البَقيع، هي أقدم مقبرة للمسلمين في المدينة المنورة، بجوار قبر رسول الله (ص)، وتضم أربعة من أئمة المسلمين من أهل بيت رسول الله (ص) وهم: الإمام الحسن والإمام علي بن الحسين، الإمام الباقر، الإمام الصادق (عليهم السلام).

كما تضم البقيع أيضا قبر العباس بن عبد المطلب عم النبي (ص)، وقبر إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقبر عدد من عمات النبي (ص)، وزوجاته، وبعض أصحابه، وعدد من شهداء صدر الإسلام، والعديد من كبار شخصيات المسلمين؛ وفي بعض التواريخ أن عشرة آلاف صحابي دفنوا فيه.

وقد كانت البقيع منذ عهد رسول الله (ص) مزاراً للمؤمنين إلى يومنا هذا، ولكن الوهابيين هدموا القباب الموجودة‌ فيها، ومنعوا المسلمين من تأدية شعائرهم الدينية وممارسة معتقداتهم الشرعية.

لماذا سمي البقيع بالغرقد

أصل "البقيع" في اللغة: الموضع الذي فيه أُرم الشجر من ضروب شتى، وبه سمي بقيع الغرقد والغرقد كبار العوسج، فلذا سُمّي ببقيع الغرقد لأن هذا النوع من الشجر كان كثيراً فيه ولكنه قطع.

ويقول الدكتور محمد البكري الذي شارك في تأليف كتاب بقيع الغرقد "إن النبي خرج لنواحي المدينة وأطرافها باحثا عن مكان يدفن فيه أصحابه حتى جاء البقيع، وقال: أمرتُ بهذا الموضع، وكان شجر الغرقد كثيرا، فسميت به".

القرآن وبناء القبور

لو تتبعنا القرآن الكريم كمسلمين لرأينا أنّ القرآن الكريم يعظّم المؤمنين ويكرّمهم بالبناء على قبورهم حيث كان هذا الأمر شائعاً بين الأُمم التي سبقت ظهور الإسلام فيحدّثنا القرآن الكريم عن أهل الكهف حينما اكتُشف أمرهم بعد ثلاثمّائة وتسع سنين بعد انتشار التوحيد وتغلّبه على الكفر.

ومع ذلك نرى انقسام الناس إلى قسمين: قسم يقول: (ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً) تخليداً لذكراهم وهؤلاء هم الكافرون بينما نرى المؤمنين التي انتصرت إرادتهم فيما بعد يدعون إلى بناء مسجد على الكهف، بجوار قبور أُولئك الذين رفضوا عبادة غير الله؛ كي يكون مركزاً لعبادة الله تعالى.

فلو كان بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها علامة على الشرك، فلماذا صدر هذا الاقتراح من المؤمنين ولماذا ذكر القرآن اقتراحهم دون نقد أو ردّ أليس ذلك دليلاً على الجواز، (قَالَ الّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتّخِذَنّ عَلَيْهِم مّسْجِداً)، فهذا تقرير من القرآن الكريم على صحّة هذا الاقتراح بناء المسجد ومن الثابت أنّ تقرير القرآن حجّة شرعية.

إنّ هذا يدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على البناء على القبور، وكان يُعتبر عندهم نوعاً من التقدير لصاحب القبر، وتبرّكاً به لما له من منزلة عظيمة عند الله، ولذلك بني المسجد وأصبحت قبور أصحاب الكهف مركزاً للتعظيم والاحترام.

ولا زالت هذه الحالة موجودة حتّى في وقتنا الحاضر لقبور العظماء والملوك والخالدين، فهل توجد أخلد وأطهر من ذرّية رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً؟

هدم الوهابيون لقبور البقيع

يعتقد الوهابيون على خلاف جمهور المسلمين أن زيارة قبور الأنبياء وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) وتعظيمهاً عبادة لأصحاب هذه القبور وشرك بالله يستحق معظِّمها القتل وإهدار الدم

ولم يتحفظ الوهابيون في تبيان آرائهم، بل شرعوا بتطبيقها على الجمهور الأعظم من المسلمين بقوة الحديد والنار فكانت المجازر التي لم تسلم منها بقعة في العالم الإسلامي الاوحد طالتها أيديهم، من العراق والشام وحتى البحر العربي جنوبا والأحمر والخليج غربا وشرقا ولقد انصب الحقد الوهابي في كل مكان سيطروا عليه، على هدم قبور الصحابة وخيرة التابعين وأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله).

