من تراب القبور الذي كان يُهال على وجوه الفتيات الصغار ظلماً وجهلاً وقساوةً، الى ما هو نظيره من الظلم وبقايا الجهل والقساوة بعد 23 سنة من تاريخ بزوغ فجر الإسلام، تنبعث الصديقة فاطمة الزهراء، سلام الله عليها، من بيتها، متلفعة بخمارها مع مجموعة من النساء –كما في الروايات- باتجاه مسجد رسول الله، والمسلمون يطالعون هذا المنظر البهيّ لأول مرة تخرج امرأة تدافع عن حقّها المغتصب دون خوف أو حرج، وتطلق تلك الخطبة الفدكية الصاعقة بحضور الغالبية من وجوه "الأصحاب" من المهاجرين والانصار، وزعماء القبائل العربية، وفيها تسرد تاريخهم وخلفياتهم، وكيف كانوا، ثم تبين حاضرهم وكيف اصبحوا في ظل الإسلام، وتضحيات أبيها رسول الله، وبعلها أمير المؤمنين.

ما سجلته الزهراء في ناصية التاريخ الاسلامي من خلال الخطبة الفدكية أن المرأة ليس فقط حرّة وكريمة في ظل الاسلام، وأنها لن تكون مصدراً للعار في القاموس الاجتماعي الجاهلي، بل هي قوية، وبإمكانها المطالبة بحقها المشروع بكل شجاعة وثقة، متوسلة البراهين والأدلة القاطعة.

لماذا الشعور بالضعف؟

أشعر بأسف شديد عندما أسمع كلمات تنطلق من مهاوي الضعف ومشاعر الضِعة من بعض النسوة في الوقت الحاضر، فأيّ مبادرة عمل، او مقترح، او حتى مطالبة لحق مشروع مصحوب بحالة من الدفاع أمام شيء مجهول يُوحى للسامع أنه تهميش ذكوري، او حتى حالات من القمع والاضطهاد والظلم، وهو موجود لاشكّ، إنما المشكلة في طريقة الطرح المتشنج الذي يستهلك الطاقة الذهنية اللازمة للابداع وإنجاح فكرة ما، او مشروع ما، إذ يتعين بالأول فرض المقترح على أرض الواقع بقوة قبل ان يصاب بسهام الرفض، ومن ثمّ التفكير بالمراحل الاخرى إذا سنحت الفرصة!

لنعود الى الصديقة الزهراء وهي جالسة خلف ستار ضُرب لها عن الرجال، في مسجد النبي، فهي قدّمت لخطبتها عن فترة بزوغ فجر الإسلام وما أنعم الله به على أهل الجزيرة العربية والعالم، ثم أدانت واقع المسلمين وابتعادهم عن ثقافة القرآن والاسلام، وسنة رسول الله، ثم شجبت بقوة قاهرة أهل السلطة والحكم ممن غصبوا أرض فدك، وأفحمتهم بالأدلة والبراهين من القرآن الكريم، مما أثارت الرأي العام، وألقت في روعهم الشكوك بمصداقية غاصبي الخلافة والحق الشرعي. ولكن السؤال!

أين اصبحت المرأة من بعد غياب الزهراء عن الأمة؟ وهل استفادت من دروس القوة والشجاعة من أجل الحق والفضيلة؟

كيف تتعلم المرأة المسلمة آنذاك القوة والشجاعة في الحق، في وقت استغلت نسوة من "كبار القوم" فرصة السلطة والحكم لأن تتنعّم بالذهب والفضة ولذيذ الطعام، والعيش الرغيد دون نساء المسلمين؟

شجاعة فاطمة، وقوة منطقها وشخصيتها لم يأت من فراغ، ولا كانت كلمات الخطبة نوعاً من النبوغ والذكاء الخارق، بقدر ما كانت تعبيراً شفافاً عن رسالة السماء ليسمعها الناس؛ رجالاً ونساء، "فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماءً في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والحج تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام، وذلاً لأهل الكفر والنفاق، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، وبرّ الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة"، الى آخر الخطبة.

