نظرة خاطفة على مواسم الزيارات المليونية لمراقد الأئمة المعصومين، عليهم السلام، وحتى الأولياء الصالحين، تتبلور الاجابة على السؤال القديم –الجديد عن جدوى تشييد المراقد المقدسة، وعلاقتها بحياة الانسان وواقعه، وتحديداً؛ إعادة تشييد مراقد الأئمة المعصومين في البقيع الغرقد التي تمر هذه الايام ذكرى هدمها من قبل السلطات الحاكمة في السعودية.

ماذا لو كان في المدينة المنورة أربعة قباب لأربعة أئمة؟!

سؤال افتراضي نطرحه على كل ذي لُبّ ينشد الحقيقة والصواب والفائدة في هذه الحياة الدنيا، فضلاً عن الآثار الأخروية.

في البقيع الغرقد أربعة أئمة لكل منهم انجاز حضاري وانساني ثبته التاريخ و الوجدان؛ الأول يتعلق بالكشف الذكي عن مكامن التضليل والخداع في الحكم، وهو ما فعله الإمام الحسن المجتبى، عليه السلام، في هدنته مع معاوية، أما الامام السجّاد، عليه السلام، فقد سجّل التاريخ له تخريج مئات العبيد علماءً من الدرجة الاولى انطلقوا الى مختلف البقاع بعد أن اكتسبوا العلوم والمعارف والآداب، واصبحوا رسُل سلام ومحبة للجميع، وفي نفس الوقت وصلنا منه "زبور آل محمد"، وهي مجموعة المناجاة والأذكار والأعمال العبادية التي من خلالها عالج الإمام ظاهرة قسوة القلب في الأمة، والتي بلغت الذروة في جريمة مقتل الامام الحسين، وأهل بيته في كربلاء، وبالنسبة للإمامين؛ الباقر والصادق، عليهما السلام، فالغالبية العظمى من المسلمين يقرون بفضلهما على مسيرة العلم والمعرفة في تاريخ الاسلام.

لكن ما علاقة وجود البناء الكبير على المراقد، كما هو الحال في ايران والعراق، بالعِبر من حياة الأئمة المعصومين، وحتى شخص رسول الله، صلى الله عليه وآله؟ رُبّ قائلٍ: بالامكان قراءة كتاب عن سيرة حياة أحدهم يكفي لاكتساب العِبر والتجارب، كما هو الحال في كتب التاريخ التي تتحدث عن الابطال وتجارب الأمم الناجحة!

القرآن الكريم يؤكد أن الشهداء الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا بأموات {بل أحياءٌ عِندَ ربِهم يُرزقون}، فاذا كان النهي الإلهي بعدم احتساب اشخاص بهذه المواصفات في عداد الأموات، ممن سقطوا ويسقطون قتلى على مر الزمان في الصراع الدائم بين الحق والباطل، فكيف اذا كان من هؤلاء، أئمة معصومون من أهل بيت رسول الله؟ ومادام الانسان حيٌّ فان سيرته ومنهجه حيٌّ ايضاً تواكبه الاجيال مهما طال الزمن، كما أن المسلمين يستذكرون رسول الله، جيلاً بعد جيل، في مناقبه، وأخلاقه، وما يُحب ويكره ليتعلموا منه ويجعلوه نبراساً لحياتهم.

وجود المراقد الأربعة المشيّدة في المدينة المنورة تعطي الفرصة الذهبية للمواطن السعودي، ولكل مسلم زائر للديار المقدسة للتعرّف على الأئمة الأربعة، ثم الاستفادة من سيرتهم في بناء الشخصية العلمية والأخلاقية والثقافية، ولمن يراجع التاريخ لا يجد لاتباع هؤلاء الأئمة، ولا سائر الأئمة المعصومين، من ألحق الأذى الضرر بالمجتمع الاسلامي آنذاك، ولم يكن سبباً في التشكيك بالدين والثوابت والاحكام الاسلامية، ولم يبتدع افكاراً بعيدة عن القرآن وسنة النبي الأكرم، بل العكس من كل ذلك تماماً، وهذه حقيقة لا يختلف عليها كل منصف في العالم، فقد كانوا، عليهم السلام، يطردون المتطرفين والغُلاة من حولهم، ممن لم يفهموا مهمة الأئمة ورسالتهم الإلهية في الحياة.

