كتبنا في الاعوام السابقة دراسة عن سيرة الامام موسى بن جعفر (ع) تحت عناوين:

1. ذكرى استشهاد راهب بني هاشم الامام الكاظم (ع).

2. سابع الائمة الامام موسى الكاظم (ع).

ونظرا لطول الدراسات المقدمة، لإحياء الذكرى الاليمة، ونزولا لرغبة المؤمنين من الاخوة والاخوات لإعادة كتابة البحوث بشكل مبسط مع التركيز على قضية الاستشهاد ارتأينا كتابة هذا المقال.

اللهم صل على محمد وآل محمد وصل على موسى بن جعفر.. الذى كان يحيي الليل بالسهر الى السحر بمواصلة الاستغفار حليف السجدة الطويلة والدموع الغزيرة الكثيرة والضراعات المتصلة.

لقد استشهد مولانا الامام (ع) في عهد هارون الرشيد، وهذا الحاكم العباسي تجمعت فيه الخصال السيئة من ظلم وارهاب وقتل واضطهاد واستهتار وطغيان.. ولم يكن رشيداً بمعنى الكلمة ولكن مجرد لقب اضافه على نفسه.. وهو صاحب العهد المشئوم، فلقد دبرت الخيزران «ام هارون» مع يحيى البرمكي «رئيس وزراء هارون فيما بعد» عملية اغتيال موسى الهادي (اخو هارون).

فاستولى هارون على الملك ولكن كان نفوذ الخيزران لا يخفى، اذ هي صاحبة الفضل وهكذا يحيى البرمكي.

وقام هارون اول مافعله عند ما استلم الملك بان امر بإخراج جميع الطالبين من بغداد الى المدينة كرهاً لهم ومقتاً.

وبذلك ضرب الرقم القياسي في قتل العلويين واستئصالهم فكان يوصى عماله بذلك بلا ذنب او خطأ بل لمجرد الحقد الدفين لأهل البيت (ع).

ومن العلامات المميزة فى شخصية هارون هو الترف المالي الفظيع وبذخ المال على الجواري والمغنيات والراقصات وما يصاحب ذلك من شرب الخمور وبقية المفردات الفاسدة..

وقد زرع هارون الخوف في نفوس الناس وهناك الكثير من المواقف نذكر منها ما سجّل التاريخُ أنّ الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي الّذي كان مِن أخلص المُقرّبين مِنَ الرشيد يُجرَّدُ من ثيابِهِ ويُضرَبُ ويُهانُ ويُلْعَنُ في مجلس عامٍّ بطلب من الرشيد لأنّه رفّهَ عن الامام الكاظم وخفّف عنه آلام السجن..

والفضل بن الربيع وهومن أبرز الساسة المقرّبين للرشيد، ومن أعمدة البلاط ووزرائه يتحدّث عن موقف جرى له قال الفضل:

«كنتُ ذات ليلة في فراشي مع بعض الجواري، فلمّا كان في نصف اللّيل سمعتُ حركةَ بابِ المقصورة، فراعَني ذلك، فقالتِ الجاريةُ: لعلّ هذا من الرِّيح، فلم يمضِ إلاّ يسيرٌ حتّى رأيتُ بابَ البيتِ الّذي كنتُ فيه قد فُتِحَ، وإذا بمسرور الكبير قد دخل عليَّ، فقال لي: أجِبِ الامير، ولم يُسلِّم عليَّ، فَيَئِستُ مِن نفسي وقلتُ: هذا مسرور، ودخلَ إليَّ بلا إذن، ولم يُسلِّم، ما هو إلاّ القَتْلُ، وكنتُ جُنُباً فلم أجسرْ أنْ أسالهُ إنظاري حتّى أغتسلَ، فقالت لي الجارية لمّا رأتْ تحيّري وتبلّدي: ثِقْ بالله عزّ وجلّ، وانهَضْ، فنهضْتُ، ولبستُ ثيابي، وخرجتُ معهُ حتّى أتيتُ الدّارَ، فسلّمتُ على أمير المؤمنين وهوفي مرقده، فرّد عليَّ السّلام، فسقطتُ، فقالَ: تداخَلَكَ رُعبٌ؟ قلتُ: نعم، يا أمير المؤمنين ! فتركني ساعةً حتّى سكنتُ»

وكان اقبح اعماله واشهرها هي:

1- نبش قبر الامام الحسين (ع)، ومنع زيارته.

2- سجن الامام الكاظم (ع) عدة مرات.

3- قتل الامام الكاظم بأن دس اليه السم.

وكان سبب نبش وتهديم قبر الامام الحسين (ع) لآنه تحول الى قبلة الثائرين ومحطة الرساليين، وكان سبب سجن الامام وذلك الالتفاف الناس الشرفاء حوله والعلماء وطلاب الحق والمضطهدين والمتضررين من سياسة هارون فخاف هارون من اتساع رقعة الامام (ع) واحتوائه قلوب الناس وكان سبب قتله (ع) لان الامام واصل اتصاله وعمله مع الشرفاء من داخل السجن.

واعطى امامنا مفهوما لجميع الناس في العمل هو (عدم الركون للظالمين)

حيث ان الظالمين اذا وجدوا اعوانا ووجدوا مطيعين فانه يستفحل امره.. واذا تجرد الطاغي من الاعوان والمطيعين فانه يسقط بسرعة.

حيث حذر الناس من التعامل مع هارون واتباعه، ورفض كل الوان العمل تحت وصايتهم فمن ذلك.

جاء رجل الى الامام (ع) وقال له: انى رجل خياط اخيط ثياباً لهؤلاء -العباسيين- فهل تراني من اعوان الظلمة؟

فقال الامام (ع) ان الذي يبيعك الخيوط والابر من اعوان الظلمة واما انت فمن الظلمة أنفسهم!!

الى هذا الحد اعتبر الامام (ع) ان الذي يبيع الخيوط لخياط البلاط العباسي من الظلمة او من اعوانهم، وجاءه رجل قال له: لقد استأجر هارون بعض جمالي لقوافل الحج فهل هي في امواله شيء من الحرام؟

فقال: لاتؤجره جمالك فانك تحبه؟ فقال الرجل: لا ابداً.. لا احبه.

