خيَّمَ الوجومُ على وجوهِ المسلمينَ ثمَّ أَجْهَشوا بِالبُكاءِ وهم يسمعونَ رسول الله (ص) يطلبُ القصاصَ من نَفْسِهِ بقوله {معاشرَ المسلمينَ؛ أُنشِدُكم بالله وبحقّي عليكُم مَن كانت له قِبَلي مظلمةٌ فليقُم فليقتصَّ منّي قبلَ القصاصِ في يَوْمِ القِيامةِ}.

فهل انَّ رسولَ الله ظلمَ احدٌ من المسلمين ليطلبَ منهم ذلك؟ هل تجاوزَ على حقٍّ؟ هل مدَّ يدهُ على المالِ العام وتصرَّفَ به بِغَيْرِ وجهِ حقٍّ؟ هل أخذَ رشوةً او (عمولةً) وندِم عليها؟ هل قصَّر في واجباتهِ؟ هل تمتَّع بحقٍ ومنعَ الآخرين مِنْهُ؟ هل أمر النّاس بشيء تباطأ هُوَ عن فعلهِ؟ هل نهاهُم عن منكرٍ ثمَّ فعلهُ هُوَ؟.

فلماذا، إذن، يطلب الرّسول الكريم (ص) القصاص عندما نُعِيَت له نَفْسَهُ بمثلِ هذا اليوم من العام الحادي عشر للهجرةِ فيأمر بِلالاً ان يؤذّن ليجتمعَ المسلمون في المسجد النّبوي ليُلقي عليهم آخر خطبةٍ لهُ في حياتهِ يطلب منهم القَصاص من نَفْسِهِ؟!.

لقد كانَ رسول الله (ص) في قمّة السّمو الاخلاقي عندما خاطبهُ القرآن الكريم بقوله عزَّ مَن قائِل {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} ولذلك فهو عندما طلبَ القَصاص من نَفْسِهِ ثبَّت مبدأين إِثنينِ في غاية الأهميّة هُما حَجر الزّاوية في تحقيق النّزاهة والاستقامة في المجتمع سواء على الصّعيد الاجتماعي او على صعيد الدّولة ومؤسّساتِها؛

المبدأ الاوّل؛ هو انّ القانون فَوْقَ الجميع، لا يُستثنى مِنْهُ احدٌ ابداً مهما كان موقعهُ في الدّولة والمجتمع، لانّ الاستثناء يُسقط هيبة القانون في المجتمع، وبالتّالي ستسقُط هَيْبَة الدّولة برمّتها فتعمّ الفوضى في المجتمع الذي سيحكُمهُ قانون الغاب.

ولذلك كان رسول الله (ص) حريصٌ جداً على ان يعلّم المجتمع احترامَ القانون والخضوعُ واللّجوء اليهِ في كلِّ الامور بلا استثناءاتٍ ابداً فقال قولتهُ المشهورة محذّراً من التّمييز أمام القانون {إنّما أُهلكَ الذين قبلكُم، أنَّهم كانوا إذا سرَقَ فيهم الشَّريف تركوهُ، وإذا سرقَ فيهم الضَّعيف أقاموا عليهِ الحدّ}.

كما انّ امير المؤمنين (ع) لم يتردّد لحظةً في المثولِ أمام القضاء كلّما دُعي اليه للمرافعةِ أمامَ خصمٍ ما سواءً كان في السّلطة او خارجها، وفي المقابل لم يَكُن يقبل شفاعةَ أحدٍ لأَحدٍ اذا ثبُتَ عليهِ جرمٌ وأصدرَ القضاءُ حُكمهُ عليه، وهو القائل عندما وبّخ أحدُ ولاتهِ بسببِ فسادٍ ماليٍّ ارتكبهُ في عهدهِ {وَ وَاللهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فعَلاَ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ، مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ، وَلاَ ظَفِرَا مِنِّي بَإِرَادَة، حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا، وَأُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا}.

