كم فتاة تحمل تصورًا واضحًا لمستقبلها، ثم تتردد في عرضه على أسرتها؟ وكم امرأة تؤجل التعبير عن رأيها خشية أن يفهم اختلافها بوصفه اعتراضًا على الآخرين؟ أسئلة تستحق التأمل مع ذكرى ولادة السيدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين الإمام علي (عليهما السلام)، في الخامس من جمادى الأولى؛ إذ تدعونا المناسبة إلى مراجعة ما تمنحه بيوتنا ومؤسساتنا للمرأة...
كم فتاة تحمل تصورًا واضحًا لمستقبلها، ثم تتردد في عرضه على أسرتها؟ وكم امرأة تؤجل التعبير عن رأيها خشية أن يفهم اختلافها بوصفه اعتراضًا على الآخرين؟ أسئلة تستحق التأمل مع ذكرى ولادة السيدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين الإمام علي (عليهما السلام)، في الخامس من جمادى الأولى؛ إذ تدعونا المناسبة إلى مراجعة ما تمنحه بيوتنا ومؤسساتنا للمرأة من مساحة للتعلم والمشاركة والتعبير، وما تتركه محبتنا لأهل البيت عليهم السلام في تفاصيل معاملتنا اليومية.
تحضر السيدة زينب (عليها السلام) في وجداننا بما تجسّده من علم وشجاعة وصبر وتحمل للمسؤولية. وقد اقترن حضورها في كربلاء بموقف واعٍ، ورعاية للعيال، وحمل رسالة الإمام الحسين (عليه السلام). وكان لكلمتها بعد الفاجعة دور في بيان مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) ومواجهة الظلم. ومن هذا الحضور نستمد سؤالًا يخص واقعنا: كيف نقدر عقل المرأة، ونصغي إلى رأيها، وندعم قدرتها على اتخاذ موقف يصون كرامتها ويخدم أسرتها ومجتمعها؟
تمنحنا سيرة السيدة زينب (عليها السلام) مجالًا لفهم العلاقة بين الإيمان وقوة الشخصية؛ فقد اجتمعت في مواقفها العناية بالآخرين، وحفظ الرسالة، والشجاعة في الكلمة. وهذه المعاني توسع نظرتنا إلى دور المرأة، وتدعونا إلى تقدير معرفتها وقدرتها على المبادرة، إلى جانب تقدير عطائها. فالأسرة تستفيد من امرأة واعية تشارك في معالجة مشكلاتها، والمجتمع يحتاج إلى علم النساء وخبراتهن وإسهامهن في تربية الأجيال وصناعة الوعي.
ومع ذلك، تقدر قوة المرأة في بعض البيوت بقدر ما تستطيع احتماله من أعباء. تمدح الأم لأنها تؤجل راحتها، وتثنى الأسرة على الابنة التي تستجيب لرغبات الجميع، وتحظى الزوجة بالتقدير كلما استوعبت الضغوط بصمت. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا العطاء إلى توقع دائم، فتبدو حاجتها إلى الراحة أو رغبتها في المشاركة بالقرار أمرًا يحتاج إلى شرح طويل. هنا تصبح مراجعة مفهوم التقدير ضرورة؛ لأن الاعتراف بجهدها ينبغي أن ينعكس على معاملتها، وتقاسم مسؤولياتها، واحترام احتياجاتها.
تظهر أهمية هذه المراجعة عندما تصل فتاة إلى اختيار تخصصها الدراسي. قد تمتلك ميلًا واضحًا وقدرة تؤهلها للنجاح، بينما تدفعها الأسرة نحو اختيار آخر بدافع الخوف على مستقبلها. والحرص الأبوي مفهوم، وتزداد فائدته حين يقترن بمعرفة قدراتها والاستماع إلى أسبابها ومناقشة الفرص المتاحة أمامها. فالحوار يمنح القرار أساسًا أمتن، ويعلّم الفتاة التفكير وتحمل المسؤولية، ويحفظ للأسرة دورها في الإرشاد والمساندة. ومن الوفاء لقيمة العلم التي نجلّها في بيت أمير المؤمنين عليه السلام أن نعتني بتعليم بناتنا وتنمية وعيهن.