فقال الامام: الا ترجو في نفسك ان يعيش هارون حتى ترجع اليك جمالك ويعطيك اجرتك؟

قال: نعم. قال: فأنت اذن معهم ومنهم..

وبهذا الشكل كان الامام يحذر الناس من التعاون مع بنى العباس.

لقد كان الامام (ع) يتعامل مع هارون العباسي بموقف صلب يتحدى هارون الغير رشيد.. وقد استخدم المرونة في بعض الاحيان لمعرفته بنواياه ومن اجل المصلحة العامة.

ولنأخذ أحد المواقف، كمثل:

عن محمد بن طلحة الأنصاري قال: كان مما قال هارون لأبي الحسن(ع) حين اُدخل عليه:

«ما هذه الدار؟

فقال(ع): هذه دار الفاسقين، قال الله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبّرون في الأرض بغير الحق وان يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها وان يروا سبيل الرشد لا يتّخذوه سبيلا وان يَروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلا)(1).

فقال له هارون: فدار من هي؟ قال(ع): هي لشيعتنا فترة ولغيرهم فتنة.

قال: فما بال صاحب الدار لا يأخذها؟

فقال: «اُخذت منه عامرة ولا يأخذها الاّ معمورة».

قال: فأين شيعتك؟ فقرأ أبو الحسن(ع): (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البيّنة)(2).

قال: فقال له: فنحن كفار؟ قال(ع): لا، ولكن كما قال الله (الذين بدّلوا نعمة الله كفراً وأحلّوا قومهم دار البوار)(3).

فغضب عند ذلك وغلظ عليه إذ قد لقيه أبو الحسن(عليه السلام) بمثل هذه المقالة، وما رهبه وهذا خلاف قول من زعم أنه هرب منه من الخوف(4).

ولمّا دخل هارون الرشيد المدينة توجّه لزيارة النبي (صلى الله عليه وآله) ومعه الناس فتقدم الرشيد الى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: السلام عليك يا رسول الله يا ابن عمّ، مفتخراً بذلك على غيره.

فتقدم أبو الحسن (عليه السلام) فقال «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبه» فتغير وجه الرشيد وتبيّن الغيظ فيه»(5).

لقد اسس الامام خلال فترة حكم العباسيين جماعة صالحة علمها المنهاج التربوي لتأصيل الامتداد الشيعي ليواجهوه التحديات والوقوف أمام عمليات الابادة التي بدأ الخلفاء بالتخطيط لها كلما شعروا بتوسيع دائرة أتباع الأئمة (عليهم السلام).

وكان منهج وخط اهل البيت (ع) هو الرفض للظلم والظالمين وأخذ يعمّق في نفوسهم النزاهة والدقة في رفض الظلم، ليمتلكوا وعياً سياسياً يحصّنهم من الانجراف مع التيار الحاكم أو الاستجابة لمخططات الاحتواء بشكل وآخر.

وسار الامام يطبق ما رسمه للشيعة على شكل خطوات فشدد (سلام الله عليه) على أهمية الالتزام بالتقية كقيمة تحصينية.

روى معمّر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن موسى(ع) عن القيام للولاة، فقال(ع): قال أبو جعفر(ع): «التقية ديني ودين آبائي، ولا ايمان لمن لا تقية له»(6).

لقد كان المرتزقة المتملقين يكثرون الوشاية على الامام (ع) خصوصا عندما عارض الامام موسى بن جعفر (ع) سياسة هارون الظالم وعمد فريق من باعة الضمير والدين الذين انعدمت من نفوسهم الإنسانية إلى السعي بالإمام (عليه السلام) وبالوشاية به عند الطاغية هارون ليتزلفوا إليه بذلك، وينالوا من دنياه، وقد بلي بهم الإسلام والمسلمون. وبهؤلاء الأوغاد يستعين الظالمون في جميع مراحل التاريخ على تنفيذ خططهم الرامية إلى إشاعة الظلم والجور والفساد في الأرض.

ولم تتوقف حملات امامنا الاعلامية والفتوى ضد هارون.. وكان هارون يسمع بكل هذا ومن جهة اخرى فان الناس التفوا حول الامام الكاظم باعتباره كبير الطالبين وزعيم آل محمد (ص) ووارث علوم الائمة الهداة، وكان الامام ألمع الشخصيات الإسلامية في ذلك العصر فهومن أئمة المسلمين، وقد أجمع المسلمون على اختلاف مذاهبهم وقد تحدث الناس في عصره عن علومه وتقواه وورعه ومكارمه، وكان هارون نفسه ممن يجله ويعتقد بأن الخلافة الإسلامية هو أولى بها منه كما حدث بذلك المأمون، فقد قال لندمائه:

أتدرون من علمني التشيع؟

فانبروا جميعاً قائلين: لا والله ما نعلم.

علمني ذلك الرشيد.

فقالوا: كيف ذلك؟ والرشيد كان يقتل أهل هذا البيت!!

قال: كان يقتلهم على الملك لأن الملك عقيم.

ثم أخذ يحدثهم عن ذلك قائلاً: لقد حججت معه سنة فلما انتهى إلى المدينة قال: لا يدخل عليَّ رجل من أهلها أومن المكيين سواء كانوا من أبناء المهاجرين والأنصار أومن بني هاشم حتى يعرّفني بنسبه وأسرته، فأقبلت إليه الوفود تترى وهي تعرّف الحاجب بأنسابها، فيأذن لها، وكان يمنحها العطاء حسب مكانتها ومنزلتها، وفي ذات يوم أقبل الفضل بن الربيع حاجبه وهو يقول له: رجل على الباب، زعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).

فلما سمع ذلك هارون أمر جلساءه بالوقار والهدوء، ثم قال لرئيس تشريفاته:

ائذن له، ولا ينزل إلا على بساطي.

