تعرض المسلمون في عهد الامام الصادق، عليه السلام، الى هزّة فكرية وعقائدية عنيفة بسبب السياسات المتبعة من قبل من كانوا ينعتون انفسهم بـ "الخلفاء" من بعد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، فقد كانت المرحلة الانتقالية من الحكم الأموي الى الحكم العباسي، بمنزلة الاعاصير التي تضرب إيمان وعقيدة وأخلاق المسلمين التي شُيدت خلال حوالي قرن من الزمن، بجهاد وتضحيات النبي وأهل بيته واصحابهم. فلم يرى المسلمون آنذاك، سوى الاستئثار بالمال العام والاستغلال البشع للسلطة وتفشي الطبقية وضياع القيم الاخلاقية والانسانية، وعودة الكثير من القيم الجاهلية وأبرزها تحكيم منطق القوة بهدف الهيمنة والتسيّد، الامر الذي فتح الأبواب أمام الافكار الفلسفية القادمة من الغرب والتي تدّعي البحث عن الحقائق في الحياة والكون، فبدأت شريحة كبيرة من المجتمع الاسلامي آنذاك، تشكك بمساعدة هذه الافكار بما آمنت به من قبل، بالعدل والمعاد والثواب والعقاب وحتى التشكيك بالنبوة والتوحيد.

في مثل هكذا أجواء عاش الامام الصادق، عليه السلام، فاذا كان كما يقول المؤرخون بأن عهده كان أفضل العهود التاريخية لنشر علوم وثقافة أهل البيت، عليهم السلام، فانه كان من أصعبها وأكثرها تعقيداً في التعامل مع المخلفات الفكرية والثقافية للصراع الدموي على السلطة وانحراف الحكام وطغيانهم. وهذا ما دعا الامام، عليه السلام، لأن يتعامل مع مجتمع ذلك الوقت بمنتهى الذكاء والحنكة باتباع منهج العقل والحكمة ومطابقة الاحكام والتعاليم مع الفطرة الانسانية. وهذا ما كان يعجز أكثر الملحدين جدلاً وأشد المعاندين، فينسحبون بهدوء من أمام الامام، عليه السلام، ويقرون بحقانيته.

وبالإمكان ملاحظة هذا المنهج في عديد مناظرات الامام الصادق، عليه السلام، مع الزنادقة والملحدين والمشككين، وهو ما استوقف المستشرقين والعلماء الغربيين، حيث ابهرهم تعامل الامام، مع هذه الشريحة، وهو شخصية مقدسة ومن نسل خاتم الانبياء، وهذا ما نقرأه بين ثنايا كتاب "الامام الصادق كما عرفه علماء الغرب"، ففي عدة فصول يذكر علماء الغرب كيف أن الامام، عليه السلام، يواجه الزنادقة وهم يوجهون اسئلة استنكارية واحتجاجية على الدين والخالق، وهو يقابلهم بالابتسامة والهدوء. كما لو أنهم يتوقعون رد فعل عنيف منه، عليه السلام، بالتكفير او على الاقل، بإنهاء المحاورة والمناظرة، وغير ذلك.

ومن أبرز الزنادقة المشككين آنذاك، كان هنالك شخص يدعى "ابن أبي العوجاء"، وذات مرة سأل الإمام الصادق، عليه السلام، في تبديل الجلود في النار، وقال: ما تقول هذه الآية: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها}، هب هذه الجلود عصت فعُذبت، فما بال الغير يُعذب؟‍!.

فقال الامام الصادق: ويحك...! هي، وهي غيرها، قال: أعقلني هذا القول. فقال الامام، عليه السلام: أرأيت أن رجلاً عهد الى لبنة فكسرها، ثم صبّ عليها الماء وجبلها، ثم ردها الى هيئتها الاولى، ألم تكن هي، وهي غيرها؟ فقال: بلى، أمتع الله بك...".

