"الحسن مني والحسين من علي".
رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلّم

في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك يشعّ من البيت العلوي نوراً يتصل بالسماء ليبشر العالم بولادة أول سبط لرسول الله، صلى الله عليه وآله، وأول ابتسامة على وجه المصطفى بظهور من يحمل خصاله، وفي مقدمتها؛ الحِلم. هذه الخصلة النادرة كالدرة العظيمة، كانت تمثل في المجتمع الاسلامي الاول وفي السنة الثانية للهجرة، بمنزلة غيث السماء الى النفوس الظمآى والقلوب المتعبة من شدّة القسوة والغلظة، لترويها حبّاً وحلماً ووداعة، علّها تجد سبيلاً للرقي والتكامل الانساني.

بأنامل النبي الأكرم

بعض الصفات الاخلاقية تحتاج الى رعاية من الأبوين لتنمو في نفس الطفل منذ نعومة أظفاره، فهي ليست كلمات تُسمع وتقرأ، ثم تهفو النفوس اليها، وتشتاق لأن تتحلى بالحلم، أو التواضع، أو العطاء، أو حُسن الكلام واحترام الآخرين، وغيرها كثير.

ذات مرة يصلي النبي بالمسلمين في المسجد، فيسجد ويسجدون، يرددون في خضوع: سبحان ربي الأعلى وبحمده"، مرة بعد مرة، ثم ينتظرون الرسول أن يرفع رأسه ولكن! النبيَّ يطيل سجوده، وهم في حيرة من أمرهم، ماذا حدث؟!

ولا يزالون كذلك حتى يرفع النبي رأسه، وتتم الصلاة، وهم في أحر الشوق إلى معرفة سبب إبطائه في السجود فيقول لهم: جاء الحسن فركب عنقي، فأشفقت عليه من أن أُنزله قسراً، فصبرت حتى نزل اختياراً".

وهكذا علمنا رسول الله كيف ننمّي الصفات الاخلاقية في الطفل ليشبّ عليها وتكون له رصيداً معنوياً يعينه على بناء أفضل وأقوى العلاقات الاجتماعية.

ربما هي الحكمة الإلهية لأن يكون السبط البكر لرسول الله حاملاً أهم وأبرز صفاته؛ الحلم، الصفة التي جمعت شمل الناس حول الرسالة السماوية، وعطفت على القلوب فأضفت عليها ليونة وطراوة وسماحة لم يعهدها أهل الجزيرة العربية من قبل، فكم من موقف قاسٍ تعرض له النبي من ابناء ذلك المجتمع، من جرّ لثوب، او مناداة باسمه بصوت عال، او فضاضة في الحديث، فكان الجواب على كل ذلك؛ الابتسامة والرفق، ولم يكن يسمح لأحد بمعاقبة شخص على تصرفاته تلك والتي لا تعبر بالضرورة عن ذاته، بقدر ما تعكس تربيته ومحيطه الاجتماعي، لذا ما أن دخل شعاع الاخلاق الحميدة قلوبهم تخلّوا سريعاً عما كانوا عليه.

هذا الحِلم المحمدي على موعد مع أيام عصيبة يعيشها الامام الحسن المجتبى بعد رحلة جدّه الى الرفيق الأعلى، ثم استشهاد أبيه أمير المؤمنين، ليشهد ظهور "حسيكة النفاق" بشكل أوسع وأطغى على الصعيد الاجتماعي، والانقلاب المريع على وصايا النبي وأحكام السماء، لتكون مهمة الامام الحسن، غاية في الصعوبة، وهو أول إمام معصوم، ووليّ منصّب من السماء للأمة.

لنتصور شخصاً يموت أبيه، ثم يلقاه شخصاً آخر في الطريق، ومن دون مقدمات ولا سبب جيه، يكيل الشتائم والسباب لأبيه المتوفي أمام الناس، كيف يكون رد فعله؟!

هكذا واجه الإمام الحسن المجتبى ذلك الشامي القادم الى المدينة، وقد صادفه في الطريق، فما أن رأى الإمام حتى بدأ بشتم أمير المؤمنين، وشتمه هو ايضاً، فهاج اصحابه وجردوا سيوفهم يريدون قتل الرجل، فنهاهم الإمام، ثم توجه اليه بالسؤال كما لو لم يسمع منه كلمة سبّ واحدة:

يبدو انك غريب عن هذه الديار يا اخا العرب؟

قال الشامي: نعم انا من الشام من شيعة امير المؤمنين، وسيد المسلمين معاوية بن ابي سفيان! فرحب به الامام من جديد وقال له: انت من ضيوفي!

