"إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، الحديث النبوي الشريف يصرح بارتكاز الرسالة السماوية على القيم الاخلاقية، وعلى أنه داعية الأخلاق والفضيلة، كما عُرف بذلك منذ عرفه المجتمع المكّي شاباً يافعاً، بيد إن "الإتمام" لمكارم الأخلاق في مجتمع الجزيرة العربية، وربما في العالم كله، يدعونا للتوقف ملياً في منهج التغيير الاجتماعي، فالمعروف أن ثمة خصال حميدة كانت تسود المجتمع المكّي رغم جاهليته وعقيدته الوثنية، مثل إكرام الضيف، وإفشاء التحية والسلام وفق المصطلح المعتمد عليه آنذاك (يُسعد صباحك)، فجاء النبي وحوّله الى "السلام عليكم". الى جانب إغاثة الملهوف والمستجير، والغِيرة.

الحديث من الزاوية الايجابية الباعثة على الارتياح والفخر والاعتزاز، ربما لا يتناسب مع المناسبة التي تمر علينا وهي ذكرى رحيل النبي الأكرم، عن عالمنا الى الرفيق الأعلى، وما تنطوي عليه من ذكريات مرّة وأليمة، ليس أقلها "رزية الخميس"، وحزن الصديقة الزهراء، الذي لم يعهده الناس من قبل.

تغيير الأحكام قبل تغيير النفوس

معروف عن الرجل العربي في العهد الجاهلي قساوته وغلظته، فمن النادر أن يُرى رجلاً في مكة –مثلاً- وهو يبتسم للناس ويسلم عليهم، أو أن يحنو على أطفاله، أو أن يستشعر العطف على الفقير او اليتيم، وأن يتعامل بلطف و ودّ مع زوجته، فكانوا يعدون كل ذلك مدعاة للضعف والصِغر، فعندما جاء النبي برسالة الاسلام الى هؤلاء القوم، كان مدركاً سلفاً أن هذه البنود الاخلاقية، لا تنسجم مع السلوك السائد، والذي كان بمنزلة الثقافة المتأصلة في النفوس، وربما نجد آثارها حتى اليوم.

من اجل ذلك نجد أن رسالة الاسلام جاءت في مرحلتين تاريخيتين؛ الاولى في مكة، و الاخرى في المدينة، وبعد الهجرة اليها، ولمن يلاحظ مضامين سور القرآن الكريم المكّية يجد أنها تركز على العقيدة بالدرجة الاولى؛ من التوحيد، والمعاد، وتبيان مهاول الآخرة، وسيرة الأقوام الماضية وتجاربهم من انبيائهم، بينما تخصصت السور المدنية بالدرجة الاولى على بناء المجتمع وصياغة القوانين والاحكام وكل ما يتعلق بالأخلاق والآداب والسلوك، وأيضاً قضايا الجهاد ومنهج الدفاع عن الامة وعن الرسالة في وجه التحديات الخارجية.

وبعد ثلاث سنين من كتمان الرسالة السماوية، ثم مرحلة نشر الدعوة بين "العشيرة الأقربين"، وبين الشريحة المستضعفة الاكثر تفاعلاً مع مبادئ الإسلام، مثل الفقراء والموالي (العبيد)، وبعد ثلاثة عشر سنة من الكفاح المرير وسط تهديدات واستفزازات المشركين، بلّغ رسول الله رسالة الاسلام، وما أنزل الله –تعالى- عليه من عبادة الواحد الأحد، من خلال تعريفهم بصفاته وخصوصياته، كما جاء في عديد السور القرآنية التي نقضت الشرك وعبادة الأوثان وفندتها عقلياً، تكوّن في مكة جماعة من الذين تخلّوا عن عبادة الأوثان وآمنوا بما جاء به النبي، طبعاً؛ ما عدا أمير المؤمنين الذي كان حالة خاصة بين جموع رجال مكة والجزيرة العربية، إذ لم ينح لصنم قط بإجماع الرواة.

وفي مرحلة لاحقة من الدعوة، وهجرة النبي مع المسلمين من مكة الى المدينة، شهد المسلمون لأول مرة تشكّل مجتمع اسلامي، وبالرغم من تطور أوضاع المسلمين، والانتصارات والانجازات التي كان يحققها النبي، ومعاضدة السماء له بمنظومة متكاملة من الأحكام والنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، نجد أن القرآن الكريم ينهى بعض المسلمين من أن يصفوا انفسهم بالمؤمنين: {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}، (سورة الحجرات، آية 14)، والسبب في الوضع النفسي للانسان العربي آنذاك، فالقسوة والغلظة وعبادة الذات كانت تلقي بظلالها دائماً على السلوك وطريقة التفكير وتفسير الامور، وقد استمر الحال لفترات طويلة بعد رحلة النبي الى الدار الآخرة، ورافقت شريحة لا بأس بها من المجتمع الاسلامي، عهد أمير المؤمنين، وأبنيه؛ الحسن والحسين، والأئمة من بعدهم، فتشكل الخوارج، ومن قبلهم الناكثين (طلحة والزبير)، والمارقين (معاوية)، ومحنة أهل الكوفة و واقعة كربلاء.