المبدأُ الثّاني؛ بناء الأُسوة والقُدوة في الدّولة والمجتمع، فاذا كان المسؤول نزيهاً عفيفاً نظيفَ اليد، حقَّ لهُ ان يعلِّم الآخرين النّزاهة والعفّة كما جاز لهُ محاسبتهُم ومُعاقبتهم اذا أَفسدوا، امّا اذا كان المسؤولُ فاسداً ولِصاً متجاوزاً على المال العام وعلى حقوقِ النّاس، فلا يحقُّ له ان يتصدّى للفساد ابداً، بل لا يقدر على ذلك لانَّ [فاقدَ الشّيءِ لا يُعطيهِ] كما تقول الحكمة، ولهذا السّبب كان رَسُولُ الله (ص) حريص جداً على تقديم النّموذج النّزيه والعفيف والطّاهر للآخرين، في الجاهليَّة وقبل الاسلام، ليتسنّى لهُ دعوتهُم الى النّزاهة ومحاربة الفساد، ولذلك فعندما دعا الى القَصاص من نَفْسِهِ انّما قدّمها للمسلمين كنموذجٍ للنّزاهة وعلى مختلف الاصعدة، لئلّا يدّعي أَحدٌ انّ الافلات من القَصاص سُنّة اذا قدِرَ أحدٌ على الإتيانِ بها، وهو الامر الذي كان يحرص عليه (ص) في كلّ سيرتهِ العطِرة حتّى قال الله تعالى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} وقال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.

وعندما طلبت تِلكَ المرأةُ من رَسُولِ الله (ص) ان ينصحَ صغيرها بالامتناعِ عن تناول الرّطب لنصيحةِ الطّبيب لهُ، ردّها الى منزلِها لتعودَ اليه في اليومِ الثّاني، وفي اليوم التّالي نصحهُ رسول الله (ص) بعدم تناول الرّطب، ثم أخذت الأُمُّ ولدها وانصرفت، فسأَل الصّحابةُ رسولَ الله (ص) عن سرّ تأجيل النّصيحة، فقال (ص) بما معناهُ {بالأَمسِ كنتُ آكلُ التَّمرَ عندما جاءتني المرأة بولدِها فكيفَ أَنصحهُ بالامتناعِ عَنْهُ؟ أمّا اليوم فلم آكلَ شيئاً مِنْهُ!.

عندما يَكُونُ المسؤولُ نموذجاً ودقيقاً الى هذا الحدِّ يحقُّ له ان يعلِّم الآخرين معنى النّزاهةِ والعفّةِ، ولذلك فعندما استعمَلَ رَسُولُ الله (ص) رجلاً من الأزدِ على صدقاتِ بني سُليم يُدعى إِبنُ اللَّتبيّة، فلما جاء بالحقوقِ حاسبه قائلاً: هذا مالكُم، وهذا هديّة! فقال رسول الله (ص) {فهلّا جلستَ في بيتِ أبيكَ وأمّك حتى تأتيكَ هديّتك إن كُنتَ صادقاً}؟! ثم خطب (ص) فحمِد الله وأثنى عليه وقال {أمّا بعدُ فإنّي استعملُ الرّجل منكُم على العملِ ممّا ولاّني الله، فيأتي فيقولُ: هذا مالكُم وهذا هدّية أهديَت لي، أفلا جلسَ في بيتِ أبيهِ وأمّهِ حتّى تأتيهِ هديّتهُ؟ والله لا يأخذَ أحدٌ منكم شيئاً بِغَيْرِ حقِّهِ إلا لقيَ اللهُ يحملهُ يَوْمَ القيامةِ، فلأعرِفنَّ أحداً منكُم لقي الله يحملُ بعيراً لهُ رغاءٌ أو بقرةً لها خوارٌ أو شاةً تَيْعَرُ، ثمَّ رفع يدهُ حتّى رؤي بياض إبطهِ يَقُول: اللهمَّ هل بلَّغتُ؟.

امّا أمير المؤمنين (ع) فقد قدّم نموذجاً رائعاً في النّزاهة ونظافة اليد والحرص على بيتِ المالِ وتحقيق العدالة في المجتمع بشكلٍ حقَّ له ان يضرِب بيدٍ من حديدٍ على كلِّ مَن تسوّل له نَفْسَهُ الفساد وبأيِّ شكلٍ من الأشكال، فلطالما حاربَ الامام الرّشوة التي كان يسمّيها الفاسدون آنذاك بالهديّة لشرعنتِها، وهي بالمصطلح المعاصر (المتحضّر) يسمّيها الفاسدون (العمولة).

فعندما حاول أحدُ الفاسدينَ رشوتهُ (ع) بعنوان الهديّة قال عليه السلام يصفُ الحيلة {وَأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفَوفَة فِي وِعَائِهَا، وَمَعْجُونَة شَنِئْتُهَا، كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِريقِ حَيَّة أَوْ قَيْئِهَا، فَقُلْتُ: أَصِلَةٌ، أَمْ زَكَاةٌ، أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَذلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ! فَقَالَ: لاَ ذَا وَلاَ ذَاكَ، وَلكِنَّهَا هَدِيَّةٌ، فَقُلْتُ: هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ! أَعَنْ دِينِ اللهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي؟ أَمُخْتَبِطٌ [أَنْتَ] أَمْ ذُو جِنَّة، أَمْ تَهْجُرُ؟}.