فامتنع الشامي ولكن الامام لم يتركه حتى قَبِل النزول عنده، وبقي الامام يخدمه بنفسه طيلة ايام الضيافة، ويلاطفه، فلما كان اليوم الرابع بدا على الشامي الندم والتوبة مما صدر منه تجاه الامام، وكيف يسبّه ويشتمه فيقابله بالإحسان والعفو وحسن الضيافة، فطلب من الامام ورجاه ان يسامحه على ما صدر منه، وكان بينهما الحوار التالي بمحضر من اصحاب الامام:

الامام: أقرأت القرآن يا اخا العرب؟

الشامي: انا احفظ القرآن كله!

الامام: هل تعرف من هم أهل البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم؟

الشامي: انهم معاوية وآل ابي سفيان!

استغرب الحاضرون و تعجبوا، و ابتسم له الامام قائلا: انا الحسن بن علي، و أبي هو ابن عم رسول الله و اخوه، و أمي فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين، وجدي رسول الله، سيد الانبياء و المرسلين، وعمي حمزة سيد الشهداء، وجعفر الطيار، ونحن آل البيت الذي طهرنا سبحانه، وفرض مودتنا على كل المسلمين، ونحن الذي يصلي الله و ملائكته علينا، و أمر المسلمين بالصلاة علينا، وأنا و أخي الحسين، سيدا شباب اهل الجنة، وعدد له الامام بعض فضائل أهل البيت، و عرفه حقيقة الامر، فاستبصر الشامي وبكى، وأخذ يقبل انامل الامام ويلثم وجهه معتذرا عما صدر منه في حقه قائلا: والله الذي لا اله الا هو اني دخلت المدينه وليس لي على وجه الارض أبغض منكم، وها انا اخرج منها وليس على وجه الارض أحب إلي منكم، و اني اتقرب الى الله سبحانه بحبكم ومودتكم و موالاتكم، والبراءة من اعدائكم .

فالتفت الامام الى اصحابه قائلا: لقد اردتم قتله، وهو برئ لأنه لو عرف الحق ما كان ليعانده، وان اكثر المسلمين في الشام مثله لو عرفوا الحق لاتبعوه.

ثم قرأ قوله تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. (سورة فصلت، الآية34).

الحِلم والحَزم

الحلم الذي هو كماء الغيث النازل من السماء الى القلوب الصدئة، يكون في إجازة عندما تحين ساعة الحزم لإماطة اللثام عن الحقائق امام جموع المسلمين، واتخاذ المواقف الشجاعة في الوقت المناسب بما يحقق المكاسب للأمة.

فهذا الحسن المجتبى، ذلك الفتى اليافع والوديع، يدخل مسجد جدّه المصطفى وقد فقده منذ أيام، فهو يستذكر كل تلك الحنايا والعواطف أيام طفولته في هذا المسجد، ثم يرى فجأة شخصاً يدّعي خلافة جدّه بخلاف الوصية لأبيه أمير المؤمنين، وهو على المنبر يخطب في الناس، فيشقّ طريقه بين الناس حتى يصل الى المنبر ويصيح بذلك الرجل بشدّة أن "أنزل عن منبر أبي"، ويذكر الرواة كيف أن الصمت المطبق خيّم على الحاضرين، ولم يجرؤ أحد على التفوه بكلمة، فقام أحد اصحاب النبي واعتنق الحسن لتهدئة روعه وملاطفته لتسوية الأمر وإخراج الرجل من الاحراج الرهيب.

هذا هو الحسن المجتبى في حزمه وهو طفل بعد لم يتجاوز الثامنة من عمره، وهو في مرحلة الرجولة يظهر بأساً شديداً في حرب الجمل عندما عجز محمد بن الحنفية، مع شجاعته المشهورة، وكونه ذراع أمير المؤمنين الضاربة، من أن يصل الى صاحب راية "الجيش الناكث" وقتله وإسقاط الراية التي تعني آنذاك بانهيار الجيش، وكان أمير المؤمنين كارهاً لبروز الحسن في ساحة المعركة خشية استشهاده وانقطاع النسل من آل الرسول، فأصرّ الحسن على النزول لأداء هذه المهمة، وبعد أن تردد بعض الوقت قال له: سر على اسم الله، فاقتحم الإمام خضم الجيش، فتقاطرت عليه النبال، وأمير المؤمنين ينظر إليه عن كثب، ولم يزل الحسن يغيب في لجج الرجال ويطفو عليها حيناً آخر، حتى بلغ مركز الراية فأسقطها، وهزم الجيش وتمّ النصر على يده. (الامام الحسن، قدوة وأسوة-المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).

