أجمع كل فقهاء وعلماء المسلمين بمختلف مذاهبهم، والمؤرخين بمختلف توجهاتهم، ورواة الحديث النبوي بمختلف طبقاتهم على واقعة الغدير وخطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع، وذكروها بالإجماع، واتفقوا على أن الإمام علي عليه السلام هو المقصود بتلك الخطبة دون غيره من البشر، واختلف البعض في تفسير الخطبة هل جاءت بالوصية نصاً على خلافة علي عليه السلام لرسول الله وإدارة شؤون المسلمين من بعده أم هي وصية للحفاظ على موقعه السيادي في الإسلام ومنزلته العظيمة لدى رسول الله؟.

ورغم ذلك شذ البعض وأطلق للسانه وقلمه العنان للتشكيك في حديث الغدير وتضعيفه، بغية التشويش فيما أجمعت عليه الأمة، مُتذرعين بكثرة رواته وتعدُد طُرق تخريجه، وهم قلة قليلة تكاد تكون منحصرة في الخوارج والمُشَبِّهة والمُجَسِّمة والمُرجِّئة، منهم ابن حزم الظاهري وابن تيمية الحراني، ومن بعدهم غُلاة علماء الوهابية، ومن قبلهم وظّف بني أمية كل مقومات وطاقات دولتهم لطمس ومحاربة مناقب أهل البيت عليهم السلام، وشراء ضِعاف النفوس من الرواة وعلماء الدين، ولم يدّخر هؤلاء تحت بريق المال والجاه والسلطان، وسيلة لاختلاق الأحاديث التي تنتقص من أهل البيت، وتحريف نصوص الكثير من الأحاديث الواردة عن النبي مما لا يتوافق مع هوى سلاطين بني أمية، ونسب بعضها الى غير ما قيلت فيه، وتأويل بعضها على غير ما قصده رسول الله، وهناك الكثير من العلماء الأحرار المعاصرين من غير الشيعة تحدثوا عن جِناية بني أمية ومن تلاهم من علماء الوهابية على التعاليم الإسلامية والأحاديث النبوية، أمثال العلامة والمفكر السعودي حسن بن فرحان المالكي فك الله أسره، والمفكر المصري محمود أبو ريه،.. ألخ، وكُتُبُهم منشورة لمن أراد البحث عن الحقيقة.

وما يعنينا هنا التأكيد على أن كثرة رواة حديث الغدير وتعدد طرقه وأسانيده، تُمثِّل إدانة وحجة دامغة لعلماء السلاطين، وتكشف حقيقتهم السوداء، وتُعرّي متاجرتهم بكل المقدسات من أجل إشباع هوى النفس ورغباتها، وتغذية نوازع العصبيات الجاهلية التي لا زالت محركهم لمحاربة الفضائل وأربابها، ويكفي للتأكيد على صحة الغدير ودحض حجج المرجفين أن أكثرية علماء السنة في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي ومن مختلف المشارب تحدثوا عنه، وألّفوا المؤلفات المطولة في أسانيده، ورواته، ووضعوه في أعلى درجات الصحة، حتى المخالف منهم لأهل البيت، إلا ما نَدر.

إذن فنحن أمام حديث متواتر بإجماع علماء السنة والشيعة، وأكثرية أئمة الحديث، وسلسلة رواته ذهبية لا يرقَ اليها الشك.

بالعودة الى واقعة الغدير يتحدث العلامة عبدالحسين أحمد الأميني في موسوعته الغديرية عن انضمام نحو 120 - 124 ألفاً الى الموكب النبوي بالمدينة في حجة الوداع، والتحقت بهم جموع أخرى من اليمن مع الامام علي عليه السلام وأبو موسى الأشعري.

وتحدث محمد فريد وجدي في الجزء الثالث من "دائرة المعارف" عن 90 ألفاً ممن شهدوا حجة الوداع، وفي رواية 180 ألفاً، وفي رواية 114 ألفاً، وفي رواية 100 ألف، وفي رواية 80 ألفاً، وفي رواية 70 ألفاً، وأياً كان الرقم الصحيح فالمؤكد أن من شهد الحج مع الرسول كان معه في غدير خم، والمؤكد أيضاً أننا أمام حدث غير عادي حضره عشرات الآلاف من المسلمين والمسلمات، وأمر فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن: "يبلغ الشاهد الغائب"، ومن الطبيعي أن يكثُر نقل وقائع وأحداث الغدير والتحدث بها، ولأهميتها كانت تُثار بين الحين والأخر، أي أنها لم تكن كسائر الحوادث العادية، يدور حولها الكلام لمدة ثم يطويها النسيان.

ويذكر الرواة أنه بعد مرور 25 سنة، طلب الإمام علي عليه السلام في مسجد الكوفة ممن سمع حديث الغدير عن النبي أن يُذكِّره، فنهض من بين الجالسين 30 صحابياً ونقلوا الحديث.