وأقبل الإمام (عليه السلام) وقد وصفه المأمون فقال: إنه شيخ قد انهكته العبادة كأنه شن بال قد كلم السجود وجهه، فلما رآه هارون قام إليه وأراد الإمام أن ينزل عن دابته، فصاح الرشيد لا والله إلا على بساطي فمنعه الحجاب من الترجل، ونظرنا إليه بالإجلال والإعظام، وسار راكباً إلى البساط، والحجاب وكبار القوم محدقون به، واستقبله هارون، فقبل وجهه وعينيه، وأخذ بيده حتى صيره في صدر مجلسه وأقبل يسأله عن أحواله ويحدثه، ثم قال له:

يا أبا الحسن، ما عليك من العيال؟

قال الإمام: يزيدون على الخمسمائة.

قال هارون: أولاد كلهم؟

قال الإمام: لا، أكثرهم موالي وحشمي، فأما الولد فلي نيف وثلاثون ثم بيّن له عدد الذكور والإناث.

فقال هارون: لم لا تزوّج النسوة من بني عمومتهن؟

قال الإمام: اليد تقصر عن ذلك.

قال هارون: فما حال الضيعة؟

قال الإمام: تعطي في وقت وتمنع في آخر.

قال هارون: فهل عليك دين؟

قال الإمام: نعم.

قال هارون: كم؟

قال الإمام: نحو من عشرة آلاف دينار.

قال هارون: يا بن العم، أنا أعطيك من المال ما تزوّج به أولادك وتعمر به الضياع.

قال الإمام: وصلتك رحم يا بن العم، وشكر الله لك هذه النية الجميلة، والرحم ماسة واشجة، والنسب واحد، والعباس عم النبي (ص) وصنو أبيه، وعم علي بن أبي طالب (ع) وصنو أبيه، وما أبعدك الله من أن تفعل ذلك، وقد بسط يدك، وأكرم عنصرك، وأعلى محتدك.

فقال هارون: أفعل ذلك يا أبا الحسن، وكرامة.

فقال له الإمام: إن الله عز وجل قد فرض على ولاة العهد أن ينعشوا فقراء الأمة، ويقضوا على الغارمين، ويؤدوا عن المثقل ويكسوا العاري، وأنت أولى من يفعل ذلك.

قال هارون: أفعل ذلك يا أبا الحسن.

ثم انصرف الإمام (ع). فقام هارون تكريماً له فقبّل ما بين عينيه ووجهه ثم التفت إلى أولاده فقال لهم: قوموا بين يدي عمكم وسيدكم، وخذوا بركابه وسووا عليه ثيابه وشيعوه إلى منزله، فانطلقوا مع الإمام بخدمته وأسرّ (ع) إلى المأمون فبشره بالخلافة وأوصاه بالإحسان إلى ولده.

ولما فرغوا من القيام بخدمة الإمام وإيصاله إلى داره، قال المأمون: كنت أجرأ ولد أبي عليه، فلما خلا المجلس قلت له:

يا أمير المؤمنين، من هذا الرجل؟ الذي عظمته وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له.

قال هارون: هذا إمام الناس وحجة الله على خلقه وخليفته على عباده. قال المأمون: يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟

قال هارون: أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) مني ومن الخلق جميعاً، ووالله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عينيك فإن الملك عقيم.

وبقي هارون في يثرب مدة من الزمن، فلما أزمع على الرحيل منها أمر للإمام بصلة ضئيلة قدرها مائتا دينار، وأوصى الفضل بن الربيع أن يعتذر له عند الإمام، فانبرى إليه المأمون وهو مستغرب من قلة صلته مع كثرة تعظيمه وتقديره له قائلاً:

يا أمير المؤمنين: تعطي أبناء المهاجرين والأنصار، وسائر قريش وبني هاشم، ومن لا يعرف نسبه خمسة آلاف دينار، وتعطي موسى بن جعفر وقد عظمته وأجللته مائتي دينار أخس عطية أعطيتها أحداً من الناس.

فثار هارون وصاح في وجهه قائلاً: اسكت، لا أم لك، فإني لو أعطيت هذا ما ضمنته له ما كنت آمنه أن يضرب وجهي بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم(7).

وكان يعتقد هارون بإمامة الامام الكاظم (ع) وأن الخلافة الإسلامية من حقوقه الخاصة، وأنه ليس هناك أحد أولى بها منه، ولكن الذي دعاه ودعا غيره إلى سلبها منه ومن آبائه هو حب الدنيا فالملك عقيم..

لقد كان هارون يعلم بمكانة الإمام، ويعتقد أنه خليفة الله على عباده وأنه وارث علوم الأنبياء، وكان يسأله عما يجري بعده من الأحداث فكان (ع) يخبره بذلك، وقد سأله عن الأمين والمأمون فأخبره بما يقع بينهما فحزّ ذلك في نفسه، وتألم أشد الألم وأقساه.

فقد روى الأصمعي قال: دخلت على هارون، وكنت قد غبت عنه بالبصرة حولاً فسلمت عليه بالخلافة، فأومأ لي بالجلوس قريباً منه فجلست قريباً، ثم نهضت، فأومأ لي أن أجلس فجلست حتى خف الناس ثم قال لي: يا أصمعي ألا تحب أن ترى محمداً وعبد الله ابني؟

قلت: بلى يا أمير المؤمنين، إني لأحب ذلك، وما أردت القصد إلا إليهما لأسلم عليهما..

وأمر هارون العباسي بإحضارهما، فأقبلا حتى وقفا على أبيهما وسلما عليه بالخلافة، فأومأ لهما بالجلوس، فجلس محمد عن يمينه، وعبد الله على يساره ثم أمرني بمطارحتهما الأدب فكنت لا ألقي عليهما شيئاً في فنون الأدب إلا أجابا فيه، وأصابا..

فقال هارون: كيف ترى أدبهما؟

فقلت: يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلهما في ذكائهما، وجودة فهمهما وذهنهما، أطال الله بقاءهما، ورزق الله الأمة من رأفتهما وعطفهما.

