لم تتمكن من الصبر لحظة واحدة بعد الانقلاب العسكري المشؤوم على الشرعية وعلى الخلافة، فخرجت من بيتها بصحبة أمير المؤمنين، عليه السلام، فاركبها بغلة ومعها الحسنان، واخذت تدور على بيوت المهاجرين والانصار في المدينة وهم هاجعون، فتطرق عليهم الابواب لتوصل اليهم رسالة الحق والحقيقة وتذكرهم ببيعتهم يوم الغدير، وتدعوهم لنصرة الخليفة الشرعي الذي بايعوه بملء ارادتهم في ذلك اليوم التاريخي المشهود. ولكن!

لعل من اكثر ما يوصف بالمرارة والقساوة من الكلام، ما صدر من هؤلاء (المسلمين) أن "يا بنت رسول الله! لو جاءنا ابن عمك قبل هذا – مضمون الرواية- لما عدونا الى غيره"!! وهم يعلمون اين كان علي بن أبي طالب قبل هذا الوقت؟ وقد شهدوا تجهيز رسول الله وتشييعه الى مثواه الاخير في قلّة من المؤمنين، حتى سأل سائلهم عن سبب تغسيل النبي وهو الطاهر المطهر، وكان جواب الامام علي: "لأجل ان تستمر السنّة"، وأن يلتزم المسلمون بهذه السنّة في غسل موتاهم، الى يوم القيامة.

لماذا حصل هذا؟

المؤرخون وكتاب السيرة ومن بحث في الظروف الاجتماعية والسياسية في تلك الحقبة الزمنية تحديداً يشيرون الى اسباباً عدّة أدت الى ذلك الاختيار الخاطئ والكارثي، رغم الجهود المضنية للنبي الاكرم في تبيين الحقائق ووضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالعقيدة والقيم والمبادئ، حتى لم يبق شيء في نظام الحياة لم يسلط عليه الضوء في غضون السنوات العشر القلائل من حياته الشريفة وهو بين ظهراني أول مجتمع اسلامي، ورغم ما قاله مراراً وأمام الناس في المدينة، أن "فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد أذاني ومن آذاني فقد آذى الله"، واحاديث تبين مكانة الزهراء وأحقيتها، فضلاً عن تأكيده الوافر على مكانة ومنزلة علي بن أبي طالب، عليهما السلام.

ترسبات الثقافة الجاهلية

حتى نعرف معنى الثقافة الجاهلية، وهل للجاهلية ثقافة؟ يكفي ان نعرج على بيت الزهراء، في أدق اللحظات التاريخية، حيث كانت طريحة الفراش بعد واقعة الباب، وقد زارها "الشيخان" وبإصرار منهما، بعد رفضها، وعندما واجهتهم بعدم رد السلام، وإعلان السخط عليهما، توجه الثاني الى الاول، بعد ان هزّه الموقف، أن "لا بأس عليك – مضمون الرواية- انها امرأة..."!! وربما يذكرنا هذا بموقف مشابه في مجلس عبيد الله بن زياد وأمامه رأس الامام الحسين بن علي بن ابي طالب، وقد أسقط في يده وتعرض لضربة مفاجئة وعنيفة من العقيلة زينب بأن "ثكلتك أمك...."، فانتفض من مكانه يريد الرد عليها، فجاءه التعليق من أحد المتزلفين حوله: "إنها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها".

ليس من السهل تخلّي المجتمع العربي عن نظرته للمرأة وبنات حواء بشكل عام، لاسيما وأن القتل دفناً تحت التراب كان أحد مكونات هذه النظرة، فهذه القسوة المريعة بحاجة الى زمن طويل لازالتها وتربية جيل جديد على لين القلب وتبني مفاهيم الحب والمودة، لذا فان افراد المجتمع المكوّن من المهاجرين والانصار، وجلّهم مسلمون وبينهم شريحة لابأس بها من المؤمنين وممن يسترخصون دمائهم في سوح الجهاد، كانوا يسمعون مراراً من نبيهم عبارات الثناء والتبجيل لابنته الزهراء، بيد أن هذه النقطة السوداء ظلت عالقة في أعماق الضمير والوجدان، وكانت تمنعهم من الرؤية الشفافة للمفاهيم بما يوقض الضمير ويحيي القلب، والمثال الأبرز في ذلك؛ الصحابي المعروف؛ سعد بن معاذ، الذي استشهد في احدى الغزوات، فأنزله النبي بيده الى لحده، في القصة المشهورة، ثم سمع تفاؤل أمه بالجنة بهذه المكرمة، فقال لها وهو داخل القبر: "لا تحتمي على الله يا أم سعد! فان لابنك ضغطة في القبر يخرج لبنك الذي شربه من اصابع يديه"!! وكان السبب سوء خلق مع زوجته.