وكانت المدينتان المقدستان (مكة والمدينة) ولكثرة ما بهما من آثار دينية، من أكثر المدن تعرضا لهذه المحنة العصيبة، التي أدمت قلوب المسلمين وقطعتهم عن تراثهم وماضيهم التليد وكان من ذلك هدم البقيع الغرقد بما فيه من قباب طاهرة لذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وخيرة أصحابه وزوجاته.

الوهابيون هدمو قبور البقيع مرتين

الوهابيون وكما هو معروف قد ورثوا الحقد الدفين ضد الحضارة الاسلامية من اسلافهم الطغاة والخوارج الجهلاء فكانوا المثال الصادق للجهل والظلم والفساد فقاموا بتهديم قبور بقيع الغرقد مرتين في التاريخ:

الأولى: عام 1220هـ

كانت الجريمة التي لاتنسى، عند قيام الدولة السعودية الأولى حيث قام آل سعود بأول هدم للبقيع وذلك عام 1220 هـ وعندما سقطت الدولة على يد العثمانيين أعاد المسلمون بناءها على أحسن هيئة من تبرعات المسلمين، فبنيت القبب والمساجد بشكل فني رائع حيث عادت هذه القبور المقدسة محط رحال المؤمنين بعد أن ولى خط الوهابيين لحين من الوقت.

الثاني: عام 1344هـ

عاود الوهابيون هجومهم على المدينة المنورة مرة أخرى في عام 1344هـ وذلك بعد قيام دولتهم الثالثة وقاموا بتهديم المشاهد المقدّسة للائمة الأطهار (عليهم السلام) وأهل بيت رسول (الله صلى الله عليه وآله) بعد تعريضها للإهانة والتحقير بفتوى من وعّاظهم فاصبح البقيع ذلك المزار المهيب قاعاً صفصفاً لا تكاد تعرف بوجود قبر فضلاً عن أن يعرف صاحبه.

كيف تمكن الوهابيون من هدم البقيع الغرقد؟

بعدما استولى آل سعود على مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة وضواحيهما عام 1344 هـ ، بدؤوا يفكّرون بوسيلة ودليل لهدم المراقد المقدّسة في البقيع، ومحو آثار أهل البيت (عليهم السلام) والاصحاب، وخوفاً من غضب المسلمين في الحجاز، وفي عامّة البلاد الإسلامية، وتبريراً لعملهم الإجرامي المُضمر في بواطنهم الفاسدة استفتوا علماء المدينة المنوّرة حول حُرمة البناء على القبور.

فكتبوا استفتاءً ذهب به قاضي قضاة الوهابيين سليمان بن بليهد مستفتياً علماء المدينة، فاجتمع مع العلماء أوّلاً وتباحث معهم، وتحت التهديد والترهيب وقع العلماء على جواب نُوّه عنه في الاستفتاء بحُرمة البناء على القبور، تأييداً لرأي الجماعة التي كتبت الاستفتاء واستناداً لهذا الجواب اعتبرت الحكومة السعودية ذلك مبرّراً مشروعاً لهدم قبور الصحابة والتابعين.

وهي في الحقيقة إهانة لهم ولآل الرسول (صلى الله عليه وآله) فتسارعت قوى الشرك والوهابيّة إلى هدم قبور آل الرسول (صلى الله عليه وآله) في الثامن من شوّال من نفس السنة أي عام 1344 هـ فهدّموا قبور الأئمة الأطهار والصحابة في البقيع، وسوّوها بالأرض، وشوّهوا محاسنها، وتركوها معرضة لوطء الأقدام، ونهبت كل ما كان في ذلك الحرم المقدّس، من فرش وهدايا، وآثار قيّمة وغيرها، وحَوّلت ذلك المزار المقدّس إلى أرضٍ موحشة مقفرة.

نكبة البقيع

لم يُبق الوهابيون حجراً على حجر، وهدموا المسجد المقام على قبر حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء (عليه السلام) ومسجد الزهراء (عليها السلام) واستولوا على أملاك وخزائن حرم النبي (صلى الله عليه وآله).. وهُدمت قبور أهل البيت النبوي (عليهم السلام).

والمزارات والأماكن المقدسة لمطلق المسلمين سنة وشيعة، فقد وصفها عون بن هاشم، حين هجم الوهابيون على الطائف بقوله: (رأيت الدم فيها يجري كالنهر بين النخيل، وبقيت سنتين عندما أرى الماء الجارية أظنها والله حمراء) وكان ممن قتل في هذه الهجمة التاريخية المشهورة التي تدل على همجيتها على البعد البعيد للوهابية عن الإسلام ووجههم المزري والمشوه للإسلام -الشيخ الزواوي مفتي الشافعية وجماعة من بني شيبة (سدنة الكعبة).

