بقلم: الدكتور محمد حسين علي الصغير

لقد رأينا علياً فيما مضى، صبياً يدخل الإسلام ثاني اثنين، وقد رأيناه يتربى في منزل الوحي وينشأ في ظلال الإيمان، ورأيناه يشهد عذاب طائفة من المستضعفين فيتلظى لهم حرقاً، ورأيناه مصاحباً للنبي في جولته للطائف يعرض الإسلام على القبائل فيردّ، ورأيناه فدائياً يسرع إلى فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) ملتحفاً ببرده الحضرمي، يقيه بنفسه من طواغيت قريش، ورأيناه أخاً لرسول الله في مكة والمدينة، ورأيناه قائداً عسكرياً فذاً في مشاهد النبي كلها، ورأيناه خليفة لرسول الله على المدينة في غزوة تبوك، ورأيناه نائباً عنه في تبليغ براءة لأهل مكة وإعلان شرائع الإسلام، ورأيناه مصلحاً وقاضياً من قبله في اليمن، ورأيناه صهراً للنبي وأباً لذريته الطاهرة، ورأيناه نفسه في المباهلة، ووزيره بمنزلة هارون من موسى، رأينا هذا وسواه، بل ذكرنا هذا وفاتنا سواه، وهو يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، و« عليٌّ أقضاكم » و« أنا مدينة العلم وعلي بابها » و « علي مع الحق والحق مع علي » و « اللهم أدر الحق معه حيثما دار » سمعنا كل هذا غيضاً من فيض إطراء النبي له وثنائه عليه، ونموذجاً من نماذج إعداده إعداداً رسالياً خاصاً، وشاهدنا إلى جنب ذلك كلّه ملازمته للنبي ملازمة الظل للشاخص، واختصاصه به على انفراد في أغلب لياليه وأيامه، وتفرده بمناجاته وحده في شتى الظروف، واتحاد المنزل ما بين الديار، ولمسنا صلة الرحم الشديدة بين الرجلين، وأواصر القرب ما بينهما، لا يكاد يفترق أجدهما عن الآخر، ولا يملّ أحدهما حديث الآخر، حتى كان علي منه وهو من علي... لم يكن كل هذا امراً اعتباطياً، ولا مناخاً اعتيادياً، وإنما للأمر ما بعده عند النبي. حتى إذا كانت حجة الوداع، وإذا بالوحي يفجأ النبي: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (1).

ما هذا البلاغ الخطير الذي يراد من النبي، وما هذا الاشفاق من النبي فيه، أهو يخشى الناس ويحذر عدم الامتثال فيذهب أمره أدراج الرياح؟ أهو من الشدة بحيث يزلزل هذه الرصانة التي تبثها محمد في قومه وأصحابه؟ أهو من الحساسية بحيث يخترق هذا الغشاء الرقيق بينه وبين جملة من ذوي الأحلام والخطر.

لقد رأينا النبي في الأحكام صغيرها وكبيرها يبلغها أولاً بأول لا يخشى في ذلك لومة لائم، وينزلها بمنزلها المحدد لا يحيد عن ذلك قيد أنملة، فما هذا التبليغ الجديد - أنه القيادة في نيابته لدى التحاقه بالرفيق الأعلى، والإستقرار بمقامه في إدارة شؤون الدين والدنيا.

كان النبي (صلى الله عليه وآله) يلمحّ تارة، ويصرّح أخرى بإمامة علي (عليه السلام) يؤمّره على الناس في القيادة، ولا يؤمّر عليه أحداً، ينوّه بفضله ويعلي من شأنه، يخصّه بالمنح العليا، علماً وتفقهاً ومنزلةً، ويشاركه بالمهمات الصعبة فيجده أهلاً لحملها، وهو الذي يأخذ بقسط كبير من وقته الثمين في إفاضات يعلم قليلها، ويجهل كثيرها، يعلمن عن بعضها، ويكتم بعضها الآخر، ولكن النبي قد يبدو مشفقاً كل الاشفاق عن أن يقول القول الفصل، والوحي يلجئه إلى الإعلان، ويضمن له السلامة

مما يخشاه، والتصريح منه إثر التصريح بأفضلية علي وأهليته من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) يلاقي التاويل والتعليل من قبل علية القوم، ويقابل بالإيهام والإبهام من جملة المهاجرين، يلتمسون بذلك حداثة السن حيناً، وحب بني عبد المطلب حيناً آخر، لتضييعه عن موضعه، وتمييعه عند مؤداه.

وكان النبي في سنة حجة الوداع، يؤكد السنن، ويثبت الفروض، ويحيي الأحكام، وكان يلوّح بل يصرّح في نعني نفسه: يوشك أن ادعى فأجيب، أو يقول: قد حان مني خفوق، وتارة: لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وأخرى: إن جبرائيل كان يعرض عليّ القرآن في كل عام مرة، وفي هذا العام عرضه عليّ مرتين، وهكذا.