فأخذهما العباسي هارون وضمهما إلى صدره، وسبقته عبرته فبكى حتى انحدرت دموعه على لحيته، ثم أذن لهما في القيام فنهضا، وقال:

يا أصمعي كيف بهما إذا ظهر تعاديهما، وبدا تباغضهما، ووقع بأسهما بينهما، حتى تسفك الدماء، ويود كثير من الأحياء أنهما كانا موتى...؟!

فبهر الأصمعي من ذلك وقال له:

يا أمير المؤمنين هذا شيء قضى به المنجمون عند مولدهما أوشيء أثرته العلماء في أمرهما!!

فقال هارون وهو واثق بما يقول:

لا بل شيء أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما...

قال المأمون: كان الرشيد قد سمع جميع ما يجري بيننا من موسى بن جعفر (8).

ولقد كان هارون يحمل حقدا لكل شخصية مرموقة لها المكانة العليا في عصره والسبب في ذلك لئلا يزهد الناس فيه، وقد حاول أن يحتكر الذكر الحسن لنفسه ولذاته.

لقد حسد هارون البرامكة لما ذاع اسمهم، وتحدثت الناس عن مكارمهم فقد أخذ الحقد ينخر في قلبه حتى أنزل بهم العقاب الأليم فمحا وجودهم وأزال ظلهم من الأرض، وكان من الطبيعي أن يحقد على الإمام موسى (ع) لأنه ألمع شخصية في عصره، فقد تناقل الناس فضائله، وتحدثت جميع الأوساط عن علمه ومواهبه، وذهب جمهور غفير من المسلمين إلى إمامته وأنه أحق بمنصب الخلافة منه، وكان يذهب إلى فكرة الإمامة كبار الموظفين في سلك دولته كعلي بن يقطين، وابن الأشعث وغيرهما، وكان هارون نفسه من الذين يؤمنون بأن الإمام هو أولى منه بهذا المنصب الخطير، كما أدلى بذلك.

وقد عبر عن مدى حرصه على سلطته بكلمته المعروفة التي تناقلتها الأجيال وهي:

لو نازعني رسول الله (ص) لأخذت الذي فيه عيناه.

وكان أبغض شيء إليه أن يرى عميد العلويين وسيدهم الإمام موسى (ع) في دعة واطمئنان وأمان، فلم يرق له ذلك دون أن ينكل به فدفعه لؤمه وعداؤه الموروث إلى سجنه وحرمان الأمة الإسلامية من الاستفادة بعلومه ونصائحه وتوجيهاته.

من الأسباب التي حفزت هارون لاعتقال الإمام وزجّه في غياهب السجون احتجاجه (ع) عليه بأنه أولى بالنبي العظيم (ص) من جميع المسلمين فهو أحد أسباطه ووريثه، وأنه أحق بالخلافة من غيره، وقد جرى احتجاجه (ع) معه في مرقد النبي (ص) وذلك حينما زاره هارون وقد احتف به الوجوه والأشراف وقادة الجيش وكبار الموظفين في الدولة، فقد أقبل بوجهه على الضريح المقدس وسلم على النبي (ص) قائلاً:

(السلام عليك، يا بن العم).

وقد اعتز بذلك على من سواه وافتخر على غيره برحمه الماسة من النبي (ص) وأنه إنما نال الخلافة لقربه من الرسول (ص) وكان الإمام آنذاك حاضراً فسلم على النبي (ص) قائلاً: (السلام عليك يا أبت).

ففقد هارون صوابه واستولت عليه موجات من الاستياء حيث قد سبقه الإمام إلى ذلك المجد والفخر فاندفع قائلاً بنبرات تقطر غضباً:

لم قلت إنك أقرب إلى رسول الله (ص) منا؟

فأجابه (ع) بجواب لم يتمكن الرشيد من الرد عليه أو المناقشة فيه قائلاً:

(لو بُعث رسول الله (ص) حياً وخطب منك كريمتك هل كنت تجيبه إلى ذلك؟

فقال هارون: سبحان الله!! وكنت أفتخر بذلك على العرب والعجم.

فانبرى الإمام مبيناً له الوجه في قربه من النبي (ص) دونه قائلاً:

(لكنه لا يخطب مني ولا أزوجه لأنه والدنا لا والدكم فلذلك نحن أقرب إليه منكم).

وأراد (ع) أن يدعم قوله ببرهان آخر فقال لهارون:

(هل كان يجوز له أن يدخل على حرمك وهن مكشفات؟).

فقال هارون: لا.

فقال الإمام: (لكن له أن يدخل على حرمي ويجوز له ذلك فلذلك نحن أقرب إليه منكم)(9).

واندفع هارون بعد ما أعياه الدليل إلى منطق العجز، فأمر باعتقال الإمام (ع) وزجه في السجن(10)

وقد ذكروا: أنّ هارون العباسي قبضه (ع) لمّا ورد إلى المدينة قاصداً للحجّ، وقيّده واستدعى قبّتين جعله في إحداهما على بغل وجعل القبّة الأخرى على بغل آخر، وخرج البغلان من داره مع كلّ واحد منهما خيل، فافترقت الخيل فمضى بعضها مع إحدى القبّتين على طريق البصرة، وبعضها مع الأخرى على طريق الكوفة، وكان عليه السلام في القبة التي تسير على طريق البصرة ـ وإنّما فعل ذلك هارون ليعمي على الناس الخبر ـ وأمر أن يُسلّم إلى عيسى بن جعفر بن المنصور فحبسه عنده سنة، ثمّ كتب إليه الرشيد في دمه فاستعفى عيسى منه، فوجّه الرشيد من تسلّمه منه، وصيّر به إلى بغداد، وسلّم إلى الفضل بن الربيع وبقي عنده مدّة طويلة، ثمّ أراده الرشيد على شيء من أمره فأبى فأمر بتسليمه إلى الفضل بن يحيى، فجعله في بعض دوره ووضع عليه الرصد، فكان عليه السلام مشغولاً بالعبادة، يحيي الليل كلّه صلاة وقراءة للقرآن، ويصوم النهار في أكثر الأَيّام، ولا يصرف وجهه عن المحراب، فوسّع عليه الفضل بن يحيى وأكرمه.