لقد وضع النبي الأكرم كافة القوانين والاحكام والنظم أمام المسلمين ليتخذوا قرارهم بأنفسهم، كما فعل الشيء نفسه مع غير المسلمين، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجاً، لما يرون فيه من العدل والحرية والمساواة والحياة الطيبة، يبقى الإيمان الحقيقي والعميق في النفس مسؤولية الانسان المسلم، فهو الذي بامكانه أن يكون مؤمناً، او أن يكون مسلماً منافقاً، فجاءت الآية الكريمة في سورة هود، واضحة بهذا الخصوص، بعد ذكر تجربة قوم نبي الله يونس الذين تميزوا عن سائر الأقوام بدفع البلاء السماوي عنهم في اللحظات الأخيرة عندما ابتهلوا وتضرعوا الى الله مخلصين، جاء النداء الى النبي الأكرم بأن {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (الآية99).

عالم الأسباب والعلل لا الطموحات المجنحة

كان النبي الأكرم، ومن بعده الأئمة المعصومين، مسددين من السماء، فكانوا يمتلكون المعاجز، ومستجابي الدعوة الى الله –تعالى- وكانوا يطلعون على الغيب بأمر منه –تعالى- ولكن هذا لم تكن وسيلتهم لنشر الاسلام وبناء المجتمع الاسلامي والحضارة الاسلامية، وإلا لما كان هنالك فضلٌ للمجاهدين والعلماء المصلحين، ومن اتصفوا بالزهد والتقوى والورع، عن سائر الناس، فهذا هو البلاء المبين، والاختبار لمن يروم تحقيق الاهداف الكبيرة في الوقت الحاضر، من قبيل الإصلاح او التغيير الشامل في البلاد الاسلامية وفي مقدمتها؛ العراق.

ربما تكون النوايا سليمة نابعة من لوعة الفساد والانحراف والطغيان، فنجد الدعوات للتغيير الشامل واقتلاع جذور الفساد مرة واحدة من المجتمع والدولة ليعيش الناس في أمن وسلام و رفاهية، هذا المطلب المشروع لا يختلف عليه اثنان قط، إنما المشكلة في الواقع والظروف والآلية، فهل يكون الخيار لخوض حرب شعواء ضد المفسدين لتنظيف المجتمع والامة منهم؟ أم يكون الخيار لنشر ثقافة الصدق والأمانة والتكافل والتسامح وغيرها من القيم الاخلاقية والانسانية؟ فاذا كان خيارنا هو الأول، كان أمير المؤمنين أول من يطبقه بعد ساعات من رحيل النبي ودفنه عندما جاءه أبو سفيان، شاهراً سيفه، معلناً الولاء له، داعياً الى مبايعته للقضاء على المجتمعين في سقيفة بني ساعدة الذين اغتصبوا الخلافة منه، فكان جوابه بهدوء تام؛ أنك –يا ابو سفيان- لست حريصاً على المسار الصحيح للخلافة، بقدر ما تستبطن الخبث والحقد على الاسلام برمته، تريد إشعال "الحرب الأهلية" بين أقطاب المسلمين لينتهي الاسلام وتعود أنت والأمويين الى سابق عهدكم، وتبينوا للناس جميعاً بأن الاسلام ليس جديراً بالحكم وإدارة البلاد والعباد.

الشعب العراقي في الوقت الحاضر محملاً بما لا يحتمله أي شعب في العالم، من حروب ونكبات وانتكاسات، فقد شهد السحل والقتل والتعذيب والتهجير طيلة حوالي سبعين عاماً، جعلته لا يفكر إلا بالأكمل والأكبر في أي عملية تغيير سياسي واجتماعي، وهذا ما جعله يكون سريع الإيمان بالوعود والشعارات، وعندما يتعرض للخذلان تكون الصدمة كارثية.

في كتابه "السبيل الى إنهاض المسلمين"، وفي أواسط الثمانينات كتب الامام السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- في فصل عن التغيير السياسي بأن يكون هنالك عفواً عاماً عن جميع المنتسبين الى النظام السابق، مهما كانت خلفياتهم وأعمالهم، حتى يُصار الى تقوية دعائم النظام الجديد، أما أن تنصرف الجهود الى التصفيات الدموية بحجة القصاص من المجرمين، أو حملات الإقصاء والتهميش بذريعة توظيف المخلصين والمؤمنين، فان النتيجة لن تكون سوى ما نعيشه اليوم في العراق منذ حزيران 2003 وحتى اليوم، والى أمد غير منظور.

ما نجده أمامنا ليس فقط عدم تحقق ذلك الحلم الكبير، وإنما خسارة تاريخ طويل، وجهود جبارة بذلها الأخيار والعلماء طيلة سبعين عاماً في مواجهة التيارات الفكرية المُظلة، و مواجهة الانظمة الديكتاتورية والقمعية، فلم يعد أحد من العراقيين يتذكر تهجير العوائل العراقية عام 1980 الى ايران، وما تسبب بتمزيق المجتمع العراقي، لان هذا التمزيق استمر بوتيرة متصاعدة، فيما نجد البعض يمتنع عن ذكر الإعدامات والتعذيب والمقابر الجماعية وما ارتكبه صدام، لأن الناس غرقوا في بحر من الدماء بسبب الارهاب والجماعات الطائفية المسلحة بعد الإطاحة به على يد الاميركيين، وباتوا يتجرعون مرارة العيش في ظل أزمات معقدة.

إن التغيير الحقيقي في بلد مثل العراق لن يتم في ظل شعارات، ووعود، وإثارة المشاعر، إنما بمراحل وخطوات ضمن منهج محدد وأصيل يتبناه الشعب العراقي برمته، ولا يكون جنّة لهذا وجهنم لذاك، فنكون كمن يبني بيتاً من الخشب ثم يشعل النار الى جواره، والأهم من كل ذلك؛ الاقتصاد ما أمكن بالدماء والخسائر والخروج بالشعب العراقي من هذه المحنة تدريجياً.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1