أوذاك الشكاك الآخر الذي لقي الإمام الصادق، عليه السلام، عند بيت الله الحرام، وسأله عن الخالق: "ما منعه إن كان الامر كما يقولون أن يظهر لخلقه يدعوهم الى عبادته حتى لا يختلف فيه اثنان، ولم يحتجب عنهم، ويرسل اليهم الرسل، ولو باشرهم بنفسه كان أقرب الى الإيمان به؟!".

فقال الامام، عليه السلام: "ويلك...! كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك، نشؤك بعد أن لم تكن، وكبرك بعد صغرك، وقوتك بعد ضعفك، وضعفك بعد قوتك، وسقمك بعد صحتك، وصحتك بعد سقمك، ورضاك بعد غضبك، وغضبك بعد رضاك، وحرنك بعد فرحك وفرحك بعد حزنك، وعزمك بعد أنابتك، ورغبتك بعد رهبتك، ورهبتك بعد رغبتك، ورجاؤك بعد بأسك، وبأسك بعد رجائك، وخاطرك في وهمك وغروب ما أنت معتقده عن ذهنك"، ثم قال ذلك الشخص: "وما زال يعد عليّ قدرته التي هي في التي لا أدفعها، حتى ظننت أنه سيظهر فيما بيني وبينه"!.

إن عبقرية الإمام الصادق، عليه السلام، تمثلت للعالم والاجيال في اتباعه منهجاً حضارياً رائداً في مواجهة أولئك المشككين بالعقيدة من الباب الذي خرجوا منه من الإيمان بالله والآخرة، فقد أغري هؤلاء بوجود العلم الحقيقي والكامل الذي لا يحتاج لا تحتاج الى دليل ولا تحتمل الشك للوصول الى اليقين، وهو ما وعد به فلاسفة اليونان، وكان تلقي المسلمين هذه التصورات للنجاة مما هم عليهم من الظلم والطغيان والانحراف الذي كانوا يعيشونه في ظل تلك الفترة. لذا أشار الامام الصادق، عليه السلام، الى هذه الفئة، والى جميع المسلمين في زمان ومكان بأن "اذا خرجت من الافكار الى منزلة الشك، فإني أرجو ان تخرج الى المعرفة". بمعنى أن الامام شجع تلامذته وجميع المسلمين على البحث العلمي وفق المنهج القرآني الذي يحفّز عقل الانسان على التفكر والتدبر في حقائق الكون والحياة والاستفادة من تجارب الماضين، وليس الاعتماد كليةً على الجهد الفردي بالاستدلال والاستنتاج كما دعا الى ذلك الفلاسفة.

واذا نفخر بوجود جامعة علمية متكاملة للإمام الصادق، عليه السلام، منذ ذلك اليوم، فان الفضل الى هذا المنهج العقلي الذي دحض به كل اشكالات الزنادقة والملحدين والمشككين الذين اثاروا الحديث حول الجبر والاختيار والقضاء والقدر وغيرها، من خلال نظريته العقلية التي جسدها بقوله: "الحسن الجوهر هو العدل، لأنه علة كل حسن، والجور هو القبح لأنه علة كل قبح". وهكذا سد كل الطرق أمام الانحراف الفكري والعقائدي الذي هدد الامة بشكل خطير في القرن الثاني الهجري، وتمكّن بنجاح أن يقوّم هذا الانحراف ويحفظ الامة وابنائها من أن يكونوا مثل المسيحيين ما يزالوا يخوضون في "الناسوت واللاهوت"، و يبتلون بالتثليث، ثم تكون الديانة المسيحية فارغة من محتواها الحقيقي الذي جاء به النبي عيس، عليه السلام.

هذا الخطر يحذر منه الكثير في القرن الخامس عشر الهجري، أي بعد حوالي ثلاثة عشر قرناً من الزمن، حيث تنتشر بين المسلمين، لاسيما شريحة ا لشباب، دعاوى الإلحاد والتشكيك بقيم الدين، فما هي الوسيلة المفضلة للمعنيين للتعامل مع هذا الواقع الجديد؟ .

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0