فبلغ ذلك هارون وهو بالرقّة فكتب إليه يأمره بقتله، فتوقّف عن ذلك، فاغتاظ هارون لذلك وتغّير عليه وأمر به فأدخل على العبّاس بن محمد وجرّد وضرب مائة سوط، وأمر بتسليم موسى بن جعفر (عليهما السلام) إلى السندي ابن شاهك.

وكان المأمور بحراسة الإمام(ع) أثناء الطريق من المدينة الى البصرة حسان السروي(11).

وقبل أن يصل الى البصرة تشرّف بالمثول بين يديه عبدالله ابن مرحوم الازدي فدفع له الإمام كتباً وأمره بايصالها الى وليّ عهده الإمام الرضا وعرّفه بأنه الإمام من بعده(12).

وسارت القافلة تطوي البيداء حتى وصلت البصرة، وأخذ حسّان الإمام ودفعه الى عيسى بن أبي جعفر فحبسه في بيت من بيوت المحبس وأقفل عليه أبواب السجن فكان لا يفتحها الاّ في حالتين: احداهما في خروجه للطهور، والاُخرى لإدخال الطعام له(ع).

من الاولويات التي تميز بها الامام داخل السجن هي النشاط العبادي والتوجه لله سبحانه وتعالى، فكان مابين ساجد وراكع وداعي لله عزوجل.

وقد تأثرت اُخت الجلاّد السندي بن شاهك عندما شاهدت من اقبال الإمام وطاعته لله والتي أثّرت في نفسها بعد ذلك واصبحت من المؤمنات، فكانت تعطف على الإمام(ع) وتقوم بخدمته وإذا نظرت اليه أرسلت ما في عينيها من دموع وهي تقول: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل(13).

ويسجل لنا التاريخ قول الامام الكاظم (ع) عندما طلب منه خواص الشيعة ان يوسط لإخراجه من السجن فكان رد الامام:ـ حدثني أبي عن آبائه أن الله عزّ وجلّ أوحى الى داود، يا داود إنه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني، وعرفت ذلك منه الاّ قطعت عنه أسباب السماء، وأسخت الأرض من تحته»(14).

وبعد مكث الامام فترة طويلة بالسجن وتحديه لهارون وصموده أخذ الظالم العباسي بالضغوط على الامام وارسل اليه جاريه أنفذ هارون الى الإمام(ع) جارية وضّاءة بارعة في الجمال والحسن، أرسلها بيد أحد خواصّه لتتولى خدمة الإمام ظانّاً أنه سيفتتن بها، فلما وصلت إليه قال(ع) لمبعوث هارون:

قل لهارون: بل أنتم بهديتكم تفرحون، لا حاجة لي في هذه ولا في أمثالها.

فرجع الرسول ومعه الجارية وأبلغ هارون قول الإمام(ع) فالتاع غضباً وقال له:

ارجع إليه، وقل له: ليس برضاك حبسناك ولا برضاك أخدمناك واترك الجارية عنده، وانصرف.

فرجع ذلك الشخص وترك الجارية عند الإمام(ع) وأبلغه بمقالته.

وأنفذ هارون خادماً له الى السجن ليتفحص عن حال الجارية، فلما انتهى إليها رآها ساجدة لربّها لا ترفع رأسها وهي تقول في سجودها: قدوس، قدوس.

فمضى الخادم مسرعاً فأخبره بحالها فقال هارون: سحرها والله موسى ابن جعفر، عليّ بها.

فجيئ بها إليه، وهي ترتعد قد شخصت ببصرها نحو السماء وهي تذكر الله وتمجّده، فقال لها هارون:

ما شأنك؟!

قالت: شأني الشأن البديع، إني كنت عنده واقفة وهو قائم يصلّي ليله ونهاره، فلمّا انصرف من صلاته قلت له: هل لك حاجة أُعطيكها؟

فقال الإمام(ع): وما حاجتي إليك؟

قلت: إني اُدخلت عليك لحوائجك.

فقال الإمام (عليه السلام): فما بال هؤلاء - واشار بيده الى جهة- فالتفتُّ فاذا روضة مزهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري، ولا أولها من آخرها، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج، وعليها وصفاء ووصايف لم أر مثل وجوههنّ حسناً، ولا مثل لباسهنّ لباساً، عليهن الحرير الأخضر، والاكاليل والدر والياقوت، وفي أيديهن الاباربق والمناديل، ومن كل الطعام، فخررت ساجدة حتى أقامني هذا الخادم، فرأيت نفسي حيث كنت.

فقال لها هارون وقد اترعت نفسه بالحقد:

يا خبيثة لعلّك سجدت، فنمت فرأيت هذا في منامك!

قالت لا والله يا سيدي، رأيت هذا قبل سجودي، فسجدت من أجل ذلك.

فالتفت الرشيد الى خادمه، وأمره باعتقالها واخفاء الحادث لئلاّ يسمعه أحد من الناس، فأخذها الخادم.

واعتقلها عنده، فأقبلت على العبادة والصلاة، فاذا سئلت عن ذلك قالت: هكذا رأيت العبد الصالح(15).

رسالة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) لهارون عن محمد بن اسماعيل قال: بعث موسى بن جعفر(عليه السلام) الى الرشيد من الحبس رسالة كانت: «انه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلاّ انقضى عنك معه يوم من الرخاء، حتى نقضي جميعاً الى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون»(16).

قطع هارون عليه فرض صلاته... قسرا وأظهر كامن الاحقاد

لم يتحمل هارون سماعه لمناقب الإمام ومآثره وانتشارها بين الناس فعزم على قتله، فدعا برطب وأخذ رطبة من ذلك الرطب المهيّأ له، فوضع فيها سماً، وقال لخادمه احمله الى موسى بن جعفر وقل له:

إنّ أمير المؤمنين أكل من هذا الرطب ويقسم عليك بحقه لمّا أكلته عن آخره فاني اخترته لك بيدي ولا تتركه يبقي شيئاً ولا يطعم منه أحداً.