أما الإصرار على إبقاء مراقد البقيع بلقعاً فهو عين الحرمان من التطور الانساني، والبقاء على ابواب الغرب والبلاد البعيدة لاكتساب العلوم والآداب والمعارف، والاستمرار في نزيف الاموال والقدرات كان بالامكان توفيرها لمشاريع مستقبلية لأجيال قادمة بعد مئات السنين.

بمزيد من الأسى والمرارة نجد كيف أننا نحتاج الى الأمم والشعوب الاخرى، ليس في العلوم والتكنولوجيا فقط، وإنما ايضاً لنتعلم منهم طريقة التفكير والسلوك، وكيف يكون الانسان وديعاً مع الآخرين؟! وكيف يكون ايجابياً؟! ومتفائلاً و....

مشاهدات من داخل الأضرحة المشيّدة

من يسأل عن علاقة المكان وأثره في سلوك الانسان وحتى طريقة تفكيره في الحياة، يكفيه زيارة أحد الأضرحة المقدسة ليجد اختلاف السلوك والتعامل الانساني فيه عن سائر الاماكن الاخرى، والسبب واضح؛ احترام وتعظيم الزائر لصاحب المرقد وما يحمله من صفات التسامح والعفو والتواضع والعطاء وغيرها كثير من الصفات الاخلاقية السامية، ومحاولة التحلّي بهذه الصفات، مثل التسامح والعفو خلال المسير في الاماكن المزدحمة، وإخلاء المكان للآخر ليؤدي مناسك الزيارة والصلاة المهداة لصاحب المرقد قربةّ الى الله –تعالى- ، وبشكل عام؛ ومن ثمّ السعي لتجنّب أعمال تناقض تلك الصفات الحسنة داخل هذه الاماكن المقدسة، ومن ثمّ تكون فرصة للتقويم والتغيير تدريجياً في الحياة العامة.

للمكان أثره الواضح والمباشر في تصديق الأحكام والالتزام بها، وإلا لما كان للمدرسة أهميتها التربوية والتعليمية، ولا كان للمحكمة احترام ومهابة لإصدار الأحكام، وهكذا سائر الكيانات المؤسسية، وقبل ذلك كله؛ المساجد التي جعلها الله –تعالى- له خاصةً يُذكر فيها اسمه، وايضاً؛ الكعبة المشرفة التي تُكنى ببيت الله الحرام، فهي المكان والبقعة الجغرافية المحظية إلهياً بالقداسة لتكون مهوى أفئدة الناس فيأتون اليها من كل فجٍ عميق، باذلين الجهود والاموال لأداء مناسك عبادية أرادها الله –تعالى- لعباده في بقاع محددة دون غيرها من بقاع الأرض.

كما أن حضور المشاهد المشرفة في مكة المكرمة والمدينة المنورة خلال مناسك الحج والعمرة تترك أثرها المعنوي البالغ في الزائر، فان الحال كذلك لمن يزور المشاهد المشرفة والمشيّدة لأئمة أهل البيت، عليهم السلام، وهذا ليس استنتاجاً او تحليلاً شخصياً بقدر ما هو انطباع خرج به زائرون لمرقد الامام الحسين، ومرقد أمير المؤمنين، من اتباع ديانات وطوائف مختلفة في العالم، جربوا هذا التأثير المعنوي خلال زيارتهم لهذه المراقد الوقوف أمام الأضرحة، كما لو أنهم يقفون أمام انسان حيّ ماثل أمامهم.

بعد كل هذا، لا تبدو المطالبة بإعادة بناء مراقد أئمة البقيع ذات طابع طائفي يختص بأتباع أهل البيت، بقدر ما هو استحقاق جميع المسلمين، بل وجميع أهل العالم.

اضف تعليق