وفي الحياة الزوجية، تنمو المشاركة من تفاصيل يومية: مناقشة الإنفاق، وتنظيم الوقت، وتربية الأبناء، واحترام احتياجات كل طرف. فالمرأة التي تتحمل نتائج القرارات تحتاج إلى حضور حقيقي في اتخاذها. وإصغاء الزوج إلى رأي زوجته يعزز الثقة بينهما، ويمنح الأبناء مثالًا عمليًا على التعاون. وحين يعتاد أفراد الأسرة التشاور، يصبح الاختلاف فرصة لفهم أوسع، وتجد المودة طريقها إلى السلوك؛ عبر سؤال صادق، وقرار مشترك، واستعداد لمراجعة الرأي.
وتحتاج بيئة العمل إلى الإنصاف نفسه. فقد تكلف موظفة بمهام إضافية اعتمادًا على كفاءتها، ثم يستثقل اعتراضها عندما تطلب توزيعًا عادلًا للمسؤوليات. وقد يوصف إصرارها بالحدة، بينما يفهم موقف مشابه من زميلها بوصفه ثقة بالنفس. معالجة هذه المواقف تبدأ بمعايير واضحة تحترم الجهد والاختصاص، وتتيح للجميع التعبير عن ملاحظاتهم. واستلهام شجاعة السيدة زينب (عليها السلام) في الكلمة يدعونا إلى مراجعة استعدادنا لسماع كلمة المرأة حين تكشف خللًا أو تطالب بحق.
أما الصبر، بما يحمله من منزلة أخلاقية وإيمانية، فيستحق أن نقدمه مقرونًا بالمساندة. لقد اجتمع صبر السيدة زينب (عليها السلام) مع وضوح الموقف وقوة التعبير وحفظ الكرامة، وظلت رسالتها حاضرة وسط شدة المصاب. واستحضار هذه المعاني يحملنا مسؤولية أخلاقية حين تتحدث امرأة عن تعب أو أذى؛ فنصغي إليها، ونتفهم ظروفها، ونساعدها على الوصول إلى معالجة منصفة. وتكتسب النصيحة أثرها عندما يصاحبها سعي إلى تخفيف المعاناة ومعالجة أسبابها.
كم تحتاج أمّ مرهقة إلى من يتقاسم معها أعمال المنزل، وكم تحتاج موظفة متضررة إلى من ينظر بجدية في شكواها، وكم تحتاج طالبة متعثرة إلى دعم يعيد إليها الثقة. هذه الاستجابات تمنح القيم أثرًا ملموسًا، وتجعل الحديث عن الاقتداء مسؤولية يمارسها كل فرد بحسب موقعه. فبعض الأعباء تخف بساعة من المساعدة، وبعض المخاوف تتراجع بحوار صادق، وبعض الحقوق تُصان بموقف منصف في وقته.
وتبدأ التربية على هذا الإنصاف منذ الطفولة. البنت التي يحترم سؤالها وتناقش أفكارها تتعلم أن لصوتها قيمة، والولد الذي يرى والده يستشير والدته يتعلم المشاركة من سلوك يومي. وعندما نعرّف أبناءنا بسيرة السيدة زينب (عليها السلام)، نستطيع أن نقرب إليهم معاني علمها وثباتها ومسؤوليتها، ونمنح هذه المعاني امتدادًا في تربيتهم على احترام المرأة وتقدير رأيها.
تدعونا ذكرى ولادة السيدة زينب (عليها السلام) إلى أن نسأل عمّا تتركه محبتها في أخلاقنا وعلاقاتنا. قد تبدأ الإجابة بالاستماع إلى ابنة، أو مراجعة قرار عائلي، أو إنصاف زميلة، أو تخفيف حمل عن أمّ. وحين تجد المرأة تقديرًا لعقلها، واحترامًا لكلمتها، ودعمًا لقدراتها، يأخذ اقتداؤنا بالسيدة زينب (عليها السلام) طريقه إلى حياتنا، وتثمر محبتنا لأهل البيت (عليهم السلام) رحمةً وعدلًا وحسن معاملة.



اضف تعليق