إن الحلم الحسني يستهدف القلوب والنفوس لإحيائها بالايمان والتقوى والعمل الصالح، وليست باباً –كما يتصور البعض- للمهادنة والمصانعة مع اصحاب المصالح السياسية والاقتصادية، فهو يعطي إعطاء الكريم لا إعطاء الذليل، كما قالها أخوه الامام الحسين، عليه السلام، يوم عاشوراء لقادة الجيش الأموي: "لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد".

أيّ حِلم ينقذ الأمة بأكملها!

شهدنا في التاريخ السياسي المعاصر، وربما قبله، كيف أن زعيم حزب سياسي، او زعيم قومي، يجد انه صاحب رصيد جماهيري، ويمتلك بعض الاموال والامكانات، يصر على انتزاع مكانته وامتيازاته من خصومه وإن كلف الأمر إزهاق أرواح الآلاف، وتدمير مدن، وإلحاق الاضرار الفادحة بالعباد والبلاد.

ونرى أن الامام الحسن، وهو ابن أمير المؤمنين، الخليفة الشرعي والقانوني المنتخب، ثم تم انتخابه بإجماع الأمة بعد استشهاد أبيه، فضلاً عن مكانته من النبي الاكرم، وما قاله بحقه، مع كل هذا يتنازل عن حقه في الحكم الى شخص مثل معاوية، والسبب من داخل معسكره ومن افراد أمته المتخاذلة، وهو ما يزيده ألماً بعد كل ما بذله من حِلم ورفق بخلاف ما اتبعه معاوية مع أهل الشام من تضليل وتشويه للحقائق وصناعة جيش أشبه ما يكون بأحجار الشطرنج يحركها كيف يشاء.

ان التاريخ يشهد على ما كان يفعله معاوية من تغرير الناس بالاموال، وإطلاق الوعود الكاذبة، وتشويه صورة أهل البيت، عليهم السلام، ووضع الاحاديث المزيفة عن النبي الأكرم لإضفاء شيء من النزاهة والحقانية على شخصه، بينما الامام الحسن، عليه السلام، كان يصدق الناس في طول الخط، ولا يحابي أحد على حساب شخص آخر، بل لم يكن ليجبر الناس على القتال، ولم يكن ليعاقب او يهدد المتخلفين عن معسكره، بل كان يوصي افراد جيشه بعدم الفتك بالمنهزمين، وعدم هتك الحرمات، والأهم من كل هذا؛ تلقينهم بأنهم يقاتلون "فئة باغية"، فهم مسلمون وليسوا كفاراً، وعليهم ردع هؤلاء بالتي هي أحسن والتفكير في اسلوب لتغيير موقفهم وعودتهم الى جادة الصواب. ولهذا كان أمر تجميع الآلاف من المقاتلين سهلاً يسيراً على معاوية، بينما كان صعباً مستصعباً على الامام الحسن، عليه السلام، بهذا المنهج الرسالي الصارم الذي يلتزم به ويدعو اليه.

إن الحلم الحسني هو الذي كشف زيف الاسلام الأموي بعد فترة وجيزة من استشهاده، عليه السلام، ووضع حداً فاصلاً بين منهج أهل البيت، عليهم السلام، القائم على الفضيلة والحق والاخلاق الحميدة، وبين المنهج الأموي القائم على التضليل وسفك الدماء وشراء الذمم، ولعل عبارة "قلوبهم معك" تكون من ثمار الحلم الحسني مهداة الى أخيه الامام الحسين الذي كان على موعد مع معركة فاصلة بين الحق والباطل، بدأت فصولها الاولى من تفاعل أهل الكوفة ووجهائها مع الامام الحسين، مع تخاذلهم وتراجعهم عن نصرته، ولكن! من وسط هذا التخاذل المرّ تألقت نجوم ساطعة في ناصية التاريخ مثل؛ حبيب بن مظاهر الأسدي، والحر بن يزيد الرياحي، ومسلم بن عوسجة وغيرهم من وجوه الكوفة، وبهم انتصر الإمام الحسين بدمائه ودمائهم على سيوف بني أمية، ثم ليكون طريقاً مضيئاً للثائرين والمصلحين الى يوم القيامة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

21