فحمل الخادم الرطب وجاء به الى الإمام(ع) وأبلغه برسالة هارون فأخذ الإمام يأكل من الرطب وكانت للرشيد كلبة عزيزة عنده، فجذبت نفسها وخرجت تجرّ بسلاسلها الذهبية حتى حاذت الإمام(ع) فبادر بالخلال الى الرطبة المسمومة ورمى بها الى الكلبة فأكلتها فلم تلبث أن ضربت بنفسها الأرض وماتت، واستوفى الإمام باقي الرطب وباء مخطط الرشيد بالفشل والخيبة فلم تنجح محاولته في اغتيال الإمام(ع) فأنقذه الله منه وصرف عنه السوء(17).

وبعد أن عانى الامام أقسى ألوان الخطوب والتنكيل بالقيود وبعد ما صبّ الرشيد عليه جميع أنواع الأذى أقدم على قتله بشكل لم يسبق له نظير.

وأن هارون العباسي أوعز الى السندي بن شاهك الأثيم بقتل الإمام (عليه السلام) فاستجابت نفسه الخبيثة لذلك وأقدم على تنفيذ أفظع جريمة في الإسلام فاغتال حفيد النبي العظيم (صلى الله عليه وآله).

فعمد السندي الى رطب فوضع فيه سماً فاتكاً وقدّمه للإمام فأكل منه عشر رطبات فقال له السندي «زد على ذلك» فرمقه الإمام بطرفه وقال له: «حسبك قد بلغت ما تحتاج اليه».

ولمّا تناول الإمام تلك الرطبات المسمومة تسمّم بدنه وأخذ يعاني آلاماً شديدة واوجاعاً قاسية، قد حفت به الشرطة القساة ولازمه السندي بن شاهك الخبيث فكان يسمعه في كل مرة أخشن الكلام وأغلظه ومنع عنه جميع الاسعافات ليعجل له النهاية المحتومة.

وفي الاثناء استدعى السندي بعض الشخصيات والوجوه المعروفة في قاعة السجن، وكانوا ثمانين شخصاً كما حدّث بذلك بعض شيوخ العامة ـ حيث يقول: أحضرنا السندي فلما حضرنا انبرى إلينا فقال:

انظروا الى هذا الرجل هل حدث به حدث؟ فإنّ الناس يزعمون أنّه قد فُعل به مكروه، ويكثرون من ذلك، وهذا منزله وفراشه موسّع عليه غير مضيّق، ولم يرد به أمير المؤمنين ـ يعني هارون ـ سوءاً وإنما ينتظره أن يقدم فيناظره، وها هو ذا موسّع عليه في جميع اُموره فاسألوه.

يقول الراوي: ولم يكن لنا همّ سوى مشاهدة الإمام (عليه السلام) ومقابلته فلما دنونا منه لم نر مثله قطّ في فضله ونسكه فانبرى إلينا وقال لنا:

«أما ما ذكر من التوسعة، وما أشبه ذلك، فهو على ما ذكر، غير أني أُخبركم أيها النفر أني قد سقيت السمّ في تسع تمرات، واني اصفر غداً وبعد غد أموت».

ولمّا سمع السندي ذلك انهارت قواه واضطرب مثل السعفة التي تلعب بها الرياح العاصفة(18).

فقد أفسد عليه ما رامه من الحصول على البراءة من المسؤولية في قتله.

استشهد مظلوماً في حبس السندي بن شاهك في 25 من رجب سنة (183 هـ).

واستشهد صلوات الله عليه بعد مضيّ خمس عشرة سنة من ملكه مسموماً في حبس السنديّ بن شاهك، ودفن بمدينة السلام في المقبرة المعروفة بمقابر قريش في بغداد(19).

ولما استشهد صلوات الله عليه أدخل السنديّ عليه الفقهاء ووجوه الناس من أهل بغداد وفيهم الهيثم بن عديّ، فنظروا إليه لا أثر به من جراح ولا خنق، ثمّ وضعه على الجسر ببغداد، وأمر يحيى بن خالد فنودي: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت قد مات فانظروا إليه، فجعل الناس يتفرّسون في وجهه وهو ميّت، ثمّ حمل فدفن في مقابر قريش، وكانت هذه المقبرة لبني هاشم والأَشراف من الناس قديما(20).

وروي: أنّه (ع) لمّا حضرته الوفاة سأل السندي بن شاهك أن يحضره مولى له مدنيّاً ينزل عنه دار العبّاس في مشرعة القصب ليتولّى غسله وتكفينه، ففعل ذلك. قال السندي بن شاهك: وكنت سألته أن يأذن لي في أن أكفّنه فأبى وقال: «أنّا أهل بيت مهور نسائنا وحجّ صرورتنا وأكفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندي كفني وأريد أن يتولّى غسلي وجهازي مولاي فلان» فتولّى ذلك منه(21).

وقيل: إن سليمان بن أبي جعفر المنصور أخذه من أيديهم وتولّى غسله وتكفينه، وكفّنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفي وخمسمائة دينار، مكتوب عليها القرآن كلّه، ومشى في جنازته حافياً مشقوق الجيب إلى مقابر قريش فدفنه هناك(22).