وهذا ما تصدّت له الزهراء وسعت بكل ما أوتيت من قوة، بأن تزيل تلك الغشاوة من البصيرة والرين من القلوب حتى يتجنب افراد الأمة سوء الاختيار على مر الزمان، فجاء تبيينها للحقائق ثم التقريع واللوم الشديدين في تلك الخطبة المدوية المعروفة "الفدكية" التي طالبت بها بحقّها في أرض فدك التي وهبها لها أبوها رسول الله، وكانت حتى آخر لحظات حياته ضمن ملكيتها، فهي في الوقت دعت الى الخيار الصحيح والطريق المستقيم، وهو الولاية لعلي بن أبي طالب، كشفت مآل الزيغ عن هذا الطريق: "...وَبَعْدَ أنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجالِ وَذُؤْبانِ الْعَرَبِ وَمَرَدَةِ أهْلِ الْكِتابِ، {كُلَّما أوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ}، أوْنَجَمَ قَرْنٌ لِلْشَّيْطانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَذَفَ أخاهُ في لَهَواتِها، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِماخَها بِأَخْمَصِهِ، وِيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ، مَكْدُوداً في ذاتِ اللّهِ، مُجْتَهِداً في أمْرِ اللهِ، قَرِيباً مِنْ رِسُولِ اللّهِ سِيِّدَ أوْلياءِ اللّهِ، مُشْمِّراً ناصِحاً ، مُجِدّاً كادِحاً ـ وأَنْتُمْ فِي رَفاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فاكِهُونَ آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ، وتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبارَ، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النِّزالِ، وَتَفِرُّونَ عِنْدَ القِتالِ.

فَلَمَّا اخْتارَ اللّهُ لِنَبِيِّهِ دارَ أنْبِيائِهِ وَمَأْوى أصْفِيائِهِ، ظَهَرَ فيكُمْ حَسيكَةُ النِّفاقِ وَسَمَلَ جِلبْابُ الدّينِ، وَنَطَقَ كاظِمُ الْغاوِينِ، وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلِّينَ، وَهَدَرَ فَنيقُ الْمُبْطِلِين".

وبعد محاججة طويلة بالقرآن الكريم وبما قاله رسول الله، اضطر "الاول" لأن يلقي بالسؤولية على جموع المسلمين المحتشدين في المسجد بأنهم؛ "هؤلاءِ المُسْلِمونَ بَيْنِيَ وبَيْنَكِ، قَلَّدوني ما تَقَلَّدْتُ، وَباتِّفاقٍ مِنْهُمْ أَخَذْتُ ما أَخَذْتُ غَيْرَ مُكابِرٍ وَلا مُسْتَبِدٍّ وَلا مُسْتَأْثِرٍ، وِهُمْ بِذلِكَ شُهودٌ"، التفت الصديقة الزهراء صوب هذه الجموع قائلة: "مَعاشِرَ النّاسِ المُسْرِعَةِ إِلى قِيلِ الباطِلِ، المُغْضِيَةِ عَلى الفِعْلِ القَبيحِ الخاسِرِ {أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ أَمْ عَلى قُلوبِهِم أَقْفالُها} كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلوبِكُمْ ما أَسَأتُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ، فَأَخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَأَبْصارِكُمْ، وَلَبِئْسَ ما تَأَوَّلْتُمْ، وَساءَ ما أَشَرْتُمْ، وشَرَّ ما مِنْهُ اعتَضْتُمْ، لَتَجِدَنَّ وَاللهِ مَحْمِلَهُ ثَقيلاً، وَغِبَّهُ وَبيلاً إِذا كُشِفَ لَكُمُ الغِطاءُ، وَبانَ ما وَراءَهُ الضَراءُ، {وَبَدا لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ما لَمْ تَكونوا تَحْتَسِبونَ} وَ {خَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلونَ}.