في ظل هذه الاحكام والموازين والقيم السماوية تكون المرأة قوية أمام الباطل والظلم، وفي خطوة متقدمة اخرى تكون ذات شأن في صناعة مجتمع متماسك منيع، وأمة متقدمة، ومن دونها يكون العكس تماماً كما حصل للمسلمين من بعدها بفترة ليست بالطويلة، وتحديداً في سنة 60للهجرة عندما ظهر المشهد المأساوي المريع في ساحة الاحداث بالكوفة بانقلاب رجالها وشبابها على مسلم بن عقيل، وكانت المرأة –للأسف- من أبرز عوامل التخاذل –الى جانب الحرب النفسية بالترهيب بجيش الشام- فقد كانت الأم تأخذ بيد ولدها وتقول: "يكفيك الناس"، أي ان الموجودين كُثر، لا حاجة لوجودك بينهم، وكذا فعلت الزوجة القلقة على زوجها، فتفرق العشرين ألف رجل مسلح كان من المفترض ان يشكلوا القوة العسكرية للسيطرة على الكوفة وتغيير مجرى التاريخ لصالح أهل البيت، ولصالح الحق.

في المقابل ظهرت أسماء معدودة، لكن لامعة في ناصية التاريخ للمرأة الشجاعة والمؤمنة مثل؛ طوعة وموقفها باستضافة مسلم في بيتها دون آلاف البيوت المغلقة ابوابها بوجه سفير الامام الحسين، عليه السلام، وايضاً؛ زوجة زهير بن القين التي حثّت زوجها الى الاستجابة لطلب الامام الحسين للتحدث معه حول النصرة، لتكون عامل خير أبدي لانتقال انسان من الحالة الرمادية والحيادية في ساحة المواجهة بين الحق والباطل، الى حالة البصيرة واتخاذ الموقف المشرّف.

ومن النعم الإلهية على الأمة، وعلى المرأة المسلمة تحديداً أن يشاهدوا بأمّ أعينهم وقفة شجاعة أخرى بنسخة جديدة من ابنة الزهراء، العقيلة زينب، عليها السلام، بعد حوالي جيل كامل، لتذكرهنّ، والرجال ايضاً، بأن منطق الحق يقهر أكبر قوة في الطرف المقابل –إن صحّ وصفها بالقوة لفظاً- فقد بقيت كلمات العقيلة زينب في الكوفة والشام تطرق كيان الدولة الأموية الخاوية بعنف وشدّة حتى انهارت تماماً.

الطريق واضح وقصير

نعم؛ وبكل سهولة، إنما يحتاج الأمر إرادة، وعزم، وقرار حازم يغلّب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ويغلّب قيم الحق والفضيلة والأخلاق على الرغبات النفسية والمشاعر العاطفية، وهنا يكمن الامتحان العسير، ففي ذروة الشعور بالخوف، وفي أشدّ الحاجة الى المعين (الرجل)، وحتى الميل الشديد الى التملّك والتسيّد، والى ملذات الحياة، يكمن الموقف التاريخي والمصيري، فاذا صرنا الى هذه الميول والرغبات فلا حظّ لنا بالقوة والمنَعة التي نتحدث عنها دائماً، و نشكو من سطوة الرجل و ظلمه وطغيانه، ولا يعني أن الموقف الشجاع أن تكون المرأة بالضرورة مثل زوجة زهير ابن القين، تصبح أرملة خلال ساعات، ولا أن تفقد حياتها الطبيعية وتتحول الى التعاسة والبؤس والحرمان، كما تتصور البعض، بل العكس؛ فان الخروج بعض الشيء –نقول- من الذاتيات الى رحاب الجماعة والمسؤولية الاجتماعية، يمنح المرأة الشخصية الادارية والقيادية لمبادرات ومشاريع تبدأ من رعاية الايتام والفقراء، مروراً بتربية النشء الجديد والجيل الواعد على الأخلاق والآداب، والى نشر الوعي والثقافة بين الفتيات والنساء، وبين افراد المجتمع كافة.

ما تركته الصديقة الزهراء لنا من كلمات، وآهات، ومحاججات، يمثل تركة عظيمة وإرث حضاري من شأنه ان ينقل واقع المرأة المسلمة في كل مكان من حالة الضعف والشكوى والاستعطاف، الى حالة القوة والتأثير على القرار في الميادين كافة، فهل نحن فاعلون؟

اضف تعليق


التعليقات

الفراتي
بوركتم2021-12-22