الجريمة كما وصفها الغربيون

يقول الرحالة السويسري "لويس بورخارت" والذي اعتنق الاسلام وسمى نفسه ابراهيم: "تبدو مقبرة البقيع حقيرة جدا لا تليق بقدسية الشخصيات المدفونة فيها وقد تكون أقذر واتعس من أية مقبرة موجودة في المدن الشرقية الأخرى التي تضاهي المدينة المنورة في حجمها، فهي تخلو من اي قبر مشيد تشييدا مناسبا، وتنتشر القبور فيها وهي أكوام غير منتظمة من التراب يحد كل منها عدد من الأحجار الموضوعة فوقها.. ويعزى تخريب المقبرة الى الوهابيين".

ثم يصف هذا الرحالة قبورة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وقبر العباس (عليه السلام) وعمات النبي (صلى الله عليه وآله) بالقول: فالموقع بأجمعه عبارة عن أكوام من التراب المبعثر، وحفر عريضة.

أما "جبل أحد" فيقول عنه هذا الرحالة بأنه "وجد المسجد الذي شيد حول قبر حمزة (رض) وغيره من شهداء أحد مثل مصعب بن عمير وجعفر بن شماس وعبد الله بن جحش قد هدمه الوهابيون.. وعلى مسافة وجد قبور اثني عشر صحابيا من شهداء أحد وقد خرب الوهابيون قبورهم وعبثوا بها".

وقد وصف الرحالة الغربي "ايلدون رتر" المدينة المنورة بعد الجريمة الثانية التي نفذها الوهابيون عند استيلائهم على المدينة وقتلهم الآلاف من الأبرياء، يقول: "لقد هدمت واختفت عن الأنظار القباب البيضاء التي كانت تدل على قبور آل البيت النبوي.. وأصحاب القبور الأخرى نفس المصير فسحقت وهشمت".

أهم المعالم والمراقد التي هدمها الوهابيون وآل سعود

1- مراقد الأئمة الأربعة: الحسن السبط، وزين العابدين، ومحمد الباقر، وابنه جعفر بن محمد الصادق (عليهم الصلاة والسلام) وقبر العباس ابن عبد المطلب عم النبي، وبعد هدم هذه القباب تم ازالة الأضرحة وتسويتها بالارض .

2- قبة أهل البيت (عليهم السلام) المحتوية على ضريح سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام).

3- قبة مرقد سيدنا إبراهيم عليه السلام، ابن النبي الاكرم (صلى اله عليه واله وسلم) وضريحه.

4- قبة مراقد أزواج النبي (صلى اله عليه واله وسلم) وأضرحتهن.

5-قبة مراقد عمات النبي (صلى اله عليه واله وسلم) واضرحتهن.

6- قبة مرقد مرضعة النبي الاكرم (صلى اله عليه واله وسلم) السيدة حليمة السعدية.

7- قبة مرقد إسماعيل ابن الامام جعفر بن محمد الصادق (صلى اله عليه واله وسلم) وضريحه.

8- قبة مرقد الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري وضريحه.

9- قبة مرقد سيدتنا فاطمة بنت أسد أم امير المؤمنين (عليه السلام) وضريحها.

10- قبة مرقد سيدنا عبد الله والد النبي (صلى اله عليه واله وسلم) .

11- قبة مرقد سيدنا حمزة بن عبد المطلب عم الرسول الاكرم (صلى اله عليه واله وسلم) خارج المدينة المنورة عند جبل احد.

11- قبة مرقد علي العريضي ابن الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) خارج المدينة.

12- قبة مرقد زكي الدين وضريحه خارج المدينة.

13- قبة مرقد الصحابي مالك أبي سعد من شهداء أحد داخل المدينة.

14- موضع الثنايا خارج المدينة.

15- مشهد مصرع سيدنا عقيل بن أبي طالب (عليه السلام).

16- بيت الأحزان لسيدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام).

17- قبر سيدتنا ام البنين (عليها السلام).

مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال annabaa010@gmail.com
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ لوثائقي)

.........................
المصادر
- مركز الفرات
- موقع المرجع الديني سيد صادق الشيرازي
- ويكي شيعة
- قناة العالم
- وكالة انباء براثا
- مكتبة العتبة الحسينية المقدسة
- موقع الشيعة

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0