اجتاحت الامة رياح فكرية صفراء قادمة من الخارج هددت العقيدة والايمان في زمن الامام الصادق، عليه السلام، فانتشرت افكار الالحاد، والحلول، والتشكيك بالشرائع والاحكام الاسلامية، وكادت الامة ان تفقد ايمانها بالله وباليوم الآخر، وبماء جاء به رسول الله، من قيم ومبادئ وأحكام، مع أن الفترة الزمنية الفاصلة لم تكن بالبعيدة، والسبب في ذلك يرجعه العلماء والباحثون الى عمق الجروح التي تسببتها سياسات الحكام تحت عباءة "الخلافة" في جسد الامة، لما رأوه من استئثار بالثروات وظلم فاحش، وتنكيل وقمع للمعارضين، ففي الوقت الذي كان المزارعون والحرفيون يتصببون عرقاً تحت أشعة الشمس، يعملون ليل نهار، ولا يكادوا يسدون رمق اطفالهم، كان الحكام الأمويون والعباسيون، وابناؤهم ونساؤهم، ينامون على الحرير، ويستيقظون على أشهى المأكولات، ويلهون بعدّ آلاف المسكوكات الذهبية والفضية.

فراح الناس يبحثون عن السبب، ثم يقارنون بين ما لديهم من الكتاب المجيد، وما يسمعونه من أحاديث وروايات نبيهم العظيم، وما يرونه امامهم من فساد عريض، بكل ما تعنيه الكلمة، بل وظلم وجور، ثم يأمرون بالسكوت عنه، ففكروا بـ "الجبر والتفويض"، وايضاً "القدر"، فقد تسبب ظلم وطغيان الحكام في إبعاد المسلمين عن روح الاسلام وتعاليمه وقيمه الانسانية العظيمة.

وعندما نقرأ بان الامام الصادق، عليه السلام، كان يخصص جزءاً من وقته لتفنيد افكار وتصورت الملاحدة والزنادقة باسماء مشهورة في المصادر التاريخية، فانما كان يواجه بالحقيقة شريحة واسعة من المتأثرين بهذه الافكار، وإلا فان الساحة الاسلامية آنذاك لم تكن تقتصر على اشخاص مثل؛ ابن أبي العوجاء، او ابو شاكر الديصاني، وابن المقفع و غيرهم، بقدر ما هي حالة عامة كانت منتشرة في الآفاق، لاسيما وأن العلماء يعزون تأثر المسلمين بهذه الافكار باتساع رقعة الدولة الاسلامية لتشمل بلاد فارس والهند وشمال الجزيرة العربية، فعندما قرأ المسلمون ترجمات الافكار اليونانية والفارسية وما فيها من تصورات عن الخلق والوجود وفلسفة وجود الانسان والحياة، حاولوا الاستعانة بها لتفسير البؤس والشقاء الذي يعيشونه، وما اذا كان الظلم والحرمان قدراً مقدوراً، أو على الانسان أن يتدبّر أمره بنفسه بالاعتماد على عقله وحواسّه فقط، كما دعا اليه المعتزلة، بدعوى عدم جدوائية الاعتماد على الوحي والروايات، وحتى سنّة النبي وسيرة الأئمة الهداة، عندما تكون مثار شد وجذب مع المعارضين، كما حصل مع أمير المؤمنين، عليه السلام، في فترة حكمه.

لذا فان الامام الصادق، عليه السلام، وهو القائد الحقيقي للأمة في زمانه، أجاد في مهمة استيعاب هذه الشريحة المغلوب على أمرها، والغارقة في متاهات الفكر والعقيدة، ومساعدتها للوصول الى الحقائق والاطمئنان نهائياً الى عقيدتهم الحقّة، فكان الإمام، عليه السلام، يمثل منصّة النقاش الآمنة الوحيدة –إن جاز التعبير- للمشككين بالدين، حيث كان اصحاب هذا التوجه يخافون الاعراب عن آرائهم وما يجول في ذهنهم أمام عامة الناس لئلا يتهموا بالكفر والزندقة بينما "الامام الصادق كان يسمح لاصحاب المذاهب الباطلة ان يبدوا آرائهم، فكان يستمع الى نقاشاتهم واعتراضاتهم على الاحكام الاسلامية ثم يجيب عليها ويفحمهم ويلقمهم الحجر". (الامام الصادق من المهد الى اللحد/السيد كاظم القزويني).

