كان رسول الله، صلى الله عليه وآله، يتلو على اصحابه الخطبة الشهيرة في نهاية شهر شعبان مستقبلاً بها شهر رمضان المبارك، وكان يبين فضائل أيام وليالي هذا الشهر الكريم، وما على المؤمنين القيام به من صلاة ودعاء وابتهال.

يقول أمير المؤمنين، عليه السلام، وكان قريباً منه: "ثم بكى، فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر، كأني بك وأنت تصلي لربك وقد اتبعك أشقى الآخرين يتبع أشقى الأولين، شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك ضربة على قرنك فخضب منها لحيتك فقلت: يا رسول الله وذلك في سلامة من ديني؟ فقال: نعم في سلامة من دينك".

هذا أول رد فعل من أمير المؤمنين على إبلاغه بكيفية استشهاده، فهو لا يفكر بالقيادة والحكم وحتى الخلافة، ولا بمكانته الاجتماعية، وربما يخسره الناس خسارة عظيمة، فعليه اتخاذ التدابير الاحترازية للحؤول دون وقوع حادثة الاغتيال هذه، إنما يفكر بالدين؛ هذا العنوان الكبير والخط العريض الذي يضم منظومات الاحكام والتعاليم والاخلاق والسُنن الإلهية، فاذا قتل وترك من خلفه الدين بكل ما فيه، ينبض بالحياة في نفوس الناس، فأهلاً وسهلاً بالموت في أي لحظة، وأي مكان.

ولو راجعنا الظروف النفسية في فترة حكم أمير المؤمنين، لوجدنا أن اطرافاً عديدة كانت تدّعي "التديّن"، وأنها أكثر حرصاً على أحكام الاسلام، وعلى القرآن، وإلا ما الذي دفع بحوالي عشرون ألف رجلاً للانضمام الى جيش طلحة والزبير وينكثوا بيعتهم مع أمير المؤمنين، ويخرجوا الى البصرة ومن هناك يخوضوا حرباً ضروساً وخاسرة قتل منهم حوالي ستة عشر رجلاً؟!

وكذلك الحال بالنسبة للخوارج الذين كانوا يُسمون بأصحاب الجباه السود في معسكر الإمام وهو يخوض الحرب ضد القاسطين (جيش معاوية)، فمرقوا كما يمرق السهم من كبد القوس، واتخذوا لهم حزباً سياسياً يرفع شعار "لا حكم إلا لله"، فحشدوا حوالي ثلاثة آلاف رجل، هذا فضلاً عن جيش الشام، وكل أولئك كان يعدون انفسهم أمناء على الدين وعلى كتاب الله، ولن يجدوا لأمير المؤمنين فضلاً عليهم، بل هم أفضل منه ديناً، ولذا كانوا يسقط الواحد منهم تلو الآخر بسيوف اصحاب الإمام ولا يبالون، فالذي يحمل شيئاً من الدين مثل "الصُحبة" كما كانت لدى الزبير بن العوام، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وأشباههم حريُ أن يكونوا قادة وأمراء للأمة، فهم يؤمون المصلين في المساجد، ويقرأون القرآن الكريم، و يحجون الى بيت الله الحرام، ويقومون بالطقوس والاعمال العبادية الاخرى.

لم يمض على غياب النبي الأكرم عن الأمة سوى ثلاثة عقود ونيف، وهي فترة ليست بالطويلة لتصاب الأمة بهذه اللوثة الفكرية وتتخذ من واجهات سياسية وقبلية مصدر إلهام للعقيدة والإيمان، وقد كان يؤشر الى هذه النزعة الجاهلية "الثاني" تعليله الامتناع عن إعطاء الدواة والكتف لرسول الله في الساعات الاخيرة من حياته في تلك الحادثة المعروفة بـ "رزية الخميس"، إذ قال لمن حوله وهو على شفى الموت ما مضمونه: "كنت أعلم أنه يريد أن يكتب لعلي بن أبي طالب، وهو ما يرفضه كبار قريش"!

الفوز العظيم في محراب الصلاة

كان ممكناً أن يقتل أمير المؤمنين في سوح المعارك الطاحنة مع الناكثين والمارقين والقاسطين، ولاسيما في حرب صفين، وتحديداً في "ليلة الهرير" ليكون شهيداً مثل ولده الحسين، عليه السلام، بيد أن التقدير الإلهي لأمير المؤمنين أن يكون شهيد العقيدة الحقّة والإيمان واليقين، وليكون مصداق الآية الكريمة: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}، (سورة الانفال، 42)، وليعرف الناس؛ في تلك البرهة الزمنية، وفي الوقت الحاضر، والى يوم القيامة، كيف يهتدون الى الحق حتى يعرفون أهله، وكيف يهتدون الى الدين ليكونوا متدينين حقيقيين لا قشريين.