روى حديث الغدير ونقله أكثر من 120 صحابي وصحابية، و84 من التابعين، و360 من أئمة الحديث وحُفاظه، و57 من علماء وحُفاظ القرن الهجري الثاني، و90 من علماء القرن الهجري الثالث، و43 من علماء القرن الهجري الرابع، و24 من علماء القرن الهجري الخامس، و19 من علماء القرن الهجري السادس، و21 من علماء القرن الهجري السابع، و18 من علماء القرن الهجري الثامن، و16 من علماء القرن الهجري التاسع، و13 من علماء القرن الهجري العاشر، و25 من علماء القرون الهجرية الأخيرة، طبعاً من غير علماء وأئمة الزيدية والإمامية.

وأخرجه ورواه محمد بن جرير الطبري من 75 طريقاً، وأفرد له كتاباً من جزئين أسماه "الولاية في طرق حديث الغدير" وسبب تأليفه الكتاب تكذيب بعض شيوخ الحرقوصية ببغداد واقعة الغدير، منهم إبن أبي داوود، وادعائهم بأن الإمام علي عليه السلام لم يكن مع النبي في حجة الوداع وغدير خم بل كان في اليمن، فألف الطبري رحمه الله كتابه للتأكيد على صحة حديث الغدير، وأن المقصود به هو الإمام علي، وأنه كان حاضراً مع النبي في حجة الوداع وغدير خم، وأفرد كتاباً للحديث عن فضائل الوصي سلام الله عليه.

وأخرجه أحمد بن حنبل من 40 طريقاً، وأحمد بن محمد بن حجر الهيثمي من 72 طريقاً، ومحمد بن محمد الجزري الدمشقي المقري الشافعي من 80 طريقاً، وإمام المُحدِّثين الحافظ الكبير أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة الهمداني الكوفي من 105 طرق، وأفرد له كتاباً أسماه "جمع طرق حديث الغدير".

وأخرجه مسعود السجستاني من 120 طريقاً، وأبو بكر محمد بن عمر التميمي البغدادي الجعابي الحصابي من 125 طريقاً، وأحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني العسقلاني الشافعي عن 27 صحابياً، ومحمد بن إبراهيم الوزير من 153 طريقاً، والحسن بن أحمد أبو العلاء العطار الهمداني من 250 طريقاً، وعلي بن محمد بن محمد بن الطيب الجُلّابي المغازلي الواسطي الشافعي من 20 طريقاً، وعلماء الزيدية من 114 طريقاً، بغير المقدمة، التي هي: "ألست أولى بكم من أنفسكم"، وبها من 100 طريق، والامام عبدالله بن حمزة عليه السلام في "الشافي" بأكثر من 105 طرق برواية المؤالف والمخالف... الخ.

وممن حضر واقعة الغدير من الصحابة: الإمام علي بن أبي طالب، الإمام الحسن بن علي، الإمام الحسين بن علي، أبو بكر، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، الزبير بن العوام، طلحة بن عبيدالله، العباس بن عبدالمطلب، عبدالله بن عباس، الفضل بن العباس، عبدالرحمن بن عوف، معاوية بن أبي سفيان، سعد بن أبي وقاص، سعد بن عبادة، قيس بن سعد بن عبادة، عمار بن ياسر، أبو ذر الغفاري، سعيد بن زيد بن نفيل، سلمان الفارسي، جابر بن عبدالله الأنصاري، البراء بن عازب الأنصاري، أبو الحمراء مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أبو عبيدة بن الجراح، المقداد بن الأسود، عمرو بن العاص، عبدالله بن مسعود، سمرة بن جندب الفزاري، حذيفة بن اليمان العبسي الغطفاني القيسي، زيد بن ثابت بن الضحّاك الأنصاري، زيد بن الأرقم، عبد الله بن عمر بن الخطاب، قيس بن ثابت بن شماس، أنس بن مالك، عمرو بن مرة الجهني، عمر وحبشي بن جنادة السلولي الكوفي، جرير بن عبدالله البجلي، حذيفة بن أسيد الغفاري، أبو أيوب الأنصاري، عبدالله بن أسعد بن زراره الأنصاري، أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني، حسان بن ثابت، مالك بن الحويرث الليثي الكناني، حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعي، أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي،..، وعامة قريش ووجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عقبي، ومهاجري، وأنصاري، وغيرهم من بدوي، وحضري.

ومن النساء: فاطمة الزهراء، أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية، أم هاني بنت أبي طالب، أسماء بنت عميس، فاطمة بنت حمزة بن عبدالمطلب، عائشة بنت أبي بكر..ألخ.

