الغدير عيدٌ نحتفل به كل عام ونستذكر به واقعة حصلت قبل حوالي اربعة عشر قرناً في آخر حجّة لرسول الله مع جموع المسلمين في منطقة "غدير خُم"، وفيها أبلغ الرسالة الإلهية الى العالم أجمع بأن الولي والحاكم من بعده؛ علي بن أبي طالب.

في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام نستذكر حق الإمام علي في الولاية والحكم كونه الأفضل على الاطلاق، كما نستذكر التجارب والعِبر مما حصل من انحرافات غيرت مجرى التاريخ، وكل هذا وغيره، نقرأه ونسمع به استناداً الى كتب التاريخ والسيرة، وما أن ينقضي اليوم حتى يعود الناس الى ما كانوا عليه، وهو أمر طبيعي نظرياً، بيد أن واقعة مثل الغدير، وهي بمنزلة الشمس التي تشرق كل صباح على العالم، تستدعي التأمّل في كيفية الاستفادة منها لما يفيد حياة الانسان والمجتمع على مر الزمن.

من الظواهر المحيّرة في الوسط الثقافي عدم تكرار الناجحين من علماء وخطباء وأدباء، فيظهر عالم دين أو مفسّر للقرآن الكريم، او عالم اكاديمي، وينفرد في منجزاته، كما يظهر خطيب مفوّه وبارع في طرح الموضوعات المختلفة بما يأسر القلوب والعقول، ثم ينفرد في الساحة، وهكذا الحال في أدباء وكتاب وشخصيات من الشريحة المثقفة والقيادية في المجتمع. ولكن! تمضي السنين وتتوالى الاجيال دون أن يظهر منهم من يظاهي الماضين في منجزاتهم، فضلاً عن أن يفكر بالتفوّق عليهم ويأتي بالجديد.

وهذا ما نلاحظه في الأمم المتقدمة اقتصادياً وحتى سياسياً، فهم لا يتوقفون عن التجديد والتطوير مستفيدين من تجارب الماضي وما في تاريخهم من عِبر ودروس، مثل السلام من بعد الحروب، والنمو الاقتصادي من بعد التخلف والحرمان، مع وجود الناجحين الكبار في علوم الطب والفيزياء والكيمياء والاحياء والقانون والاجتماع، وحتى في مجال الفنون والآداب. فهم خالدون في الذاكرة، أما في الحياة اليومية المتجددة دائماً فان الشباب الطامح والمتحفّز هو الذي يقود هذه الحياة.

لنترك الغدير؛ الواقعة والقضية، ولنعرّج قليلاً على بيت الامام علي في ساعاته الأخيرة –ولو ربما لا ينسجم المقال مع المقال- وقبل استشهاده من أثر سيف ابن ملجم، ونبحث عن السر وراء تكراره، عليه السلام، الدعوة لمن كان قريباً منه في الدار بأن "سلوني قبل أن تفقدوني.. سلوني عن طرق السماء فإني أعلم بها من طرق الأرض"!

ولا نلوم المسلمين في تلك اللحظات الاستثنائية في عدم سؤالهم والاستفادة مما يحمل الامام من علوم جمّة، لانهم ببساطة، فاقدي القدرة الاستيعابية لمديات علمية كالتي كانت مخزونة في صدر الامام علي، إنما الذي يهمنا اليوم استلهام العبرة بأن نكون علماء وناجحين في طريق الامام علي، كما يفعل الناجحون في العالم في المجالات كافة، يبدأون من حيث انتهى الآخرون، فما بالنا ونحن لدينا انسانٌ مثل علي بن أبي طالب، علمه رسول الله، الف باب من العلم، من كل باب يفتح له ألف باب!

وحتى واقعة "سلوني قبل أن تفقدوني" هي الاخرى تحولت الى لوحة جميلة نتطلع اليها ونفتخر بأن لنا إماماً كان أعلم بطرق السماء منه من طرق الأرض قبل اربعة عشر قرناً، ولو أننا قلبنا سيرة الامام علي لوجدنا العديد من الدعوات المماثلة والمؤكدة لأن ينطلق المسلمون من بعده في آفاق العلم والمعرفة والأدب والفكر ليحققوا لمجتمعاتهم على مر الزمن ما كان ينشده هو، عليه السلام، في زمانه، من العدل والمساواة والحرية والكرامة الانسانية. ولعل منها؛ هتافه الصادح: "أعينوني بورع واجتهاد وعفّة وسداد"، في رسالته الشهيرة الى عثمان بن حنيف واليه على البصرة يؤنبه على حضوره مأدبة عامرة لأحد الاثرياء، مبيناً له انه ينتمي الى مدرسة سماوية، ثم يستدرك، عليه السلام، بأن "ولكنكم لا تقدرون على ذلك فأعينوني...".

إن ظهور علماء افذاذ ومفكرين ومصلحين على مر التاريخ ممن تركوا بصمات واضحة في تاريخنا القديم والمعاصر، وغيروا مجرى التاريخ لصالح الشعوب، من أمثال الشيخ الطوسي والشيخ البهائي، والعلامة الحلّي، وممن تبعوهم في تاريخنا المعاصر، أمثال الشيخ النائيني، والشيخ الانصاري، والشيخ المظفر، والعلامة الأميني، والمجدد الشيرازي الاول، ثم المجدد الشيرازي الثاني، وغيرهم كثير ممن أسهموا في صون العقيدة والفكر، يستدعي ظهور شخصيات أخرى في هذا المسار، وايضاً في المسارات الأخرى المتعلقة بجميع شؤون الحياة، مما يجعل الناس في كفاية من حاجاتهم الاساسية، ومن سبل العيش الكريم، ولعل من أبرزها؛ مسألة الحكم، وإحياء المبادئ السياسية السامية لأمير المؤمنين، وايضاً؛ حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في ضوء منهج الغدير.

إن من حقّ الغدير على طلبة الحوزة العلمية وعلى طلبة الجامعات، وعلى أهل الثقافة والفكر في الامة بأن يفكروا بالتجديد والتطوير والابداع في المجالات كافة، كما فعل السابقون من الأبطال الذين عملوا على تطوير مجتمعاتهم، وأن يعيشوا الامن والرفاهية والتقدم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0