ولعل هذا يقربنا الى فهم فلسفة الفوز في الموت بمحراب الصلاة في تلك الظروف العصيبة، بان الدين هو محور الصراع بينه وبين خصومه وليس شيء آخر مطلقاً، لذا نتذكر أنه، عليه السلام، لم يكن يتعامل مع مفردات الحروب الثلاثة، من أسر، وغنائم، وحتى المباشرة بالقتال على أنها حروب مع "إخواننا بغوا علينا"، فالذين كان يشهرون سيوفهم عليه من ناحية الشام، والبصرة، والنهروان، كانوا مسلمون في نظر أمير المؤمنين، فلم يجز لاصحابه أخذ أي شيء بعنوان الغنيمة بعد سلسلة من الانتصارات التي حققها، وقبل الشروع بالحرب كان يسعى لتغيير موقفهم وتصحيح افكارهم الخاطئة، بدءاً من معاوية، وحتى طلحة والزبير، وحتى الخوارج الذين كفروه وهددوه بالقتل وجهاً لوجه، فكان جواب التهديد النصح، وهو ما أثمر عن تراجع حوالي ألف رجل من الخوارج وانضامهم الى معسكر الحق، وهو إنجاز تاريخي باهر جدير بتسليط الضوء عليه.

فاذا لم تصل نصائح الإمام الى أهل الشام المغرر بهم، والذين سقطوا ضحية عملية غسيل دماغ مريعة، وعمليات تضليل وتشويه للحقائق، فان دمائه الزكية التي أريقت في محراب صلاته بمسجد الكوفة هي التي وصلت الى كل بيت من بيوت الشام لتدمر ذلك الجدار الكبير وتكشف الحقيقة المغيبة بأن "...وهل كان علي يُصلي"؟!

الاقنعة ما تزال مهددة منذ اربعة عشر قرناً

اليوم يكون قد مرّ استشهاد أمير المؤمنين، عليه السلام، اربعة عشر قرناً وسنة واحدة، إذ ان حادثة الاغتيال وقعت في السنة الاربعين من الهجرة، وخلال هذه الالف و اربعمائة سنة شهدت الامة ظهور شخصيات تصدرت المشهد السياسي في البلاد الاسلامية وهي تدّعي التديّن وتجعله الوسيلة لشرعنة الحكم، ثم لكسب ودّ الجماهير ورضاهم، فمنهم من تعكّز بآيات من القرآن الكريم مثل: {وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم}، ومنهم من تعكّز بالروايات والاحاديث عن أهل بيت رسول الله، فقد فعلوا كل شيء ذي صلة بالدين وطقوسه الظاهرية، إلا شيئاً واحداً وجوهرياً هو؛ زرع الإيمان في النفوس، وأن يكون الدين منهجاً لحياتهم اليومية، وليس "لعقاً على الألسن"، وهو ما كشف عنه الإمام الحسين، عليه السلام، خلال نهضته الإصلاحية المدوية، وللأسف فانه هكذا اليوم وبنسبة كبيرة جداً.

وبما ان الاسلام دين الفطرة والعقل والمنطق، فان وجود هذه اللوثة الفكرية والاختلال العقدي أثار في نفوس غالبية الناس في كل مكان، مشاعر الخيبة والاحباط من كل ما يمتّ الى الدين بصلة، حتى وإن كان يرتبط بنفس الأئمة الاطهار في تراثهم ومشاهدهم المشرفة، بل حتى التحلّي بأسمائهم بسبب فقدان المصداقية بما يقال، فالانسان خلقه الله محباً للصدق والأمانة وكل قيم الحق والفضيلة، ولا يرتضي بالكذب والدجل مهما كانت الظروف، في حين كان الأئمة المعصومون يؤكدون على ثابت –من جملة ثوابت- أساس في رسالتهم بأنهم يحيون ويموتون دون قيم الحق، وهذا ما كان يؤرق الحكام الأمويين والعباسيين ويشعرهم بالخطر الماحق من الأئمة الذين لم يكن لديهم، لا أعداد كبيرة من الانصار والرجال، ولا السلاح، ولا حتى تلك الاموال الطائلة التي كانت في يد الحكام، إنما أمرٌ واحد لا غير؛ التجسيد الحقيقي للدين فقط، وهي الحقيقة التي كشف جانباً منها المسلمون في تلك الفترة، ثم تعمّقت فيها الاجيال اللاحقة بأن أي حاكم يجعل القرآن الكريم وأحكام الدين خلفه ليرتفع بها ويحقق مصالح له، لا يلبث أن تسقط عنه الاقنعة إن عاجلاً أم آجلاً لان الناس ستقارن بينه وبين سيرة أمير المؤمنين، وكيف أنه، عليه السلام، ضحى بنفسه ليحيا الدين، ويسلم، ويبقى حيّاً مشعاً الى يوم القيامة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2