قال آية الله السيد محمد جمال الهاشمي طاب ثراه

ذكراك نور للحياة ونار... تبكي وتهتف باسمها الاحرار

يا سابع الانوار فى الافق الذي... لمحمد تنمى له الانوار

ومكافح الطغيان لم تلفح له.. نار، ولم يشهر له بتار

كالنور يخترق المدى بشعاعه.. فتنار في امواجه الاغوار

او كالربيع يبث في نسماته.. روحاً به تتنفس الاشجار

قد كنت ترسلها لجيلك دعوة.. تجرى على توجيهها الابرار

فتهز اصنام الطغاة فتنثني.. منها، وكل وجودها انكار

لم يكفهم حكم البلاد وما بها.. من قوة فيها الحياة تدار

كل المشارف ملكهم فلهم على.. كل المشارف شارة وشعار

دنيا الرشيد، وأنها اسطورة.. بفصولها تتندر الاسمار

لم تعرض الاجيال مثل حياتها.. أبداً، ولم تحفظ لنا الآثار

قبعت في كن يرى في جانب.. منه حصير قد علاه غبار

كن اهل البيت قد زهدوا بما.. هامت به الاغيار والاغرار

أأبا الرضـا والشعر يقصرفنه.. عن أن تنال بمدحه الاقمار

لكن حبي شافع لى حينما... يشدو بحمدك شعري الهدار

هذى مواقفك التي اعجازها.. كالفجر تهدم عرشها الأغيار

ورأتك سدّاً دون ما تبغى، وما.. تبغي فناء للهدى ودمار

فمشى ليجلبك هارون لسجنه.. فكان سجنك عزة وفخار

أخفاك مثل الشمس تحجب، وهي.. في طاقاتها تتزود الأقطار

والسجن يصبح فيك مدرسة بها.. تتوجه اللقطاء والأغمار

ونقلت (للسندي) أخبث فاتك... من كيده تتبرأ الأشرار

قاسيت منه نوائباً في وصفها.. بكى البيان وتندب الأشعار

كان هارون يوجه الجزار في.. ما يرتأي، فيطبق الجزار

هل كان يحمل للنبي وآله.. ترة، وفيك ستدرك الأوتار

لم يسترح حتى صرعت بسمه.. يرعاك سجن موحش واسار

وسرت بنعشك مثقلاً بقيوده.. وكانما هو كوكب سيار

وضعته فوق الجسر تقصد هتكه.. فئة يلطخ صفحتيها العار

صاحت عليه لكى تحط مقامه.. فسما وحلق مجده الطيار

رامت لتطفىء نوره، فاذا به.. فجر به تتمزق الأستار

واخذ هارون يتنصل عن قتل الامام (ع) ليس أمام الشيعة فحسب وإنما أمام الاُمة الإسلامية كلّها، وأن تكون طريقة التخلّي من مسؤولية الحادث بأن يستبطن أن المقتول ما هو إلاّ رجل عادي لا وزن له، فعلام هذا التضخيم والتهويل والتشكيك بموته؟

فتخطّى السندي بن شاهك بالاسلوب التالي: حيث وضع الإمام على جسر الرصافة وهو ميت ينظر إليه القريب والبعيد وتتفرّج عليه المارّة قد أحاطت بجثمانه المقدّس شرطة الطاغية القاتل وكشفت وجهه للناس قاصدين بذلك انتهاك حرمته (عليه السلام) والحط من كرامته والتشهير به.

وقد أمر السندي جلاوزته أن ينادوا على جثمان الإمام بذلك النداء المؤلم الذي تذهب النفوس لهوله أسى وحسرة: «هذا إمام الرافضة فاعرفوه» هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت فانظروا إليه ميتاً.

متى قالت الشيعة إنّ الإمام موسى لا يموت؟

نعم قالت الواقفية بذلك والشيعة منهم براء وهارون وجلاوزته أعلم من غيرهم بهذه الحقيقة. لكنه وسيلة من وسائل التشهير وإلصاق التهم بالشيعة بسبب أن الواقفية تذهب الى أن الإمام موسى حي لم يمت وأنه رفع الى السماء كما رفع المسيح عيسى بن مريم.

بهذا الاسلوب حاولت الاجهزة الحاكمة أن تنسب هذا الرأي للشيعة ظلماً، وتبرر الإهانة والاذلال وقد لُحق النداء المذكور بهذا المقطع: ألا من أراد أن يرى الخبيث بن الخبيث موسى بن جعفر(23).

وقد حاول هارون بهذا الاُسلوب ـ بالإضافة الى احتقار الشيعة واذلالهم ـ الوقوف على العناصر الفعّالة منهم والتعرف على مدى نشاطها وحماسها، عن طريق هذا الاستفزاز الصارخ والاعتداء على كرامة الإمام (عليه السلام) أمامها كأسلوب ماكر للتخلّص من خطرهم ليساقوا بعد ذلك للسجون والقبور.

يقول الشيخ باقر القرشي: وأكبر الظن أنّ الشيعة قد عرفت هذا القصد، فلذا لم تقم بأيّ عمل إيجابي ضده(24).

مبادرة سليمان

كان سليمان بن أبي جعفر المنصور رجلا محنّكاً وذا عقل متزن. وقد رأى أنّ الاعمال التي قام بها هارون ما هي إلاّ لطخة سوداء في جبين العباسيين; فإنّ هارون لم يكتف باغتيال الإمام ودسّ السمّ إليه بل ارتكب جملة من الأعمال الوحشية التي تدل على أنه لا عهد له بالشرف والنبل والمعروف والإنسانية من هنا بادر سليمان ـ حين سمع نبأ اخراج جنازة الإمام الى الجسر والنداء الفظيع على جثمانه الطاهر ـ وحاول أن يتلافى الموقف بالتي هي أحسن.

إنّ قصر سليمان كان مطلاًّ على نهر دجلة وحين سمع النداء والضوضاء ورأى بغداد قد اضطربت، قال لولده وغلمانه: ما هذا؟

قالوا: السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر، وأخبروه بذلك النداء الفظيع.

فصاح بولده قائلا: انزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم فان مانعوكم فاضربوهم، وخرقوا ما عليهم من سواد ـ وهو لباس الشرطة والجيش ـ.

وانطلق أبناء سليمان وغلمانه الى الشرطة فأخذوا جثمان الإمام منهم، ولم تبد الشرطة معهم أية معارضة، فسليمان عم الخليفة وأهم شخصية لامعة في الاُسرة العبّاسية وأمره مطاع عند الجميع، وحمل الغلمان نعش الإمام(ع) فجاءوا به الى سليمان فأمر في الوقت أن ينادى في شوارع بغداد:

ألا من أراد أن يحضر جنازة الطيب بن الطيب موسى بن جعفر فليحضر(25).

وأكبر الظن أن سليمان خاف من انتفاضة شعبية أو تمرّد عسكري لأن الشيعة لم تكن قلة في ذلك العصر فقد اعتنق التشيع خلق كثير من رجال الدولة وقادة الجيش وكبار الموظفين والكتّاب لذا تدارك سليمان الموقف وقام بهذه المهمّة وأنقذ حكومة هارون من الاضطراب والثورة(26).