اجتمع في خبر الغدير بالأسانيد الطريقان مع تفرقهما في غيره، ورواه بالأسانيد الكثيرة المتصفة بالصحة الجمع الكثير، مع الاختلاف في تأويله.

قال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام: حديث مشهور أخرجه كثير من المحدثين، ورواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثون صحابياً، فكيف يُسوّغ الاعتذار لمن خالف بعد هذا النص علياً، وبِمَ يلقى الله من لم يكن له موالياً وولياً!!.

وقال أبو القاسم الفضل بن محمد بن عبدالله الأصفهاني: روى حديث غدير خم عن رسول الله نحو مائة نفس، منهم العشرة، وهو حديث حسن صحيح ثابت لا أعرف له عِلة، تفرَّد علي عَلَيْه السَّلام بهذه الفضيلة ليس يشركه فيها أحد.

وقال الإمام عبدالله بن حمزة عليه السلام: هذا الخبر قد بلغ حد التواتر، وليس لخبر من الأخبار ما له من كثرة الطرق.

وقال جمال الدين الهادي بن إبراهيم الوزير: من أنكر خبر الغدير فقد أنكر ما علم من الدين ضرورة، لأن العلم به كالعلم بمكة.

وقال محمد بن إسماعيل الأمير في "الروضة الندية شرح التحفة العلوية": حديث الغدير متواتر عند أكثر أهل الحديث.

وقال ابن حجر الهيثمي المكي في "الصواعق المحرقة": حديث الغدير صحيح لا مِرية فيه، ولا التفات لمن قدح في صحته ورده، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، وطرقه كثيرة جداً.

وقال أبو عبدالله الزرقاني المالكي: حديث متواتر رواه ستة عشر صحابياً، وفي رواية لأحمد بن حنبل أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثون صحابياً، وشهدوا به لعلي لمّا نُوزِّع أيام خلافته، فلا التفات إلى من قدح في صحته.

وقال الشيخ محمد بن علي الصبَّان في "إسعاف الراغبين": رواه عن النبي 30 صحابياً، وكثيرٌ من طرقه صحيح أو حسن.

حتى ابن تيمية الحراني الحنبلي مع شدة معارضته للشيعة قال في كتابه "من حقوق آل محمد": وثبت في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أنه قال: خطبنا رسول الله بغديرٍ يُدعى خم بين مكة والمدينة.

وعدَّه جلال الدين السيوطي من الأحاديث المتواترة.

وقال الحافظ الذهبي في "تذكرة الحُفّاظ": وقفت على حديث الغدير فاندهشت لكثرة طُرقه، فقطعت بوقوعه.

وأضاف في "سير أعلام النبلاء": حديث الغدير ثابت بلا ريب، متنه متواتر، وهو في أعلى درجات الصحة.

وقال صالح بن مهدي المقبلي في "الأبحاث المسددة في فنون متعددة": "من كنت مولاه" حديثٌ متواترٌ، فإن كان مثل هذا معلوماً، وإلا فما في الدنيا معلوم.

وألف أبو سعيد مسعود بن ناصر السجستاني كتاباً من 17 مجلداً أسماه "الدراية في حديث الولاية"، وهو من العلماء المخالفين لأهل البيت، روى فيه حديث الغدير عن 120 صحابياً و1300 إسناد.

وما نفهمه مما سبق أن حديث الغدير في أعلى مراتب الصحة، ووضوحه كالشمس في رابعة النهار، لمن تجرد من داء العصبية، وأهواء النفس الشيطانية، وإنصاع لسلطان العقل والحقيقة.

........................................
المراجع:
1 - العلامة أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي، اللآلئ المضيئة، الجزء الأول.
2 - العلامة حُميد بن أحمد المحلي الهمداني الوادعي، مَحَاسِنُ الأَزْهَار في تَفْصِيْلِ مَنَاقِبِ العِتْرَةِ الأَطْهَاْرِ.
3 - القاضي حسين بن ناصر بن عبدالحفيظ النيسائي الشرفي المعروف بالمهلا، مطمح الآمال في إيقاظ جهلة العمال من سيرة الضلال، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية.
4 – العلامة عبدالحسين أحمد الأميني، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الرابعة 1977.
5 – العلامة محمد إبراهيم الموحد، عيد الغدير، مؤسسة الوفاء – بيروت، الطبعة الثالثة 1403هـ.
6 - الدكتور يحيى عبدالحسن الدوخي، حديث الغدير - مقاربة ودراسة لطرقه وسنده ودلالاته عند علماء أهل السنة، مؤسسة الدليل للدراسات والبحوث العقدية، 24 أغسطس 2020.
7 – زيد يحيى المحبشي، الغدير: عيد الله الأكبر، مركز البحوث والمعلومات – صنعاء، 7 أغسطس 2020.

اضف تعليق