"لعن الله من تخلف عن جيش أسامة"

رسول الله في أيامه الاخيرة

بهذه العبارة الصارمة أصدر أوامره لتسيير جيش جرار ضم آلاف المقاتلين من مختلف القبائل والامصار صوب تخوم حدود الدولة الاسلامية مع الروم.

ما سبب هذه الصرامة والشدّة من النبي لأصحابه ولعامة المسلمين؟

جاء في التاريخ أن أسامة بن زيد كان شاباً حدث السن في أعين المدعين للصحبة والأسبقية، ومن مشايخ القوم، بينما كان في نظر النبي القائد الكفوء، وليعطي درساً آخراً في أيامه الاخيرة للمعايير الصحيحة لمن يجب ان يكون قائداً في الامة.

ولكن! يبدو ان البعض كان مصراً على تجاهل الدرس والخروج من مدرسة النبي الاكرم التي تستقي مناهجها من السماء مباشرة، وأرادوا صنع معايير خاصة لهم يعيدون الذاكرة بها الى العهد الجاهلي، وكيف كان الشخص الفتّاك والقاسي، وذو تجربة في الحرب هو القائد المؤهل لقيادة الامة.

رحل النبي الأكرم عن دار الدنيا وهو غاضب على الكثيرين من مدعي الصحبة، وتبعثر جيش أسامة وضاعت أوامر النبي برصّ صفوف هذا الجيش، فتم استقدام أسامة الى المدينة للبيعة للانقلابين بدلاً من تنفيذ أوامر النبي بإطاعته، لانهم عرفوا الاشارة سريعاً في اختيار هذا الشاب ليكون قائداً عسكرياً، مما يعني سد الطريق على كل من تسول له نفسه النزو على مقام القيادة السياسية والدينية، بيد أن قوة انحراف النفس لدى البعض كان له الدور الكبير في انحراف الامة بأجمعها عما رسمه لها الرسول الأكرم، وضحى من أجله طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، بين الكفاح المرير مع المشركين في مكة، والجهاد لنشر الاسلام من المدينة الى ربوع الجزيرة العربية.

القائد الصالح والذكي

المشكلة في معظم القادة أنهم يتصورون انجزاهم في جانب الإدارة والتخطيط للاستفادة القصوى من الموارد الطبيعية والبشرية لتحقيق مصالح اقتصادية وأخرى سياسية، وهذا اللون من التفكير كان سائداً منذ تاريخ ما بعد رسول الله، سوى عهد أمير المؤمنين، عليه السلام، فالانسان كفرد، آخر ما كانوا يفكرون به –ومايزال الحال هكذا- ولذلك نلاحظ تأسيس مفهوم المحاصصة السياسية منذ الثلاثة الذين حكموا الامة بعد رسول الله، فكانت العطايا والامتيازات مضاعفة لمدعي الصحبة ومن كان يتصدر الجيوش والسرايا في الغزوات، كما لو أنهم كانوا ينتظرون موت النبي ليكسبوا مقابل اتعابهم، حتى نقل عن أحدهم انه بعد موته أرادوا ان يقسموا تركته فاضطروا لاستخدام المعاول لكسر الذهب وتوزيعها! فلا غرابة أن نجدها بعد اربعة عشر قرناً في العراق وسائر الدول التي تدعي الاسلام والانتماء الى سيرة النبي الاكرم.

بينما نظرة سريعة الى عهد أمير المؤمنين نلاحظ المنهج النبوي والسماوي في بناء الإنسان ومحاولة تفجير طاقات المجتمع لتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الرفاهية والحرية للجميع، وإزالة اسباب التخلف والعجز في الامة، وهذا يحتاج الى عامل نفسي جوهري يمكن الانسان من تسيير أعماله وبرامجه الى الوجهة الصحيحة مع أقل نسبة من الخطأ، ألا وهو عامل التقوى الذي يوفر لصاحبه المعايير الصحيحة لأي قرار او حكم يصدره.

فربما يكون نماذج من القادة في ظنهم أن يحكمون بما يرضي الناس ويلبي طموحاتهم، بيد أن الضغوطات السياسية والتقاطعات الحاصلة في نظريات الحكم، لاسيما في العصر الحديث، تجبر الكثير على المجاراة، او ما يعبر عنه البعض مواكبة العصر والتجارب الحديثة في الحكم، فليس من المقبول –مثلاً- ان يسير وزير في الشارع بين الناس، فضلا عن القائد الأعلى.

فمن يكون ضمن هذا المسار العالمي في الحكم بإمكانه ان يكون وزيراً او مديراً او رئيساً، وإلا تتم تنحيته او تهميشه بشكل أو بآخر، ولعل أهم سبب في هذا، خشية المحيطين من خسارة الامتيازات المرجوة من وراء العمل معه، فاذا عمل هذا المسؤول او القائد بمفهوم الزهد والتقوى والورع ومخافة الله، فهذا يعني أنهم سيحرمون من الامتيازات مثل السيارات الفارهة، والعقارات الفخمة، والمناصب المهمة، والوجاهة والمهابة في المجتمع.

وفي مقالات سابقة جرت الاشارة الى أن من اصطدم بمنهج أمير المؤمنين لدى توليه الحكم، هم أنفسهم ممن كانوا يتمتعون بالامتيازات والمحاصصة السياسية في العهود الماضية، بما يعني أن أمير المؤمنين استفاد من الوقت طيلة خمسة وعشرين عاماً من التهميش لنشر الثقافة الاسلامية فيما يتعلق بالعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الحاكم والفرد (المواطن)، وكيف يجب أن تكون الصفات الاخلاقية لإفراد المجتمع بما يسهل الوصول الى القائد الصالح كما كان، عليه السلام، لأهل الكوفة ولسائر الامصار الاسلامية.

وبالقدر الذي يحظى المجتمع بالمواصفات والشروط المتطابقة مع شروط الحاكم الصالح يتحقق العدل والمساواة والحرية والرفاهية، وإلا فان في ظل الانسدادات السياسية وأزمات الحكم في بلادنا، وابتلاء الشعوب بالديكتاتوريات والانظمة الفاشلة والفاسدة لابد وأن يقيم بين أكناف المجتمع أشخاص كفوئين للقيادة إنما المشكلة في التهميش وعدم تسليط الضوء عليهم، او عدم الاهتمام او خطوات اخرى لابد من اتخاذها حتى نستفيد من التجارب الحضارية التي خلفها لنا الرسول الأكرم، ومن بعده أمير المؤمنين، صلوات الله وسلامه عليهما.

اضف تعليق