وخرج الناس على اختلاف طبقاتهم لتشييع جثمان الإمام وخرجت الشيعة فعبّرت عن حزنها وأساها بعد هذا التشييع الكبير.

وقال المسيب بن زهرة: والله لقد رأيت القوم بعيني وهم يظنون أنهم يغسلونه فلا تصل أيديهم إليه ويظنون أنهم يحنّطونه ويكفّنونه وأراهم أنهم لا يصنعون شيئاً، ورأيت ذلك الشخص الذي حضر وفاته ـ وهو الإمام الرضا (ع) ـ هو الذي يتولّى غسله وتحنيطه وتكفينه، وهو يظهر المعاونة لهم، وهم لا يعرفونه فلما فرغ من أمره إلتفت إليَّ فقال(ع): «يا مسيّب مهما شككت في شيء فلا تشكنّ فيّ، فإني إمامك ومولاك وحجة الله عليك بعد أبي.

يا مسيب مثلي مثل يوسف الصديق ومثلهم مثل إخوته حين دخلوا عليه وهم له منكرون(27).

وبعد الغسل هرعت جماهير بغداد الى تشييع الإمام فكان يوماً مشهوداً لم تر مثله في أيّامها فقد خرج البر والفاجر لتشييع جثمان الإمام(ع) والفوز بحمل جثمانه، وسارت المواكب وهي تجوب شوارع بغداد وتردد أهازيج الحزن واللوعة، متّجهة نحو باب التبن يتقدمهم سليمان حافياً حاسراً متسلّباً مشقوق الجيب الى مقابر قريش، وحفر له قبر فيها وأنزله سليمان بن أبي جعفر. وبعد الفراغ من الدفن أقبلت الناس تعزّيه بالمصاب الأليم(28).

قضى فغدى ملقى على الجسر نعشه

له الناس لاتدنوا ولاتتوصل

ونادوا على جسر الرصافة حوله

نداء له السبع اطباق تزلزل

.....................................................
الهوامش والمصادر
(1) الأعراف (7): 146.
(2) البينة (98): 1.
(3) ابراهيم (14): 28.
(4) تفسير العياشي: 2/29 الاذيله وعنه في بحار الأنوار: 48/138، ح 13 والاختصاص: 256، بحار الأنوار: 48 / 156.
(5) كامل الزيارات: 18 ب 3 وعنه في بحار الأنوار: 48/136، وفي مناقب آل أبي طالب: 4/345.
(6) الوسائل: 16/204 رقم ح 21359 باب 24 كتاب الأمر والنهي.
(7) البحار: ج11 ص270 – 272.
(8) حياة الحيوان، للدميري: ج1 ص77
(9) أخبار الدول: ص113، وجاء في وفيات الأعيان: ج1 ص394 وفي مرآة الحنان: ج1 ص395، أن الإمام (ع) لما سلم على النبي (ص) بقوله: يا أبت، تغير وجه هارون ولم يطق جواباً، وقال: هذا هوالفخر حقاً يا أبا الحسن، وجاء في (الإتحاف بحب الأشراف) ص55 أن هارون بعدما سمع كلام الإمام ودليله على القرب من النبي (ص) قال له: (لله درك إن العلم شجرة نبتت في صدوركم فكان لكم ثمرها ولغيركم الأوراق)
(10) تذكرة الخواص: ص359.
(11) عيون أخبار الرضا: 1/85 ح 10.
(12) عيون أخبار الرضا: 1/27 ح 13.
(13) تاريخ بغداد: 13 / 31.
(14) تاريخ اليعقوبي: 2/361،
(15) الحلبي في مناقب آل أبي طالب: 4/322.
(16) تاريخ بغداد: 13 / 32 وعنه في تذكرة الخواص: 314، وكشف الغمة: 3/8 عن الجنابذي عن أحمد بن اسماعيل وعنه في بحار الأنوار: 48 / 148، والفصول المهمة: 222 والبداية والنهاية: 10 / 183، والكامل: 6 / 164 وسير اعلام النبلاء: 6 / 283.
(17) عيون أخبار الرضا: 1/101 ـ 102 وعنه في بحار الأنوار: 48/223 ح 26.
(18) روضة الواعظين: 1/260.
(19) اُنظر:المحاسن2: 314 | 32، الكافي1: 397، إرشاد المفيد2: 215، تاج المواليد:121، المناقب لابن شهر آشوب4: 323، الهداية الكبرى:263، كشف الغمة2: 212، تاريخ بغداد 13 | 27، دلائل الإمامة للطبري: 146، تذكرة الخواص: 312. كفاية الطالب:457، الفصول المهمة:232.
(20)عيون أخبار الرضا عليه السلام1: 85|10، إرشاد المفيد2: 239، الغيبة للطوسي28|ضمن حديث6، روضة الواعظين:219، المناقب لابن شهرآشوب4: 327، مقاتل الطالبيين:502، الفصول المهمة239.
(21) إرشاد المفيد2: 243، الغيبة للطوسي:28|ضمن حديث6، كشف الغمة2: 234، مقاتل الطالبيين:504، الفصول المهمة:240.
(22) كمال الدين1: 39، المناقب لابن شهرآشوب4: 328
(23) كمال الدين: 38، عيون الاخبار: 1 / 99 / ح5، وعنهما في بحار الأنوار: 48 / 227 ح29 والفصول المهمة: 54.
(24) حياة الإمام موسى بن جعفر: 2 / 523.
(25) كمال الدين: 38، عيون الاخبار: 1 / 99 / ح 5، وعنهما في بحار الأنوار: 48 / 227 / ح29.
(26) حياة الإمام موسى بن جعفر: 2 / 526.
(27) عيون الاخبار: 1 / 100 ح6. وعنه في بحار الأنوار: 48 / 222 ح29.
(28) كمال الدين: 38، عيون الاخبار: 1 / 99 / ح5، وعنهما في وبحار الأنوار: 48 / 227 ح 29.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0