الاختيار الصحيح وأدواته

بعد مضي حوالي اربعة عشر قرناً من الزمن على ذلك الاختيار السيئ الذي أدى الانحراف التاريخي المرير، مازلنا نلاحظ الاستمرار في الخطأ نفسه، والسبب؛ الاعتقاد أن الانسان يحسب انه يُحسن صنعاً، وهو يعمل وفق قناعاته وما يعتقد به، فهل كل ما يعتقد به الانسان صحيح؟

حتى الفلاسفة والمفكرون الذين بحثوا في طريقة تفكير الانسان والاعتماد الكلّي على العقل احياناً، او التجربة او القياس تارةً اخرى، أكدوا ان ليس ما ينتجه فكر الانسان يكتسب الصحّة والسلامة، انما هنالك معايير اخرى تحكم هذه الصحّة لابد من توفرها منها؛ الايمان مع التطبيق العملي وايضاً الاستعانة بالعقل بحثاً عن المصاديق الواقعية، وهذا ما حرص أهل البيت، توفيره لافراد المجتمع والامة، وما يزال التراث العظيم والغني يضخ لنا المفاهيم والقيم والحيّة التي تفيد كل زمان ومكان، فالحب والودّ –مثلاً- التي دعا اليها النبي الاكرم، جسدها أمام أعين الناس بحبّه الشديد لحفيديه، الحسن والحسين، عليهما السلام. وكذلك؛ قيم العدل والحرية التي دعا اليها الامام علي، عليه السلام، فانه جسدها خلال فترة حكمه، وكذلك الحال بالنسبة للدور المطلوب للمرأة المسلمة الذي جسدته العقيلة زينب، عليها السلام، بعد واقعة كربلاء، بل وظهرت مصاديق عدّة لهذا الدور الحضاري المتنامي في مواقف نسوة أخريات لم يكنّ من بيوت وجاهة اجتماعية ولا علمائية – حسب التصنيف الدارج- إنما نسوة من عامة المجتمع، مثل تلك المرأة الثكلى بزوجها والتي عبئت ابنها الصغير للالتحاق بأبيه دفاعاً عن الامام الحسين، بل ونلاحظ امرأة مثل أم وهب، وكانت مسيحية وليست مسلمة، بيد أنها رافقت زوجها للانضمام الى معسكر الامام، وبعد استشهاده خرجت وبيدها رمح طيول تريد المشاركة في القتال فأعادها الامام الحسين، ولكن إصرارها وجلوسها عند جثمان زوجها، تمسح الدم والتراب عن وجهه، جعلها ترزق الشهادة بعد أن أمر الشمر أحد غلمانه بقتلها لتكون أول امرأة تستشهد في معركة الطف.

ان وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، وتطور الحياة وتبلور الكثير من الحقائق والمفاهيم، سهل مهمة الاختيار بشكل كبير للمرأة بشكل خاص، ولجميع افراد المجتع بشكل عام، حتى ما نلاحظه من بعض التأثر العاطفي بما يروج له من الحرية للمرأة في الخروج من البيت والعمل والتصرف كيفما تشاء، يتعرض لانتقاد شديد من العلماء والمثقفين لاسباب منطقية بالدرجة الاولى، وما يفرزه هذا اللون من الحرية من مساوئ على حياة المرأة؛ ثم على المجتمع بشكل عام.

لقد دعتنا الصديقة الطاهرة الى تلاوة القرآن الكريم والتدبّر فيه، وايضاً مدارسة السيرة النبوية، وهي التي تستدعي مدارسة سيرة الائمة المعصومين، وهم خلفاء النبي الأكرم، لما يساعدنا في الاختيار الصحيح في الحياة ومن اتخاذ الموقف المبدأي من الحق، والوقوف بحزم أمام الباطل الانحراف، وكل ما يلحق الضرر بالانسان الفرد، وبالمجتمع والامة بشكل عام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0