ونزلت سورة النصر؛ فسماها المسلمون سورة التوديع، لأن المسلمين ودّعوا نبيهم، لما فيها من إيحاء بتكامل رسالته، وإنذار بانتهاء مدته، لما أمره فيها الله من التسبيح والاستغفار، وكان بين هذا كثير الخلوة بعلي، طويل المناجاة معه، شديد الاحتراس عليه، يطلق الكلمة إثر الكلمة في ترشيحه، فتارة هو الوزير، وأخرى هو الوصي، وسواهما: خليفتي من بعدي، والناس يرصدون ذلك بمسمع وبمشهد، فيسيغه الأنصار دون المهاجرين، ويتقبله المستضعفون دون الزعماء، أو فقل يتقبله أكثر الأنصار، ـ ويرفضه أكثر المهاجرين، وقد يشتد النزاع في ذلك، وقد يتحوّل إلى صراع مرير، وقد يلجأ هؤلاء وهؤلاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ليفسر لهم ما قال، فيقتنع من يقتنع عن رضا، ويأبى من يأبى عن سخط، والأمور بقربة من النبي، وهو يرى بوادر الفرقة تتطلع، وسحب الفتنة تكاد تنقض، ووجد بعض القلوب تستوحش لهذا الحديث، وبعض المشايخ تأتمر للعصبيات، والناس في خطوة من الجاهلية، والإسلام وتر النفوس، وهو لا يحاسب بأكثر من الظاهر، ولكنه يذكر بالله واليوم الآخر، عسى أن يهدي الله به أحداً، ويجدد العهد عسى أن يصغي له أحد، جاداً لا يتردد، ولكنه مضطرب لا يهدأ أيضاً.

وتنتهي حجة الوداع، ويتجه النبي نحو المدينة حتى يصل إلى « غدير خم » في قيظ لافح، وحرارة محرقة، وهجير ملتهب، فيتوقف الركب النبوي في المنطقة التي سيفترق فيها الحاج، ويتجه كلٌّ إلى قصده، وينحو كلٌّ منحاه، والموكب بعد في آلافه المؤلفة من المهاجرين والأنصار ومسلمة الفتح، وبقية المسلمين من هنا وهناك، ولا نريد ذكر الآلاف منهم فيما اختلف فيه المؤرخون زيادة ونقصاناً فهذا لا يعنينا، بقدر ما يعنينا الموقف والحدث، والمسلمون ألوف لا شك في هذا وينصب للنبي (صلى الله عليه وآله) منبر من أحداج الإبل عند الظهيرة، ويمتطي النبي صهوة المنبر، وهو يقول:

«إني دعيت ويوشك أن أجيب، وقد حان مني خفوق من بين أظهركم، وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».

ثم نادى بأعلى صوته: ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟ قالوا اللهم بلى. فقال لهم على النسق، وقد أخذ بضبعي علي (عليه السلام) فرفعهما حتى بان بياض أبطيهما: «فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والي من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله ».

ثم نزل وصلى الظهر والعصر وأفرد لعلي خيمة، وأمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً، فيهنؤه بالمقام، ويسلموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلهم حتى من كان معه من أزواجه ونساء المسلمين.

وكان موقف عمر بن الخطاب مشرّفاً في ذلك اليوم إذ طفح السرور على وجهه، وقال: بخٍ بخٍ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. ولكنه تناسى هذا الموقف فيما بعد، وتغافل عن هذه التهنئة الحارّة، وعن مغزاها في كلٍ من السقيفة وتعيين أهل الشورى. وحينما صدع النبي (صلى الله عليه وآله) بهذا الأمر في استخلاف علي (عليه السلام) نزلت الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) (2).

وما قدمناه من إيجاز مكثّف محل إجماع بين المسلمين كافة، ورواته الثقات بالمئات، وشهوده من المسلمين بالألوف، وجاءت بعد ذلك التأويلات الفجّة لتجعل لهذا الحدث والحديث دلالات لغوية جديدة، ولهذا النص التصريح إرادات بيانية مموهة، فالمولى: يراد به المالك، ويراد به الناصر، ويراد به المعتق بالكسر والفتح، ويراد به ابن العم، ويراد به ضامن الجريرة، ويراد به السيد المطاع، كما يراد به الأولى. إلى غير ذلك مما يراد به ابتلاع الحديث والحدث جملة وتفصيلاً، وتناسى من ساق هذه التعليلات والتفريعات المضنية أن التبادر العرفي العام عند العرب علامة الحقيقة، وأن مقتضيات المقام النبوي في نزوله في هذه الهاجرة على غير منزل، لا يراد به إلا الأولى الذي تجب له الولاية العامة على المؤمنين، والمرجعية الكبرى للأمة في قضايا الدنيا والدين، ولكن قريشاً أبت هذا، وتناست هذا الموقف، وكأنه لم يكن، وفتحت على الإسلام باباً لم يغلق من الفتنة والفرقة إلى قيام الساعة، وصبر عليٌّ (عليه السلام) على هذا الحيف، لأنه ذو هدف محدد وهو بقاء الإسلام.

وهو القائل: والله لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن جورٌ إلا عليّ خاصة.

* مقتبس من كتاب (الامام علي (ع) سيرته وقيادته في ضوء المنهج التحليلي)، لمؤلفه الدكتور محمد حسين علي الصغير

....................................
(1) سورة المائدة، الآية: 67.
(2) سورة المائدة، الآية: 3.

اضف تعليق