ما هي خطة الامام الصادق في المواجهة الفكرية؟

خلال قراءتنا لسيرة حياة الإمام الصادق، عليه السلام، في تلك الحقبة، وفي ظل تكم الظروف الحالكة، يتضح أنه، عليه السلام، أعدّ خطة محكمة وناجحة لتحقيق المطلوب لمواجهة الافكار الوافدة وتكريس الوعي الديني في اوساط المجتمع الاسلامي.

وفي كتابه؛ الامام الصادق، قدوة وأسوة، يشير المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي الى خطة اتبعها الامام، عليه السلام، في ثلاثة طرق: الاول: "خصّ فرعاً من مدرسته بالذين يعرفون فلسفة اليونان بصورة خاصة وغيرها بصورة عامة، ويعرفون وجهة نظر الإسلام إليها والحجج التي تنقضها، وكان من هؤلاء هشـام بن الحكـم المفّوه الشهـير، وعمران بن أعين، ومحمد بن النعمان الأحول، وهشام بن سالم، وغيرهم من مشاهير علم الحكمة والكلام، العارفين بمقاييس الإسلام النظرية أيضا".

والثاني: كتابته للرسائل العلمية الى اصحابه المقربين اليه لتكون مصدراً موثقاً تعود اليه الاجيال، وتحصل على اجابات لمختلف الاسئلة العقدية، وأبرز تلك الرسائل؛ رسالته الشهيرة الى أبرز المقربين اليه وهو؛ المفضل بن عمر الجعفي، والتي تحولت الى كتاب "توحيد المفضل"، وهو من أعظم المصادر وأغناها علمية.

وقصة الكتاب؛ "أن المفضل كان جالساً ذات يوم في روضة القبر النبوي فإذا هو بجماعة من الزنادقة فيهم عبد الكريم بن أبي العوجاء، فيدور الحديث بينهم في قضايا الحادية عنيفة، تثور لها ثائرة الايمان في قلب المفضل، ويتوجه ـ بعد نقاش حاد جرى بينه وبين ابن أبي العوجاء ـ الى دار الإمام الصادق ليخبره بجليّة الأمر، فما عتم الصادق ان أملى عليه كتاب التوحيد الذي ينتظم من أربعة مجالس في أربعة أيام، من الغدوة إلى الزوال". (توحيد المفضل- الطبعة الثالثة، قدم له وعلق عليه؛ كاظم المظفر).

أما الطريق الثالث: فهي الموجهة المباشرة للإمام الصادق مع الملحدين والمشككين، كون "هذه العملية الأخيرة كانت أبلغ في مقابلة الموجة من اللتين سبقتا" (الامام الصادق قدوة وأسوة).

ولا يسع الحيز المحدود لذكر الأجوبة الرائعة والمفحمة للإمام الصادق على المشككين بالدين والشريعة، وكيف أنهم كانوا يخرجون وقد عقدت الحيرة السنتهم وهم مغلوبون وتحولوا الى مثار سخرية اصحابهم، بعد ان كانوا يدّعون القدرة على الجدال والمناقشة، وبالامكان مراجعة الكتاب القيّم لسماحة الخطيب والباحث القدير المرحوم السيد كاظم القزويني؛ الامام الصادق من المهد الى اللحد، وفيه تفاصيل تلك المحاورات وجلسات التبصّر التي كان يقودها الامام لكثير من الملاحدة والمشكيين وحتى الزنادقة، فكانت اخبار هذه الجلسات تنتشر في كل مكان وتبعث الاطمئنان والسكينة في النفوس القلقة لابناء الامة.

أصداء هذه الجلسات كانت تنتشر بفضل اصحاب خلّص وعلماء مجاهدين امثال المفضل، وهشام بن الحكم، ومؤمن الطاق وغيرهم كثير كانوا يستمعون ويكتبون، ثم ينشرون علوم الامام بين الناس، مستفيدين من حقبة الانفراج السياسي وانشغال العباسيين بجمع غنائم الدولة الاموية وتثبيت اركان حكمهم، ولم تتعرض حركة الإمام الصادق العلمية والحضارية للتهديد، إلا بعد استحكام أمر العباسيين، فبدأت المضايقات والمطاردات ثم التهديد بالقتل، كما حصل للإمام الصادق نفسه، واصحابه المقربين، ومنهم هشام بن الحكم الذي مات كمداً وهو مطارد بسبب الخوف الشديد على وصايا وتراث أهل البيت، عليهم السلام.