هاتان القاعدتان الاستراتيجيّتان اذا لم يأخُذا مكانهُما في العراق اليوم (المجتمع والدّولة) فلا يُمْكِنُ ان نحقق ايَّ تقدمٍ في الحربِ على الفسادِ.

ان تركِ (العجولِ السّمينةِ) من رؤوس الفسادِ وشأنها تسرحُ وتمرحُ من دونِ حسابٍ، والانشغال بتسميةِ صغارِ الفاسدين لا يغيّرُ من الواقع الفاسدِ شيئاً ابداً، ولا يُساعدُ على إِعادةِ المال المنهوب الى خزينةِ الدَّولةِ الّا اللّمَمِ، انّهُ ضحكٌ على الذّقونِ لا ينخدع به العراقيّون ابداً.

فليس المقصود بالضّرب بيدٍ من حديدٍ، الذي أوصى به الخطاب المرجعي، ملاحقة اللّصوص الصغار الذين لا يقدّمون ولا يؤخّرون، فهم ليسوا بحاجةٍ الى يدٍ حديديّةٍ لانتزاع المال العام المسروق منهم، اذ يكفيهم كفٌّ واحدة لتنتزع منهم كلّ سرقاتِهم، وانّما اليد الحديديّة للحيتانِ الكبيرةِ الّتي سرقت الدّولة باكملِها، ولا تزال، حتى أَفلَستِ الخزينةِ العامّةِ او كادت.

هل يُعقل انّهُ وبعد أشهرٍ مديدةٍ من إِعلانِ الحرب على الفسادِ لم يرَ العراقيّون حتّى (عِجلاً سميناً) واحداً على الأقل يقف خلفَ القُضبان يُدلي بشهادتهِ أَمام القضاء ويكشف عن حركةِ المال العام المنهوب للشّعب العراقي؟!.

الى متى تظلّ النّزاهة تستثني (العُجول السّمينة) من عملِها وكأنّها غير معنيّةً بهم، ويظلّ كبار الفاسدين في منأىً عن القانون لا يطالُهم ولا يُحاسبهم ولا حتى يدقّق في ملفّاتهم؟!.

انّ جديّة النزاهة في البلد وحزمها تتّضح عندما يتمّ مُلاحقة (العِجل السّمين) فلا يمكن ابداً الاطمئنان لأيِّ جهدٍ في مجال النّزاهة والحربِ على الفساد والإصلاح الا اذا رأى العراقيون وبأسرعِ وقتٍ (عجلاً سميناً) واحداً على الأقل خلفَ القُضبان.

انّ مثل هذه الخطوة الحقيقيّة ستمنح الحرب على الاٍرهاب قوّة مصداقيّة تُعادل كلّ الجهد المبذول لحدِّ الان.

وانّ كلّ المؤسّسات المعنيّة بالنّزاهة لا تكسب ايّة مصداقيّة الا بذلك، فالانشغال بملاحقةِ صغار الفاسدين لا يُجدي نفعاً.

وبمثل هذه الخطوة سنضع (النّزاهة) على السّكة الصّحيحة لتسير بشكلٍ سليمٍ، امّا ان نظلّ نلفّ وندور حول الحقيقة من دون التحلي بالشّجاعة لاقتحامِها ولو لمرّةٍ وَاحِدَةٍ فانّ ذلك لا يُجدي شيئاً ابداً بل انّهُ يزيدُ الامرَ تعقيداً وهذا ما نراهُ اليوم.

هذا من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر فإننا اذا أردنا ان نحمي المؤسّسة، ايّة مؤسّسة، من الفساد يجب ان نضعَ على رأسِها مسؤولاً نزيهاً، في الاسرةِ والمدرسةِ والجامعة والوزارة وفي كل مؤسّسةٍ أُخرى، لانّ المسؤول الفاسد يشجّع على الفساد لحمايةِ نَفْسِهِ، فتراهُ يجمع مِن حولهِ بِطانةً فاسدةً ومستشارينَ فاسدينَ وموظفين فاسدينَ، ثمّ يحتفظ لهم بملفّاتٍ يهدّدهم بها عند الحاجة كما كانَ يفعل ذلك (القائد الضّرورة) على حدِّ وصفِ السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي.

انّ الحربَ على الفسادِ بحاجةٍ الى مسؤولٍ شُجاعٍ قادرٍ على مواجهةِ الفاسدينَ، ولا يكون المسؤول شجاعا الا اذا كان نزيهاً، لانّ الفاسدَ يعيشُ الخوفَ والرُّعبَ دائماً.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0