرد عُرض عليها الزواج فاختارت الإمام الحسين (عليه السلام) فتزوجها تكريماً لها. وحملت شهر بانو في تلك السنة وماتت وهي في نفاسها، فتكفلته واحدة من أمهات الأولاد عند الإمام الحسين (عليه السلام)، فنشأ الامام زين العابدين في كنفها، وكان يزعم الناس أنها أُمه بينما كانت مولاته (4).

ولهذا عُرف الامام السجاد بين المؤرخين والمحدّثين بابن الخيرتين؛ لاَنّ أباه هو الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، وأمّه من بنات ملك الفرس كسرى.

قال الزمخشري: أنّ لله في عباده خيرتان: فخيرته من العرب بنو هاشم، وخيرته من العجم فارس (5)، وفي ذلك قال أبو الاَسود الدؤلي:

وإنّ وليداً بين كسرى وهاشمٍ * لأكرمُ من نيطت عليه التمائمُ.

وقد ولد الإمام عليّ بن الحسين (عليهما السلام) في سنة ثمان وثلاثين من الهجرة النبوية الشريفة، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين.

ولكن ولادته كانت في الخميس الخامس من شعبان، ويقال بين الخامس والعاشر من شهر شعبان(6).

واختلف المؤرخون في مكانها، فبعضهم قال: إنّه ولد في الكوفة (7)، فيما قال آخرون إن ولادته كانت في يثرب (8).

اعقابه

روى الشيخ المفيد أن أولاد علي زين العابدين (عليه السّلام) خمسة عشر بين ذكر وأنثى. أحد عشر ذكراً وأربع بنات(9).

وهم: الحسن والحسين والامام محمد الباقر وعبد الله، وامهم هي فاطمة بنت الإمام الحسن (عليه السّلام).

وله من الذكور أيضاً الثائر زيد الشهيد وعمر وأمهما أم ولد.

والحسين الأصغر. وعبد الرحمن وسليمان أمهما أم ولد.

ومحمد الأصغر وعلي الأصغر وكان أصغر أولاده الذكور.

وخديجة وفاطمة وعليّة وأم كلثوم أمهن أم ولد.

اشقاءه (الاخوان)

إخوته:

علي الأكبر، وأمه كانت آمنة بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي.

وعبد الله الرضيع فأمه الرباب بنت امرئ القيس.

أخواته:

وكان له أختان أيضاً: سكينة وفاطمة، فسكينة أمها الرباب بنت امرئ القيس، وأما فاطمة فأمها أم اسحاق بن طلحة بن عبيد الله.

ولقب الامام علي بن الحسين بزين العابدين، وسيد الساجدين، وسيد العابدين، و الزكي، والأمين، والسجاد، وذو الثفنات (10).

ان الامام زين العابدين (سلام الله عليه) نشأ وترعرع واستقى من ينبوع الائمة الطاهرين، اذ ما يقارب سنتين أو أربع منها في كنف جدّه الإمام علىّ (عليه السلام)، ثم عمه الامام الحسن وابيه الامام الحسين (عليهم السلام) وانتهل من علمهم وزق العلم زقا.

وكانت حياته (الصلاة والسلام عليه) لوحة إيمانية نقية، أذ قال عنه جابر بن عبد اللـه الأنصاري الصحابي الشهير: ما رأيت في أولاد الأنبياء شخصاً كعلي بن الحسين (عليه السلام).

وبعد عودته من واقعة الطف الى مدينة جده رسول الله (صلى الله عليه وله وسلم) كان مرجعا واماما للناس، وخطيبا في كل يوم جمعة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة وهي خطب في التربية الروحية والسياسية تشعّ بالروح القرآني، وتتدفق بالبيان العذب، والكلمات المتّسقة، والالفاظ الشائقة، وحسن النظم، وجودة التأليف.

ونكتفي في هذا المقال القصير المختصر ان نسلط الضوء على احدى خطبه السياسية المهمة، اذ ينبه (عليه السلام) الى واقع وحقيقة الشخصية الاسلامية الحقة، عمن يدعي هذه الهوية ويتستر بها من اجل نواياه الخبيثة واغراضه الدنيئة، فيأتي تأكيده (صلوات الله عليه) من خلال الدقة والتحقيق في هذه الهوية، اذ يقول (سلام الله عليه):

«اذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتمارت في منطقه، وتخاضع في حركاته فرويدا لا يغرنكم، فما اكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب المحارم فيها، لضعف بنيته ومهانته وجبن قلبه، فنصب الدين فخاً لها، فهو لايزال يختل الناس بظاهره، فان تمكن من حرام اقتحمه. فاذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام.. فرويداً لا يغرنكم، فان شهوات الخلق مختلفة، فما اكثر من ينبو عن المال الحرام وان كثر، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرّما.