الأخلاق المفتاح السحري

ليس من السهل أن يسمع الانسان القدح والتسفيه والتشكيك بما يعتقد هو أنه مقدس وسامٍ، ثم يصبر ويحافظ على رباطة جأشه، ولا يرد بالمثل، لان العقيدة تمثل لأي انسان قيمة معنوية عالية وجانباً من الكرامة والاعتداد بالنفس، فأي قدح بها يعني قدحٌ بالكرامة واستهانة بها.

هذه الحالة النفسية كانت وما تزال تمثل تحدياً كبيراً لكثير من أهل العلم والفضل من الخطباء والمبلغين والمصلحين على طول الخط، واليه يُعزى ابتعاد الناس عن الدين والقيم الاخلاقية وحتى الانسانية عندما لا يجدون المصاديق العملية لمن يتحدث عن هذه القيم والفضائل، او ربما يتحدث عنها بشكل نظري، وهم يستمعون مع شيء من التقدير والاحترام، ثم يذهب كلٌ الى حال سبيله، والى حياته وسلوكه وما يؤمن به من طريقة في الحياة.

بيد أن الامام الصادق، عليه السلام، وهو الذي نعده أول مؤسس لجامعة متكاملة في الاسلام، ومركز علمي ومعرفي لكل شيء يفكر به الانسان ويحتاجه في حياته، يقدم لنا طريقاً آخر للتعامل مع ما يفرزه المجتمع من سلوكيات وافكار.

واذا تصفحنا سيرة الامام في هذا المجال وجدناه صورة ناصعة تعكس سيرة حياة جدّه المصطفى محمد، صلى الله عليه وآله، وكيف كان يبتسم لمن يقسو عليه، ويغضّ الطرف عمن يتعامل معه بخشونة، ولعل قصة ذلك الاعرابي واساءته للنبي، ورد فعل الاصحاب ومحاولتهم الهجوم عليه، تكون صورة تقربنا الى سيرة الامام الصادق، وما كان يفعله مع ابناء مجتمعه بعد مرور اكثر من مئة عام على رحلة النبي الاكرم، فكان جواب النبي لاصحابه، بعد التلطّف بذلك الاعرابي واستيعابه وارشاده، أن قال لهم: "مثل هذا الاعرابي فيكم مثل الناقة كلما جريتم خلفها –مضمون الرواية- كلما ابتعدت عنكم".

وكان هذا ينعكس جليّاً على مجالسه مع المشككين والمعتقدين بالافكار الوافدة، فقد كان "يراعي مستويات الناس في التحدث والاحتجاج معهم. ويفند الاباطيل بلا أي تكلّف، فكان مسلحاً بأقوى انواع الاسلحة الفكرية، لا يحتاج الى التهريج والمغالطة في الكلام، ولا يستخدم الاساليب الشيطانية في المناظرة والحوار". (الامام الصادق من المهد الى اللحد).

الوصول الى الحقائق، و هداية الناس الى بر الأمان، هو الهدف الرئيس للإمام الصادق، عليه السلام، ودون ذلك يهون عنده، من ضغوطات ومنغّصات، وحتى تجاوز على شخصه الكريم، كما فعل المقربون منه في قضية الدعوة للثورة على الأمويين بقيادة العباسيين، وكيف أن أحد أرحام الإمام اتهمه بالحسد لابنه الذي رشحه العباسيون للقيادة والخلافة كذباً وخداعاً، وحذره من مصير دامٍ على يد من يعدونه ويغررون به، وحصل ما حصل من مجزرة راح ضحيتها العشرات من الشيعة والعلويين من ابناء الامام الحسن المجتبى، عليه السلام.

هذا ديدن الإمام، عليه السلام، لاسيما في مسيرته العلمية، فقد جذب تواضعه الجمّ، وأخلاقه الرفيعة، كل مدعٍ لطلب العلم والمعرفة في الامصار الاسلامية، بل وحتى من غير المسلمين، وبهذا المنهج أسس الامام جامعته العلمية، وربى العلماء والعباقرة والمكتشفين الذي لا يعلون في مراقي العلم والمعرفة إلا وتتواضع انفسهم بنفس المقدار بين الناس فيكونوا السبيل الى الله –تعالى- والطريق الى رضوانه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3