فاذا وجدتموه يعفّ عن ذلك.. فرويدا لا يغرنّكم حتى تنظروا ما عقده عقله. فما اكثر من يترك ذلك اجمع ثم لا يرجع الى عقل متين، فيكون ما يفسده بجهله اكثر ممّا يصلحه بعقله.

فاذا وجدتم عقله متينا.. فرويدا لايغرنكم حتى تنظروا مع هواه يكون على عقله؟ او يكون مع عقله على هواه؟ وكيف محبته للرئاسات الباطلة وزهده فيها؟ فان في الناس من خسر الدنيا والاخرة بترك الدنيا للدنيا، ويرى ان لذة الرئاسة الباطلة افضل من لذة الاموال والنعم المباحة المحللة، فيترك ذلك اجمع طلبا للرئاسة، حتى: (اذا قيل له اتّق الله اخذته العزّة بالآثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد)(11).

فهو يخبط خبط عشواء.. يقوده اول باطل الى ابعد غايات الخسارة، ويمدّ به يده بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه.. فهو يحلّ ما حرّم الله، ويحرّم ما احلّ الله. لا يبالي ما فات من دينه اذا سلمت له الرئاسة التي قد شقي من اجلها، فأولئك مع الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذاباً مهينا.

ولكنّ الرجل.. كلّ الرجل.. نعم الرجل: هو الذي جعل هواه تبعا لأمر الله، وقواه مبذولة في رضاء الله تعالى، يرى الذل مع الحق اقرب الى عز الابد من العز في الباطل ويعلم ان قليل ما يحتمله من ضرّائها يؤديه الى دوام النعم في دار لا تبيد ولا تنفد، وان كثير ما يلحقه من سرّائها ـ ان اتبع هواه ـ يؤديه الى عذاب لا انقطاع له ولا زوال، فذلكم الرجل نعم الرجل، فبه فتمسّكوا، وبسنّته فاقتدوا، والى ربكم فيه فتوسلوا، فانه لا ترد له دعوة، ولا تخيب له طلبة»(12).

هذه هي خطبة حليف القران الخاشع الخاضع لربه عزوجل وهو في قمة العبادة، فاذا توضأ للصلاة يصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء، فيقول: «أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم»(13).

وصور اخلاصه (عليه السلام) وانقطاعه لله تعالى كثيرة، فمنها عندما كان في داره يصلي وهو ساجد في صلاته، فوقع حريق ونار في بيته فجعلوا يقولون له: يا ابن رسول الله، يا ابن رسول الله، النار النار، فما رفع رأسه من سجوده حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها، فقال: «نار الآخرة»(14).

السلام على العابد بعبادة الاحرار، والمنقطع لله سبحانه بعين اليقين، السلام على من اصفر لونه من كثرة العبادة، السلام على من رمضت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود، السلام على من تورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، السلام على من إذا قام إلى الصلاة أخذته الرعدة، فيقول لمن يسأله: «أريد أن أقوم بين يدي ربي وأناجيه فلهذا تأخذني الرعدة».

فالسلام على الملقب بزين العابدين وسيد الساجدين الامام علي بن الحسين (عليهم السلام) ورحمة الله وبركاته).

.............................................
المصادر والهوامش
(1). من ابيات الفرزدق في طبقات الشافعية، ج1، ص153.
(2). الصدوق، من لا يحضره الفقيه: ج2 ص613 ح3213.
(3) وقيل: كان إسمها غزالة، وقيل: سلامة، وقيل: خولة، وقيل: برة، ولا يبعد أن يكون لها أكثر من إسم، كما ورد في أسماء السيدة نرجس والدة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).
(4) اعتمدنا على رواية مأثورة عن الإمام الرضا (عليه السلام) عند المجلسي في بحار الأنوار، ج 46، ص 8.
(5). ربيع الأبرار ج 1، ص 334 | 73.
(6). محمد بن طلحة الشافعي، مطالب المسؤول، ص203.
(7) المسعودي، شذرات الذهب ج 1 ص 104.
(8) ابن الصباغ المالكي، الفصول المهمة، ص 187.
(9) الإرشاد، ص244.
(10) زين الصالحين، وارث علم النبيين، وصي الوصيين، خازن وصايا المرسلين، إمام المؤمنين، منار القانتين والخاشعين، المتهجد، الزاهد، العابد، العدل، البكّاء، إمام الأمة، أبو الأئمة. راجع ابن شهر اشوب، المناقب، ج4 ص175.
(11) سورة البقرة، الآية 206.
(12). التفسير المنسوب للأمام الحسن العسكري (عليه السلام).
(13).كشف الغمة: ج2 ص74.
(14). المصدر السابق، كشف الغمة: ج2 ص74-75.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0